(( خصائص شهر رمضان ))

(( خصائص شهر رمضان ))

محمد أنور مرسال


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فإنَّ شهر رمضان فضله الله -تبارك وتعالى- بفضائل عديدة، وخصه بخصائص كثيرة، ومن هذه الخصائص:

الأول - (( الشهر الوحيد الذي ذكره الله في القرآن )):

شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذى ذكره ربنا -تبارك وتعالى- باسمه فى القرآن.

برهان ذلك:

 قول الله -تعالى-:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ{البقرة:185}.

الثاني - (( كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان)):

لقد كان النبى -صلى الله عليه وسلم-  يُبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان.

 برهان ذلك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ )) ([1]).

الثالث - (( جعل الله فيه عبادة هي ركن من أركان الإسلام -الصيام- )):

فقد خص الله -تعالى- شهر رمضان بعبادة هي ركن من أركان الإسلام، ألا وهي الصيام الذى أوجبه ربنا -تبارك وتعالى- على عباده.

برهان ذلك:

أ ــ قال الله -تعالى-:﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185].

ب ــ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:

(( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) ([2]).

الرابع - (( فيه نزل ([3]) القرآن )):

فلقد كان ابتداء نزول القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان.

برهان ذلك:

قال الله -تعالى-:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾{البقرة:185}.

الخامس- (( فيه نزلت الكتب السابقة )):

برهان ذلك:

ورد في حديث -في سنده مقال- أن الكتب السابقة نزلت في شهر رمضان.

عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

(( أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ )) ([4]).

ففي هذا الحديث: أُنزلت الصحف، والتوراة، والإنجيل، والقرآن في شهر رمضان.

السادس- (( فيه ليلة مباركة هي أعظم، وأفضل الليالي )):

جعل ربنا فيه ليلة هى أفضل الليالى، ألا وهى ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر، وخصها ربنا  -تعالى ذكره- بسورة خاصة في القرآن، وهي سورة  "القدر"

قال الله -تبارك وتعالى-:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ {القدر: 1 – 3}.

قال الله -تعالى-:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ﴾ {الدخان:3 – 4}.

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بــ "الليلة المباركة" ليلة القدر ([5]).

وسُـمِّيت مباركة: لما يكون فيها من الخيرات والبركات على العباد، وما يكون فيها من عظيم الثواب ([6]).

(فِیهَا یُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِیمٍ) يعني: ما يكون فيها من الآجال والأرزاق، من يموت، ومن يولد، ومن يعزّ، ومن يذل، وسائر أمور السنة ([7]).

فهذه الليلة لها ما لها من الخصائص ([8])، والفضل الكبير عند الله -تبارك وتعالى-.

السابع - (( تضاعف فيه الحسنات )):

فإنَّ الله -تعالى- جعل الحسنات تُضاعَف فى هذا الشهر، وجعل العبادات تُضاعف فى هذا الشهر كما ورد فى الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي )) ([9]).

فما من عبادة من العبادات إلا وأجرها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فلا سقف له فى الأجر، فربُّنا -تبارك وتعالى- هو الذى يَجزى به بفضل الله تبارك وتعالى علينا.

الثامن (العمرة فيه أجرها يعدل ثواب حجة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-):

فالعمرة في رمضان ثوابها وأجرها كأجر وثواب حجة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.

برهان ذلك:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ

قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟»، قَالَتْ: أَبُو فُلاَنٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ

لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ:«فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ

تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي» ([10]).

وفي رواية:(( وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي -يَعْنِي عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ -)) ([11]). 

الناضح: الإبل التي يُستقى عليها ([12]).

وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة:

هل العمرة فى رمضان التي تعدل حجة مع النبى -صلى الله عليه وسلم- خاصة بهذه المرأة الأنصارية فقط، أو تعدل حجة في حق الجميع -عامة-؟

القول الأول: العمرة فى رمضان تعدل حجة مع النبى -صلى الله عليه وسلم- خاصة بهذه المرأة الأنصارية فقط.

القول الثانى: أنَّ هذا لمن فاته الحج لعُذر، ثم اعتمر فى رمضان؛ فإن الله -تعالى- يُعطيه أجر حجة مع النبى -صلى الله عليه وسلم-.

القول الثالث: أنَّ هذا الفضل إنما هو عام لكل من اعتمر فى شهر رمضان، لجميع المسلمين وليس مخصوصًا لأشخاص، أو أحوال.

(وهذا قول الجمهور) وهو أولى الأقوال بالصواب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.

قال ابن الجوزي -رحمه الله-:

"تعدل حجَّة " وَقد بَينا أَن ثَوَاب الْأَعْمَال يزِيد بِزِيَادَة شرف الْوَقْت، أَو خلوص الْقَصْد، أَو حُضُور قلب الْعَامِل ([13]).

وكان بعض السلف يسمون العمرة في رمضان "الحج الأصغر"

عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلْتُهُ قُلْتُ: هَذَا الْحَجُّ الْأَكْبَرُ، فَمَا الْحَجُّ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ» ([14]).

تنبيه:

وهذا الفضل "في الجزاء لا في الإجزاء".

التاسع (( شهر رمضان فيه ثلاث فرص خاصة لمغفرة الذنوب )):

ففي الشهر المبارك ثلاث فرص لمغفرة الذنوب.

برهان ذلك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:(( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) ([15]).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»  ([16]).

فهذه ثلاص فرص لمغفرة الذنوب ([17]):

(صوم رمضان – قيام رمضان – قيام ليلة القدر) إيمانًا واحتسابًا.

إيمانًا: يعنى إيمانًا بالله -تعالى- مُصدقًا بوعده بالثواب على هذا الصيام والقيام.

احتسابًا: أى إخلاصًا لله -تعالى- قاصدًا وجهه بهذه العبادات طلبًا للأجر من الله.

العاشر (( بُعث النبى -صلى الله عليه وسلم- فيه فكان رحمة للعالمين )):

ففي هذا الشهر المبارك أرسل الله النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين.

قال الله -تعالى-:﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ {الأنبياء:107}

وهى من أعظم المنن التى امتنَّ الله -تعالى- بها على العباد، كما قال -تعالى-:

﴿ كَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِیكُمۡ رَسُولࣰا مِّنكُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِنَا وَیُزَكِّیكُمۡ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَیُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُوا۟ تَعۡلَمُونَ﴾ {البقرة:151}.

فالحمد لله على نعمته العظيمة.

الحادي عشر ((تُغلَّق أبواب النيران، وتُفتح أبواب الجنان، وتصفد الشياطين)):

برهان ذلك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ )) ([18]).

وفي رواية:(إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) ([19]).

الثاني عشر (( فيه نداء خاص في أول ليلة من مناد من السماء ))

ففي هذا الشهر المبارك ينادي منادٍ مخصوص، عند أول ليلة في شهر رمضان.

برهان ذلك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ

أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ،

وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ،

وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ )) ([20]).

الثالث عشر (( مشروعية الاجتماع فى صلاة القيام فى جماعة )):

 فهو الشهر الوحيد الذى يُشرعُ فيه فى كل لياليه الاجتماع على صلاة قيام الليل فى جماعة، بل ويُستحب ذلك ويندب ذلك -باتفاق العلماء-.

الرابع عشر ( صلاة القيام مع الإمام -جماعة- حتى ينتهى لها أجرُ قيام ليلة ):

 فمن صلى القيام مع الإمامِ حتى ينتهي الإمامُ من صلاته كُتِب له قيام الليلة كاملة.

برهان ذلك:

عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، وَقَامَ بِنَا فِي الخَامِسَةِ، حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا لَهُيَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ فَقَالَ:(( إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ )) ([21]).

وفي رواية:((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ)) ([22]).

فمن صلى مع الإمام حُسب له كأنما صلى الليل كله من العشاء إلى الفجر.

الخامس عشر (( أنه اختُصَّ بعبادة عظيمة وهى زكاة الفطر )):

برهان ذلك:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:(( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ

مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ

أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ )) ([23]).

فهى طهرة للصائم من اللغو والرفث والمعاصى والخلل، فهى تَجبر هذا الكسر ولولا أن الله فرضها لكان صيامنا ناقصًا، فالحمد لله على فضله وكرمه ورحمته.

السادس عشر (الناس يُقبلون على الطاعة والخير ويُقصرون عن السوء والشر):

فالناس في هذا الشهر المبارك يقبلون على الخيرات، ويقصرون عن المنكرات، فتجدهم يقرأون القرآن ويتلون الآيات، ويقبلون على أداء الصلوات، حتى إن بعض النساء المتبرجات طوال العام، تحتجب فى رمضان، فيا له من شهر عظيم، نفحة وهبة من الله الكريم.

السابع عشر (( شهر رمضان كأنما جُمِعَ فيه أركان الإسلام الخمسة )):

فكأن هذا الشهر المبارك اجتمعت فيه أركان الإسلام الخمسة:

(الشهادة، والصلاة، والحج، والصوم، والزكاة)

أما الصلاة: ففيه صلاة مخصوصة، وهى صلام القيام أو التراويح في جماعة.

وأما الحج: ففيه العمرة -وهى من الحج-، والعمرة فيه تعدل حجَّة مع النبى -صلى الله عليه وسلم-.

وأما الزكاة: ففيه زكاة، وهى زكاة الفطر.

وأما الصوم: فهو شهر الصوم.

وأما الشهادة: فالثواب المترتب على كل هذه الأعمال يتعلق بفعلها إيمانًا، واحتسابًا، فهو إعلان للتوحيد في الأعمال، فضلًا عن كون الصيام -في أصله- لا رياء فيه، فهو يُفعل لله -تعالى-، فالمكلف يكون وحده أمامه الطعام والشراب فيمسك إخلاصًا لله، ولذلك خصه الله في الحديث: "الصوم لي وأنا أجزي به".

مع اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه العبادة؛ فجمع الشهادتين.

الثامن عشر-(( فيه عُتَقَاء في كُلّ يَومٍ لَيْلَة، ولكل عتيق دعوة مستجابة )):
برهان ذلك:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:

(( إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ )) ([24]).

ومعلوم أن للصائم دعوة لا ترد، كما ورد في الأحاديث:

عن أبي هُريرةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قال: قال رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:

(( ثَلاثةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهمْ: الصَّائمُ حتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادلُ، وَدَعْوةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُها اللهُ فَوْقَ الْغَمامِ، وَيَفْتَحُ لَها أبْوابَ السَّماءِ، وَيَقولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتي لأنْصُرَنَّك وَلو بَعْدَ حِينٍ )) ([25]).

التاسع عشر (( شَهر الكرم والْجُود )):
فهذا الشهر المبارك هو شهر الجود والكرم.

والنبي -صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي وروحي- كان أجود الناس في رمضان.

برهان ذلك:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ

مِنَ الرِّيحِ الـمُـرْسَلَةِ )) ([26]).

وكذلك عباد الله تجدهم أجود الناس في شهر رمضان.

وإنما وُجد هذا الجود في رمضان من أثر جود الله العظيم،  وكرمه الجزيل الكبير لا سيما في شهر رمضان، فالله -تعالى- يكرم ويجود على الصائمين بالثواب الجزيل،ويعتق منهم الكثير.

وبالله التوفيق.


 

([1]) ــ صحيح: رواه النسائي (2106).

([2]) ــ رواه البخاري (8)، ومسلم (19).

([3]) ــ نزل في "ليلة القدر من شهر رمضان" من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة، كما ثبت هذا عن: ابن عباس -رضي الله عنهما – وغيره، انظر: "تفسير الطبري" (2/113 ـ 114) الآثار رقم: (2806)، (2810)، (2812)، (2814) طـ (دار الحديث) القاهرة.

([4]) ــ رواه أحمد (16984)، وهو حديث مختلف فيه، من العلماء من صححه، ومنهم من ضعفه.

([5]) ــ وقد اختلف المفسرون في "الليلة المباركة" في الآية، فذهب جمهور المفسرين  إلى أنها "ليلة القدر"،

وذهب بعض المفسرين إلى أنها "ليلة النصف من شعبان"، والصواب: "قول الجمهور".

انظر: "تفسير الطبري" (10/77) طـ (دار الحديث) القاهرة، "تفسير البغوي" (صـ1147) طـ (دار ابن حزم) بيروت ـ لبنان، "تفسير القرطبي" (16/100) طـ (المكتبة التوفيقية) القاهرة، "تفسير ابن كثير" (4/176)

طـ (دار القلم للتراث) القاهرة.

([6]) ــ "تفسير القرطبي" (16/100) طـ (المكتبة التوفيقية) القاهرة.

([7]) ــ "تفسير الطبري" (10/77) طـ (دار الحديث) القاهرة، "تفسير ابن كثير" (4/176) طـ (دار القلم للتراث) القاهرة.

([8]) ــ من خصائصها:

أ ــ تعدد أسمائها: (ليلة مباركة، ليلة القدر، البراءة)، وغير ذلك.

انظر: "تفسير القرطبي" (16/100) طـ (المكتبة التوفيقية) القاهرة.

ب ــ كثرة الملائكة في الأرض، كما قال تعالى: (( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا )) [القدر:4].

وفي بعض الأحاديث:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي "لَيْلَةِ الْقَدْرِ":

((إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ -أَوْ تَاسِعَةٍ- وَعِشْرِينَ، إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى)) حسن لغيره: رواه أحمد (10734)، وابن خزيمة (2194).

ج ــ تحدث فيها تغيرات كونية، فالشمس تطلع صبيحتها لاشعاع لها، كما في الحديث:

((.....وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لاَ شُعَاعَ لَهَا )). رواه مسلم (762).

وورد في بعض الأحاديث:((....لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً )(.

رواه ابن خزيمة (2192).

([9]) ــ رواه مسلم (1151).

([10]) ـــــ رواه البخاري (1863)، ومسلم (1256)، وأبو داود (1990)، وهذا لفظ البخاري.

([11]) ــ صحيح: رواه أبو داود (1990)

([12]) ــ النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، (صـ 907) مادة:"نضح"، طـ (الأعمال الكاملة).

([13]) ــ كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي (2/352)، رقم:(1029).

([14]) ــ حسن: رواه ابن شيبة (13491) ت: الشثري، والطبري في "تفسيره" (5/818)، رقم:(16472)، طـ (دار الحديث) القاهرة.

([15]) ــ رواه البخاري (2014)، ومسلم (760).

([16]) ــ رواه البخاري (37)، ومسلم (759).

([17]) ــ المقصود بمغفرة الذنوب: "الصغائر"

برهان ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:(( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ)). رواه مسلم (233) وغيره.

([18]) ــ رواه البخاري (3277)، ومسلم (1079)، وهذا لفظ البخاري.

([19]) ــ رواه مسلم (1079).

([20]) ــ صحيح: رواه الترمذي (682)، ومطلعه أصله في الصحيح، البخاري (3277)، ومسلم (1079).

([21]) ــ صحيح: رواه أبو داود (1375)، والترمذي (806)، والنسائي (1605)، .

([22]) ــ رواه أحمد (21447).

([23]) ــ حسن: رواه أبو داود (1609)، وابن ماجة (1827).

([24]) ــ صحيح: رواه أحمد (7450)

([25]) ــ صحيح لغيره: رواه أحمد (8043)، والترمذي (3915)، وابن ماجة (1752).

([26]) ــ رواه البخاري (3554)، ومسلم (2308)، وهذا لفظ البخاري.