التوسل


 

485-     جزاكم الله خيراً هل هناك توسل جائز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنواع التوسل الجائزة كثيرة شرعية، منها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه على سبيل العموم، ومنه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أوعلمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فهذا توسل إلى الله تعالى بأسمائه كلها ما علمنا منها وما لم نعلم. والثاني: التوسل إلى الله تعالى باسم خاص يكون مناسباً للمطلوب، كقول القائل: اللهم يا غفور يا رحيم يا كريم اغفر لي وارحمني وتكرم علي، وما أشبه ذلك، وهذا مما جاء في السنة، فإن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، فهنا دعاء وتوسل: (اغفر لي مغفرة من عندك وارحمني) دعاء و (إنك أنت الغفور الرحيم) توسل إلى الله تعالى بهذين الاسمين المناسبين لما دعا به الداعي، وهو أيضاً توسل إلى الله تعالى بصفته، أي بصفة من صفاته في قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت). الثالث: التوسل إلى الله تبارك وتعالى بصفة من صفاته، كما في حديث الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم) إلى آخره، وكما في القراءة على المريض: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، وكما في قوله: (اللهم برحمتك أستغيث) وما أشبه ذلك. الرابع: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله، أن يتوسل إلى الله تعالى في طلب حاجة من الحاجات بفعلٍ فعله سبحانه وتعالى نظير ما طلب، ومنه: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. الخامس: التوسل إلى الله تبارك وتعالى بذكر حال الداعي، وأنه محتاج ومضطر إلى الله، كما في قول موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، فهنا سأل الله تبارك وتعالى بوصف حاله، وأنه محتاج مفتقر إلى الله تبارك وتعالى. السادس: التوسل إلى الله تبارك وتعالى بدعاء من ترجى إجابته، أي: أن يدعو لك من ترجى إجابته، ومنه توسل الصحابة بدعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما ذكرناه آنفاً، ومنه قول عمر رضي الله عنه حين استسقى: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيقوم العباس فيدعو فيسقون). هذه أنواع كلها جائزة.

***

486-     مصري يعمل بالدمام يقول: ما هي أنواع التوسل؟ وهل يجوز التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوسل نوعان: نوع جائز ونوع ممنوع، بل نوع مشروع ونوع ممنوع. فمن التوسل المشروع: أن يتوسل الإنسان بأسماء الله وصفاته، فيقول: يا غفور يا رحيم اغفر لي وارحمني، أو يقول: اللهم اغفرلي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، أو ما أشبه ذلك. والتوسل الممنوع: أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي: بجاهه أو بذاته فإن هذا ممنوع، وبدعة لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، ثم إنه توسل بوسيلة لا تنفعك؛ لأن جاه النبي عليه الصلاة والسلام أو ذات النبي لا تتعدى إلى غيره، ولكن لو توسل بالإيمان بالرسول أو بمحبة الرسول كان ذلك جائزاً.

***

487-   صلاح عبد الله من السودان بعث برسالة يقول فيها: كيف أدعو بالأسماء الحسنى؟ هل أدعو بالتسعة والتسعين؟ أرجو من فضيلة الشيخ إجابة

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله عز وجل: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). وليس المعنى أن ندعوه بجميع هذه الأسماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله بأسمائه من غير أن يجمعها كلها. وكيفية الدعاء بالأسماء: أن تقدمها بين يدي دعائك متوسلاً بها إلى الله، أو أن تختم بها دعاءك، مثال الأول أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي يا رحيم ارحمني وما أشبه ذلك، ومثال الثاني أن تقول: رب اغفر لي و ارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. وقد طلب أبو بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم). وكما يجوز التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند الدعاء فإنه يجوز أن يتوسل الإنسان بصفات الله عند الدعاء، كما في الحديث الصحيح: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي)، فهذا توسل إلى الله تعالى بعلمه وقدرته. وكذلك قول القائل في دعاء الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب). فالتوسل إلى الله تعالى في الدعاء بأسمائه أو بصفاته- سواء كان ذلك على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص- هو من الأمور المطلوبة، وقد عرفت الأمثلة في ذلك، ومن التوسل بأسماء الله على سبيل العموم ما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم :(اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي. فإنه ما دعا به داعٍ مهموم أو مغموم إلا فرج الله به عنه). ففيه التوسل بأسماء الله عامة: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، لكنه لم يعددها.

***

488-  السائل سيد محمد من جمهورية مصر العربية له هذا السؤال يقول: هل التوسل إلى الله بالأنبياء والمرسلين والصالحين جائز؟ نرجو أن توضحوا لنا ذلك يا فضيلة الشيخ مع الدليل الواضح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى هو أن يذكر ما يوصله إلى مقصوده، فإن ذكر ما لا أثر له في ذلك متوسلاً به إلى الله فإن هذا التوسل بدعة. وبناءً على هذا نقول: التوسل بالأنبياء إن كان المراد التوسل باتباعهم ومحبتهم والإيمان بهم فهذا لا بأس به وهو أمر مشروع، ولكنه لا ينبغي للمتوسل أن يقول: أتوسل إليك بنبيك أو بأنبيائك أو ما أشبه ذلك، بل يقول: أتوسل إليك بمحبة أنبيائك واتباع نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يحذف المضاف بل يذكره؛ لأنه إذا قال: أتوسل إليك بأنبيائك فقد يظن الظان أنه توسل بدعي، والتوسل البدعي هو يتوسل بذوات الأنبياء فيقول: أسألك بنبيك أسألك بأنبيائك أسألك بجاه نبيك أسألك بجاه أنبيائك وما أشبه ذلك، فإن هذا التوسل بدعي، وذلك لأن هذا التوسل لا يوصل إلى المقصود، إذ إن جاه النبي لا ينفعك فلا يصح أن يكون وسيلة لحصول مطلوبك، وجاه الأنبياء إنما يختص بهم فقط. وعلى هذا فمن سمعته يقول: أتوسل إليك بالأنبياء فلا تحكم عليه ببدعة ولا سنة، قل: ماذا تريد؟ إذا قال: أنا أريد أن أتوسل بذات الأنبياء وأشخاصهم فقل: هذا بدعة، وإذا قال: أريد أن أتوسل إليه بجاه الأنبياء؛ لأن لهم جاهاً عند الله قل: هذا بدعة أيضاً؛ لأن هذا ليس بوسيلة ولا ينفعك. إذا قال: أتوسل إليك بأنبيائك أي بحبي لهم فهذا حق؛ لأن محبة الأنبياء عبادة توصل إلى المقصود وتؤثر في إجابة الدعوة. إذا قال: أتوسل إليك بأنبيائك أي بالإيمان بهم فهذا حقيقة؛ لأنه عبادة، كما قال تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم...) إلى آخره. إذا قال: أتوسل إليك باتباع الأنبياء نقول: هنا يجب التوقف؛ لأن الأنبياء السابقين لا يلزم اتباعهم فيما يخالف شرعنا، ولكن قل: أتوسل إليك باتباع نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فحينئذٍ يكون صحيحاً وإني بهذه المناسبة أود أن أبين أن التوسل منه ممنوع ومنه جائز. فالممنوع: أن يتوسل بما ليس بوسيلة؛ لأن التوسل بما ليس بوسيلة إما بدعة وإما شرك، و التوسل الجائز: أن يتوسل بما هو وسيلة، وهو أنواع: النوع الأول: أن يتوسل إلى الله بأسمائه فيقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي، فهذا جائز؛ لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والحزن أن يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك......) إلى آخره.

 الثاني: هو التوسل إلى الله بصفاته، فهذا أيضاً جائز مشروع مثل: (اللهم إني أسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أن تحييني ما علمت الحياة خيراً لي، وأن تتوفاني ما علمت أن الوفاة خير لي)، فهذا توسل إلى الله تعالى بصفاته، ومنه قول القائل: يا رحمان برحمتك أستغيث. الثالث: أن يتوسل إلى الله بأفعاله بأفعال الله فتقول: اللهم كما أنعمت علي بالمال فأنعم علي بالعلم، أو تقول: اللهم كما أنعمت علي بالعلم فأنعم علي بالمال الذي يكفيني عن خلقك، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) فإنه هنا توسل إلى الله بفعله السابق الذي أنعم به على إبراهيم وآل إبراهيم أن يصلى على محمد وعلى آل محمد. الرابع: أن يتوسل إلى الله بالإيمان به، ومن ذلك قول أولي الألباب: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ)، فتوسلوا إلى الله تعالى بالإيمان به. الخامس: أن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح، ومنه قوله تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ). ومنه حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين أووا إليه، فانطبقت عليهم صخرة عجزوا عن دفعها، فتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة: توسل أحدهم بالبر التام، وتوسل الثاني بالعفة التامة، وتوسل الثالث بالأمانة، ففرج الله عنهم. السادس: أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بذكر حاله، وأنه فقير ظالم لنفسه محتاج لربه، ومنه قول موسى عليه الصلاة السلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). ومنه قول الداعي: (اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي)، فهذا توسل إلى الله تعالى بحال الداعي. السابع: أن يتوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، مثل قول الرجل الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا، وهذا الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لنفع عام للمسلمين. وأما سؤال الرجل من يعتقد فيه صلاحاً أن يدعو له هو بنفسه فالأفضل تركه؛ لأن هذا فيه نوع من السؤال الذي يوجب ذل السائل أمام المسؤول، وربما يكون فيه اغترار للمسؤول، حيث يرى نفسه أنه رجل صالح يسأل الدعاء، وفيه أيضاً أن الإنسان قد يتكل على طلبه من هذا الرجل الصالح أن يدعو له فلا يدعو هو لنفسه. وأما ما يذكر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب: (لا تنسنا يا أخي من دعائك) فهذا ضعيف، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما جاء في الحديث من وصية الرسول صلى الله عليه وسلم -من أدرك أويساً القرني أن يطلب منه الدعاء- فهذا خاص به، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً أن يطلب من صالح من الصحابة أن يدعو له، والصحابة أفضل من أويس القرني كأبي بكر، عمر، عثمان، علي، ابن مسعود، ابن عباس وغيرهم من الصحابة أفضل من أويس بلا شك، ومع ذلك لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام لأحد من الناس: من لقي أبا بكر فليطلب منه الدعاء أو نحو ذلك ، فهذه أنواع التوسل الجائزة، وينبغي للإنسان إذا توسل بأسماء الله أن يتوسل بها عموماً مثل: أسألك بكل اسمٍ هو لك، فأما إذا أراد أن يتوسل باسم خاص فليكن هذا الاسم مطابقاً للسؤال، فإذا كان يريد المغفرة فيقول: اللهم يا غفور اغفر لي، أو يقول: اللهم اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، حتى تكون الوسيلة مطابقة للمطلوب. ولا يليق إطلاقاً أن يقول قائل: اللهم يا شديد العقاب اغفر لي واعف عني وما أشبه ذلك؛ لما في ذلك من التضاد بين الوسيلة والمطلوب. وقد قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال: ( قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)، وهذا جمع بين وسائل متعددة: منها ذكر حال الداعي: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)، ومنها: الثناء على الله عز وجل بصفة من صفاته: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت)، ومنها: التوسل بالأسماء في قوله: (إنك أنت الغفور الرحيم).

***

489-   الله يحييك يا فضيلة الشيخ هذه رسالة وصلت من المستمع أبي حمزة من المدينة المنورة يقول: فضيلة الشيخ ما حكم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك التوسل بالأنبياء والصالحين، وأسأل عن الفرق بين التوسل بالأحياء وبين التوسل بالأموات، وما هو التوسل الجائز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحقيقة أن هذا السؤال كما ذكرت سؤال مهم ينبغي البسط في الإجابة عليه. فأقول: التوسل هو: اتخاذ وسيلة لبلوغ الغاية المقصودة، وهو قريب من معنى التوصل، يعني: أن الوسيلة للشيء الذي يوصل إلى المقصود، ولا بد أن تكون الوسيلة موصلة إلى المقصود حساً أو شرعاً، فإن لم تكن كذلك كان التشاغل بها من العبث. ثم إن كانت في مقام التعبد كانت بدعة، وإلا كانت لغواً وعبثاً، والتوسل إلى الله عز وجل كله من باب العبادة؛ لأن المقصود الوصول إلى الله عز وجل وإلى مرضاته، وما كان وسيلة لهذا فهو عبادة، وإذا كان عبادة فإنه يتوقف على ما جاءت به الشريعة، ولا يجوز أن نحدث وسيلة لم تأت بها الشريعة- أي: لا يجوز أن نحدث وسيلة إلى الله عز جل لم تأت بها الشريعة- وعلى هذا نقول: التوسل نوعان: توسل ممنوع، وتوسل جائز مشروع. فأما التوسل الممنوع فضابطه: أن يتوسل الإنسان إلى الله بما لم يثبت شرعاً أنه وسيلة، فمن ذلك التوسل بالأموات، فإنه محرم، وربما يكون شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، ومن ذلك أيضاً أن يتوسل الإنسان بجاه النبي صلى الله عليه وسلم على القول الراجح، وذلك لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الجاهات عند الله عز وجل، فإذا كان موسى وعيسى من الوجهاء عند الله فمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل وأولى بالجاه من غيره، ولكن الجاه لا ينتفع به إلا من استحقه، وأما الداعي فلا ينتفع به لأنه لا يستفيد منه شيئاً، والنبي عليه الصلاة والسلام منزلته عند الله إنما تكون نافعة له وحده، أما غيره فلا ينفعه عند الله إلا الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام وبما جاء به وما كان وسيلة شرعية. وأما النوع الثاني وهو التوسل الجائز فإنه أقسام: الأول: التوسل إلى الله بأسمائه، مثل أن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تغفر لي مثلاً، فهذا جائز، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). وفي حديث ابن مسعود المشهور في دفع الهم والغم: (أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي) إلى آخره، فهنا قال: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) الحديث. فالتوسل إلى الله بأسمائه توسل صحيح مشروع، سواء توسلت بأسمائه عموماً مثل أن تقول: أسألك بأسمائك الحسنى، أسألك بكل اسم هو لك، أو باسم معين من أسمائه كما لو قلت: اللهم أنت الغفور الرحيم فاغفر لي وارحمني. الثاني: التوسل إلى الله بصفاته، كما جاء في الحديث: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي). فهنا سأل الله بصفة من صفاته: بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق. ومنه توسل الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم). الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، بأن تتوسل بفعل من أفعال الله تعالى فعله في غيرك ليجعل لك مثل ما فعل في غيرك، ومن ذلك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. فهنا توسلنا إلى الله بفعل من أفعاله، وهو: صلاته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أن يصلى على محمد وعلى آل محمد. الرابع: التوسل إلى الله بالإيمان به، ومن ذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ). فتقول: اللهم إني أسألك بإيماني بك وبرسولك أن تغفر لي، وأن تؤمنني من الفزع الأكبر يوم الدين، وما أشبه ذلك. الخامس: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، بأن يتوسل الإنسان بعمله الصالح إلى الله عز وجل ليعطيه ما أراد، ومن ذلك قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة وهم في الغار ولم يستطيعوا زحزحتها، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة: توسل أحدهم ببر والديه، وتوسل الثاني بعفته عن الزنى، وتوسل الثالث بوفائه بأجر صاحبه أي بأجرة صاحبه، فقبل الله منهم وانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون. السادس: التوسل إلى الله عز وجل بدعاء الصالحين، ومن ذلك طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، مثل طلب الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فأغاثهم الله. وكذلك قول عكاشة بن محصن- حين تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال:- يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: (أنت منهم). هذا هو التوسل المشروع بالنسبة للصالحين: أن تتوسل إلى الله بدعائهم، أما أن تتوسل إلى الله بذواتهم فهذا من التوسل غير المشروع، بل من التوسل الممنوع. والسابع: أن يتوسل إلى الله عز وجل بذكر حاله، وهذا هو التعطف والتحنن- أي: طلب العطف وطلب الحنان- ومن ذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). فتقول: اللهم إني فقير عاجز معدم ضعيف وما أشبه ذلك، فتشكو حالك إلى الله، فهذه الشكاية تعتبر وسيلة إلى رحمة الله ومغفرته ومنته. هذه هي الأقسام المشروعة في التوسل، وأما التوسل بغير ما ورد فإنه من التوسل الممنوع. والله أعلم.

***

490-     السائل ع م ك تركونه ليبيا يقول: ما حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء: إذا كان المتوسل قصده التوسل بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو التوسل بمحبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا لا بأس به. أما إذا كان قصده التوسل بذاته فلا يجوز؛ لأن التوسل بذاته لا ينفع المتوسل، فيكون قد دعا الله تعالى بما ليس سبباً للإجابة، وهذا نوع من الاستهزاء. واعلم أن التوسل أنواع، منها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه، فهذا مشروع، مثل أن تقول: أسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تغفر لي، فهذا مشروع؛ لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، فهذا أيضاً مشروع، كما جاء في الحديث: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي). الثالث: التوسل إلى الله تعالى بأفعاله، كما يقول المصلى: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، فإن قوله: كما صلىت للتعليل، يعني: كما مننت بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد وعلى آل محمد. الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به واتباع رسوله، كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 53)، وكما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا) (آل عمران: من الآية16)، وكما في قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) (آل عمران: 193). الخامس: التوسل بالعمل الصالح، كما في قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم فأنجاهم الله وانفرجت الصخرة. السادس: التوسل إلى الله بحال الداعي، كأن يقول: اللهم إني فقير فأغنني، أو يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي، وكما في قول موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، كما كان الصحابة يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم، كما في قصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فدعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاستجاب الله له، هذه سبعة أنواع من التوسل الجائز. وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن طلب الدعاء من الشخص الصالح إذا كان يخشى منه أن يغتر هذا الرجل بنفسه وأن يقول: إنه من أولياء الله فهنا تحصل مفسدة فلا يسأل، كما أن الأولى بالإنسان مطلقاً أن لا يطلب من أحد أن يدعو الله له، بل يدعو هو نفسه، يدعو الله تعالى مباشرة. أما التوسل الممنوع فهو التوسل بالأموات، وقد يصل إلى حد الشرك الأكبر، وكذلك التوسل بجاه النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء، أو التوسل بجاه الصالحين، كل هذا ممنوع لا ينفع.

***

491-     بارك الله فيكم المستمع حميد السمرائي أيضاً يا شيخ محمد يقول: ماحكم الدعاء بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذتان مسألتان. المسألة الأولى: الدعاء بالقرآن الكريم، فالدعاء بالقرآن الكريم- يعني: أن يسأل الإنسان ربه بكلامه- وهذا على القاعدة المعروفة عند أهل العلم جائز؛ لأن هذا من باب التوسل بصفات الله عز وجل، والتوسل بصفات الله عز وجل جائز جاءت به الشريعة، والقرآن صفة من صفات الله عز وجل، فإنه كلام الله تكلم به حقيقة لفظاً وأراده معنى، فهو كلامه عز وجل لفظاً ومعنىً، ليس كلام الله ألفاظاً دون المعاني ولا المعاني دون الألفاظ، وإذا كان صفة من صفاته فالتوسل به جائز. وأما التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وهي المسألة الثانية فالراجح من أقوال أهل العلم أنه ليس بجائز، وأنه يحرم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أسألك بجاه نبيك كذا وكذا، ذلك لأن الوسيلة لا تكون وسيلة إلا إذا كان لها أثر في حصول المقصود، وجاه النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للداعي ليس له أثر في حصول المقصود، وإذا لم يكن له أثر لم يكن سبباً صحيحاً، والله عز وجل لا يدعى إلا بما يكون سبباً صحيحاً له أثرٌ في حصول المطلوب، فجاه النبي صلى الله عليه وسلم هو مما يختص به النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وهو مما يكون منقبة له وحده، أما نحن فلسنا ننتفع بذلك، وإنما ننتفع بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وما أيسر الأمر على الداعي إذا قال: اللهم إني أسالك بإيماني بك وبرسولك كذا وكذا، بدلاً من أن يقول: أسألك بجاه نبيك. ومن نعمة الله عز وجل علينا ورحمته بنا أنه لا ينسد باب من الأبواب المحظورة إلا وأمام الإنسان أبواب كثيرة من الأبواب المباحة، ولهذا ينبغي للداعي إلى الله عز وجل إذا ذكر للناس باباً مسدوداً في الشرع أن يبين لهم الباب المفتوح الذي أتت به الشريعة، حتى لا يسد على الناس الطرق ويبقيهم في عمه وحيرة، وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك في كتابه، وأرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. فقال الله تعالى في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا) فنهاهم عن قول وفتح لهم باب قول آخر: لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا. وقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي جاءه بتمر طيب، وأخبره بأنه يشتري هذا الطيب الصاع بالصاعين و الصاعين بالثلاثة، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تفعل )فنهاه أن يشتري صاعاً من التمر الطيب بصاعين من التمر الرديء، نهاه عن ذلك لأن هذا رباً وقال له: (بع الجمع- يعني: الرديء- بالدراهم، ثم اشترِ به- يعني: ثم اشترِ بالدراهم- تمراً طيباً) فلما نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم بين له الحلال، وهكذا ينبغي لكل داعية يدعو الناس إلى شيء فيحذرهم من فعل أو قول أن يذكر لهم بدلاً منه من الأقوال والأفعال المباحة. وخلاصة القول: أن سؤال الله تعالى بكلامه كالقرآن مثلاً جائز، وأن سؤال الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ليس بجائز، على ما بينا من الحكمة والتعليل.

***

492-   هذه رسالة من السائل يوسف سيد أحمد من ليبيا يقول: هل يجوز ذكر السيادة للرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه سواء في التشهد أو خلافه؟ وما هو الأفضل ذكرها أم تركها؟ وهل يجوز التوسل به صلى الله عليه وسلم أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب عن السؤال الذي عرض علينا في هذه الحلقة، وهو: تسويد الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصلاة عليه، فإننا نقول: لا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد الخلق، سيد ولد آدم، وأنه له السيادة المطلقة عليهم، لكنها السيادة البشرية، سيادة بشر على بشر، أما السيادة المطلقة فإنها لله عز وجل، فالرسول عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وهو إمامهم عليه الصلاة والسلام، ويجب على المؤمن أن يعتقد ذلك في رسوله صلى الله عليه وسلم. أما زيادة سيدنا في الصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم فإنها إن أردنا الألفاظ التي ورد بها النص لا ينبغي ذكرها إذا كانت لم تذكر؛ لأن الصيغة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة عليه هي أحسن الصيغ وأولاها بالاتباع، أما إذا كان يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة مطلقة فإنه لا بأس أن يقول: صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين مثلاً، لا بأس أن يقولها لأن النبي صلى الله عليه وسلم له السيادة على البشر، ولكننا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد لا نزيدها؛ لأنها لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا نقول: السلام عليك سيدنا أيها النبي، ونقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، ولا نقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، بل ولا نقول: اللهم صلِّ على نبينا محمد، بل نقول: اللهم صلِّ على محمد كما جاء به النص، هذا هو الأولى والأفضل. أما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن التوسل به أقسام: أحدها: أن يتوسل بالإيمان به، وهذا التوسل صحيح، مثل أن يقول: اللهم إني آمنت بك وبرسولك فاغفر لي، هذا لا بأس به وهو صحيح، وقد ذكره الله تعالى في القرآن في قوله: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ). ولأن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وسيلة شرعية لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات، فهو قد توسل بوسيلة ثابتة شرعاً. ثانياً: أن يتوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم، أي: بأن يدعو للمشفوع له، وهذا أيضاً جائز وثابت، لكنه لا يمكن أن يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، وأمر العباس أن يقوم  فيدعو الله سبحانه وتعالى بالسقيا، فالتوسل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه هذا جائز ولا بأس به. القسم الثالث: أن يتوسل بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم سواء في حياته أو بعد مماته، فهذا توسل بدعي لا يجوز، وذلك لأن جاه الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينتفع به إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، أما أنت بالنسبة إليك فإنك لا تنتفع به؛ لأنه ليس من عملك، وشيء ليس من عملك لا ينفعك، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك أن تغفر لي أو أن ترزقني الشيء الفلاني؛ لأن الوسيلة لابد أن تكون وسيلة، والوسيلة مأخوذة من الوسل بمعنى الوصول إلى الشيء، فلابد أن تكون هذه الوسيلة موصلة إلى الشيء، وإذا لم تكن موصلة إليه فإن التوسل بها غير مجد ولا نافع. وعلى هذا فنقول: التوسل بالرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: أن يتوسل بالإيمان به واتباعه، وهذا جائز في حياته وبعد مماته. أن يتوسل بدعائه أي بأن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو له فهذا جائز في حياته لا بعد مماته؛ لأنه بعد مماته متعذر. القسم الثالث: أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله فهذا لا يجوز، لا في حياته ولا بعد مماته؛ لأنه ليس وسيلة، إذ إنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده؛ لأنه ليس من عمله. فإذا قال قائل: لو جئت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام عند قبره وسألته أن يستغفر لي أو أن يشفع لي عند الله هل يجوز ذلك أو لا؟ قلنا: لا يجوز. فإذا قال: أليس الله يقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)؟ قلنا: بلى إن الله يقول ذلك، ولكنه يقول: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، وإذ هذه ظرف لما مضى وليس ظرفاً للمستقبل، لم يقل الله تعالى: ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، بل قال: إذ ظلموا، فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، وحصل من بعض القوم مخالفة وظلم لأنفسهم، فقال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)، واستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته أمر متعذر؛ لأنه إذا مات العبد انقطع عمله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إلا من  ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له). فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد، بل ولا يستغفر لنفسه أيضاً؛ لأن العمل انقطع.

فضيلة الشيخ: أثابكم الله إذاً على هذا لا يكون التوسل إلا مثلاً بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لكن هل نقيس عليه التوسل بأي عبادة من العبادات، كالتوسل مثلاً بصلاة الإنسان أو بصومه أو بعمل من أعماله الصالحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتوسل به نعم لا بأس به، يقول مثلاً:ً اللهم لك صلىت لك صمت لك حججت وما أشبه ذلك فاغفر لي، هذا لا بأس به؛ لأن هذه الأعمال من أسباب المغفرة.

***

493-   هذا السائل محمد الشتيلي المملكة العربية السعودية الزلفي يقول: فضيلة الشيخ ما حكم التوسل بالصالحين مع التفصيل؟ جزاكم الله خيراً

فأجاب رحمه الله تعالى: التوسل معناه اتخاذ الوسيلة الموصلة إلى المقصود، ومن المعلوم أن الوسيلة لابد أن تكون صحيحة في إيصالها إلى المقصود، وأما ما لم يكن صحيحاً في إيصاله إلى المقصود فإنه باطل لا يجوز فعله؛ لأن ما بني على الباطل باطل. وبناء على هذه القاعدة نعرف حكم التوسل بالصالحين، فالتوسل بالصالحين بعد موتهم لا يجوز؛ لأنهم لن ينفعوا من يتوسل بهم، ولن يستطيعوا أن يدعوا له ولا أن يشفعوا له عند الله إلا بإذن الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). أما التوسل بالصالحين الأحياء فهذا على نوعين: النوع الأول: أن يتوسل بأعمالهم الصالحة، أو بجاههم عند الله أو ما أشبه ذلك، فهذا حرام، مثال هذا أن يقول: أسألك اللهم بصلاة فلان لك أن تغفر لي، فإن هذا التوسل الممنوع محرم؛ لأن صلاة فلان لا تنفع إلا فلاناً ولا مصلحة لك منها، وليس منك عمل حتى تقول: إنه ينفعني عند الله، وكذلك التوسل بذات الرجل الصالح أو بجاهه فإنه ممنوع ومحرم؛ لأن ذاته لا تفيدك شيئاً وجاهه لا يفيدك شيئاً؛ فلو قلت: أسألك اللهم بفلان وهو حي أو ميت أيضاً فإنه لا ينفعك، ولا يحل لك التوسل به، وكذلك لو قلت: أسألك بجاه فلان حيّاً كان أم ميتاً فإنه لا يحل لك أن تتوسل بجاهه؛ لأن جاهه ليس وسيلة يوصلك إلى مقصودك ,جاهه ينتفع به هو ولا تنتفع به أنت. النوع الثاني: أن يتوسل بالصالحين الأحياء بدعائهم، فهذا لا بأس به، مثل أن يقول: اللهم إني أسألك بدعاء فلان لي أن تقبل دعوته، يعني: أن تقبل دعاءه، ثم يطلب منه أن يدعو له، فهذا لا بأس به، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون إلى الله تعالى بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي بدعائه، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. فأنشأ الله السحاب، ورعد وبرق وأمطر، فما نزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته. وفي الجمعة الثانية دخل رجل أو الرجل الأول والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب فقال: يا رسول الله! غرق المال وتهدم البناء، فادع الله يمسكها عنا. فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانجلت الغيوم عن المدينة وصار ما حولها ممطراً). فهذا التوسل من التوسل الجائز. ولكن هل ينبغي للإنسان أن يسأل غيره أن يدعو له؟ الجواب على هذا أن نقول: لا ينبغي للإنسان أن يسأل غيره أن يدعو له لأمرين: الأمر الأول: أن في ذلك نوعاً من التذلل للمطلوب منه الدعاء. والأمر الثاني: أن المطلوب منه الدعاء قد يلحقه الغرور والإعجاب بالنفس ويقول: أنا من أنا؟ أنا الذي يتوسل الناس إلى ربهم بدعائي لهم فيهلك، ولا شك أن كون الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه خير من كونه يطلب من غيره أن يدعو الله له، أولاً: لأن الإنسان إذا دعا ربه بنفسه فقد امتثل أمر الله تعالى في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). ثانياً: أنه إذا دعا ربه بنفسه استفاد من ذلك قربة إلى الله تعالى؛ لأن الدعاء من العبادة، والعبادة تقرب إلى الله. ثالثاً: أنه إذا دعا ربه بنفسه أحس بالضرورة إلى الله تعالى والافتقار إليه، وأنه سبحانه وتعالى ملجؤه دون خلقه. رابعاً: أنه إذا دعا ربه بنفسه فإنه يدعو الله تعالى بما يشاء جملة وتفصيلاً، فيحصل بذلك الانبساط في الدعاء والتوسع فيه والإلحاح فيه على الله. خامساً: أنه إذا دعا ربه بنفسه صار معتمداً على الله متوكلاً عليه، لا يلجأ إلا لله تعالى، وهذا لا شك أن له تأثيراً في إصلاح القلب وصلاحه. سادساً: أنه إذا دعا ربه بنفسه سلم من أن يمن عليه مَنْ طلب منه أن يدعو له. والمهم أن الذي ينبغي للإنسان أن يدعو ربه بنفسه في قضاء حاجاته للأسباب التي ذكرناها، وربما يكون هناك أسباب أخرى عزبت عنا في هذا المكان، هذا هو حكم التوسل بالصالحين. وأما ما يظنه بعض الناس توسلاً بالصالحين وهو عبادة لهم في الحقيقة فإنه لا يسمى توسلاً، بل هو شرك، مثل أن يقول عند صاحب القبر: يا فلان أغثني من الشدة، يا فلان يسر لي الأمر، وما أشبه ذلك مما يصنعه الجاهلون ويظنون أنه من باب التوسل، وهو حقيقة شرك يشبه قول المشركين الذين قال الله عنهم: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فعلى المؤمن أن يكون دائماً متعلقاً بربه، سائلاً ربه بنفسه، لا يفتقر إلى أحد ولا يلجأ إلى أحد. والله الموفق.

***

494-   جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء ما ضابط التوسل المشروع يا شيخ محمد؟ وما حكم من يتبركون بالصالحين بحجة أن الصحابة يتبركون بشعر الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوسل المشروع أنواع منها أن يتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، فيقول: يا غفور اغفر لي، أو يقول: يا ذا المغفرة والرحمة اغفر لي، أو يقول: اللهم برحمتك أستغيث أو ما أشبه ذلك. ومن التوسل المشروع: أن يتوسل إلى الله تعالى بأفعاله، مثل ما جاء في التشهد: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فهذا توسل إلى الله تعالى بأفعاله التي منّ بها على من شاء من عباده فيما سبق. ومن التوسل المشروع: أن يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان و العمل الصالح، كقول أولي الألباب: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ). ومن التوسل المشروع: أن يتوسل إلى الله بذكر حاجته وافتقاره إلى ربه، كقول موسى عليه الصلاة والسلام:(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). ومن التوسل المشروع: أن يتوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم حين يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يسألونه أن يدعو الله لهم، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا). فأمطرت السماء، وبقي المطر ينزل أسبوعاً كاملا، ً ثم دخل الرجل أو رجلٌ آخر وقال: يا رسول الله! غرق المال وتهدم البناء، فادع الله أن يمسكها عنا. فرفع يديه وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا). وليس من التوسل أن يتبرك بالإنسان بلباسه أو شعره أو عرقه أو ما أشبه ذلك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابة كانوا يتبركون بآثاره عليه الصلاة والسلام، لكن لم يتبرك أحد منهم بالآخر، فما تبركوا نحو هذا التبرك بأبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي.

***

495-   إيمان من بغداد تقول هل عند قيام المسلم بالدعاء والسؤال من الله عز وجل وقوله مثلاً: اللهم اغفر لي بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هل هذا حرام ويعاقب الله المؤمن عليه؟ مع شكري لأسرة البرنامج وللشيخ المجيب

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن يُعلم أن الدعاء من عبادة الله عز وجل، وإذا كان الدعاء من العبادة فإنه ليس لنا أن نحدث من وسائل الدعاء ما لم ترد به الشريعة، والتوسل إلى الله تبارك وتعالى حال الدعاء يكون بأمور: أولاً: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ لقوله: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، مثل أن يقول الإنسان: اللهم يا رزاق ارزقني، ويا غفور اغفر لي، ويا رحمن ارحمني، ومثل أن يقول: أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، فيتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهذا مما جاءت به الشريعة. الوسيلة الثانية: أن يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وطاعته، كما ذكر الله تعالى عن أولي الألباب الذين يقولون: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا)، فإن الفاء هنا للسببية، تدل أن ما بعدها مفرع على ما قبلها، أي: بسبب إيماننا بهذا المنادي فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. والوسيلة الثالثة: أن يتوسل الإنسان بحاجته إلى الله عز وجل، أي: بذكر حاله وفقره، كما في قول موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، فهذا خبر لكنه يتضمن الدعاء والتوسل إلى الله تبارك وتعالى بذكر حال الداعي، وتارة يكون التوسل إلى الله تعالى بكل هذه الأسباب، كما في الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر يدعو به في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)، فإن هذا توسل إلى الله تعالى بذكر حال العبد: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)، وبالثناء على الله تعالى بصفاته في قوله: (إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، وهذا من الإيمان بالله: (فاغفر لي مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم). هذه هي الوسائل الشرعية الصحيحة التي يتوسل بها المرء إلى الله تعالى لإجابة دعائه. أما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم نفسه: فإن كان توسلاً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمتوسل فهذا لا بأس به، ولكن هذا لا يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قول عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، ثم يأمر العباس بن عبد المطلب فيدعو الله عز وجل، كما دخل الأعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل وجاع العيال، فادع الله يغيثنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ورفع الناس أيديهم وقال: (اللهم أغثنا) ثلاث مرات، فما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، فهذا توسل بنفس الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو للمرء الذي توسل به إلى الله عز وجل. وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فهذا لا يجوز، ومنه أن يتوسل بجاه الرسول عليه الصلاة والسلام فإن هذا من البدع، لم يرد عن الصحابة أنهم توسلوا بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن هذا مقتضى الأثر: ألا نتوسل بجاه الرسول عليه الصلاة والسلام لعدم وروده، فكذلك أيضاً هو مقتضى النظر، فإن جاه الرسول عليه الصلاة والسلام ليس من فعلنا حتى نتوسل به إلى الله، كالتوسل بإيماننا وعملنا، وليس هو أيضاً نافعاً لنا حتى نتوسل إلى الله تعالى به، فإن جاه الرسول عليه الصلاة والسلام إنما ينتفع به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، فليس وسيلة لإجابة الدعاء. وإذا كان مقتضى الأثر والنظر ألا نتوسل إلى الله تعالى بجاه الرسول عليه الصلاة والسلام فلنتوسل إلى الله تعالى بما هو أحسن منه، وهو: الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، كما حكى الله سبحانه وتعالى عن أولي الألباب، فهذه الطريق الواردة الحسنة القيمة- وهي: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم- ما لنا لا نسلكها؟ ما لنا نسلك طريقاً وهي محرمة وبدعة، وَنَدَعُ هذا الطريق؟ فمادام الله تعالى قد فتح لنا طرقاً مشروعة سليمة فلنكن من الذين يسلكونها، حتى نكون ممن قال الله تعالى عنهم: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).

***

496-   جزاكم الله خيراً هذا السائل يقول: ما الحكم في أشخاص يتوسلون بجاه النبي صلى الله عليه وسلم؟ بعد دعاء الرجل يقول: بجاه سيدنا محمد، وجهونا في ضوء هذا السؤال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نوجهكم إلى أن تَدَعُوا التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن ذلك من البدع، ولأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفعك، والله تبارك وتعالى إنما يتوسل إليه بما يكون سبباً ووسيلة لحصول المقصود، وجاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باعتبار الداعي لا يفيده، ونحن لا نشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وأن له جاهاً عظيماً عند الله عز وجل كسائر إخوانه من المرسلين، ولكن جاهه عند الله إنما ينتفع به هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما نحن فلا، وقد أبدلنا الله تعالى عن التوسل المحرم بتوسل مباح، فلماذا نعدل عن التوسل المباح المشروع إلى توسل لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، وليس أيضاً هو سبباً لحصول المقصود؟ فمن التوسل في الدعاء: التوسل إلى الله تبارك وتعالى بأسمائه عموماً مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: (أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري.. الخ)، أو يتوسل باسم خاص من أسماء الله مناسب لما يدعو به، مثل أن يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي، أو: يا رحيم ارحمني، أو يقول: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وما أشبه ذلك، ومنه حديث: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي). أو يتوسل إلى الله تعالى بصفاته، أي بصفة من صفاته، مثل: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم) إلى آخر دعاء الاستخارة المشروع. أو يتوسل إلى الله تعالى بفعل من أفعاله، مثل قوله: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أو يقول: اللهم كما مننت على فلان بالعلم والعمل أنعم علي بمثل ذلك. أو يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان به واتباع رسوله، مثل قوله تعالى (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) ومثل قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، ومن ذلك توسل أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة عجزوا عن إزالتها عن باب الغار، فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم، والحديث في ذلك مشهور معلوم. أو يتوسل إلى الله عز وجل بحاله، أي: بحال الداعي، مثل أن يقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، أو يقول: اللهم إني فقير فأغنني، وكقول موسى عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). أو يتوسل إلى الله تبارك تعالى بدعاء العبد الصالح الذي ترجى إجابته، مثل قول عكاشة بن محصن- لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب- قال: ادع الله أن يجعلني منهم. فهذه الأنواع من التوسل أنواع مشروعة، وفيها الكفاية عن التوسل إلى الله تعالى بما ليس بوسيلة، فالتوسل إلى الله تعالى بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم توسل بدعي ممنوع، وفي التوسل المشروع المباح غُنية عنه.

***

497-   خديجة صالح من العراق تقول قسم من الناس عندما يدعون الله يقولون ربنا بجاههم عندك، أي جاه الأولياء والصالحين هل يعتبر واسطة هذا الدعاء بين العبد وربه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن نعرف أن الوسيلة إنما تتخذ وسيلة إذا كانت وسيلة حقيقية سواء ثبت كونها حقيقية بالشرع أو بالواقع، أما اتخاذ وسيلة لم يثبت أنها وسيلة في الشرع ولا في الواقع فإن هذا من اللغو بل نوع من الشرك لأن إثبات أن هذا الشيء سبب والله تعالى لم يجعله سبباً معناه، تشريك مع الله تعالى في قضائه أو شرعه فكل من أثبت سبباً لم يثبت كونه سبباً لا باعتبار الواقع ولا باعتبار الشرع فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى حيث جعل ما ليس سبباً جعله سبباً، ننظر الوسيلة أو التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بجاه الأولياء والأنبياء والصالحين هل جاء في الشرع أنها وسيلة؟ الجواب لا، ونحن نقول لكل من يسمع إذا كان لديه دليل من الشرع من النبي عليه الصلاة والسلام أو من الصحابة أو التابعين لهم بإحسان على أن التوسل بالجاه مشروع فليأت به على هذا العنوان نور على الدرب في إذاعة المملكة العربية السعودية، ونحن نعاهد الله سبحانه وتعالى ونسأله العون على أنه متى جاءنا دليل شرعي ثابت فإننا سنتبعه، لأن ذلك هو الفرض علينا فإذا كان عند أحد من الناس أن التوسل بالجاه مشروع فليتفضل به فإننا به آخذون ولما أسداه إلينا شاكرون، وإذا لم يكن دليل من الشرع والأمر كذلك فإنني لا أعلم أبداً أن التوسل بالجاه أمر مشروع، فهل يكون الجاه وسيلة بحسب الواقع؟ الجواب لا، لأن الجاه عند الله إنما ينتفع به من له جاه فقط، أما غيره فأي نفع له، فإذا كان هذا الرجل له جاه عند الله سبحانه وتعالى فالذي ينتفع بهذا الجاه هو نفس الرجل، أما أنا فأي نفع لي بجاهه هو، لذلك ليس الجاه وسيلة بحسب الواقع أيضاً، فإذا لم يكن الجاه وسيلة لا بحسب الشرع ولا بحسب الواقع لم يجز أن يتخذ وسيلة، وعلى هذا فيحرم على الإنسان أن يقول اللهم إني أسألك بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه فلان أو فلان ممن يزعمونهم أولياء لأن ذلك ليس سبباً شرعياً ولا سبباً واقعياً وإذا كان غير سبب شرعي ولا واقعي فإن إثبات كونه سبباً نوع من الإشراك بالله عز وجل، ولكن بدلاً من أن يقول أسألك بجاه النبي أو بجاه الولي يقول اللهم إني أسألك برحمتك، أسألك بفضلك، أسألك بإحسانك، هذا أفضل لأن فضل الله وإحسانه ورحمته أشمل وأعم وأنفع للإنسان من جاه رجل عند الله عز وجل، فكونك تسأل بفضل الله ورحمته وما أشبه ذلك من صفات الله سبحانه وتعالى التي تتوسل بها إليه هذا أفضل بلا شك وأنفع للنفس وأقرب إلى الإجابة.

***

498-   فضيلة الشيخ محمد هذه الرسالة الأولى التي بين أيدينا وردتنا من الأخ في الله عماد إبراهيم أبو الدهب من جمهورية مصر العربية المستمع قد استمع إلى حلقةٍ كما أشار إليها في يوم السبت الموافق 22/10/1401هـ ويسأل عن ردكم على إحدى المستمعات التي تقول هل يجوز الدعاء لله عز وجل والتوسل إليه بجاه الأنبياء أو بجاه عباده الصالحين بمعنى أن نقول اللهم إنا نسألك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تغفر لنا ذنوبنا وخلاف ذلك من الدعاء ويقول إنكم قد أشرتم في إجابتكم أنه إذا وجد حديث يخالف عدم الجواز فيرسل إلينا وإنه وجد حديثاً في بلوغ المرام يقول فيه الحديث عن أنسٍ رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون رواه البخاري يقول فما رأي فضيلة أستاذنا الجليل في ذلك هل له من صحة أم من الأحاديث الضعيفة الزائدة والله الموفق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل أن أجيب على هذا السؤال أولاً أشكر الأخ على تعاونه مع إخوانه لأن هذا من التعاون على البر والتقوى فإن الإنسان بشر يخطئ ويصيب ويذهل عن الشيء ويغيب والشريعة ليست محصورةً على أحدٍ معينٍ من الناس بل كل من آتاه الله تعالى علماً وفهماً وإخلاصاً فإن له الحق في أن يتكلم بما آتاه الله تعالى من علمٍ وفهمٍ وإخلاص وهذا هو واجب كل مسلم في هذا الباب وغيره أن يكون ناصحاً لإخوانه حريصاً على حفظ شريعة الله إذا تكلم أحدٌ فيها بخطأ حاول إصلاح الخطأ على وجه الحكمة والصواب وأما بالنسبة لسؤاله هذا الحديث الذي أشار إليه هو حديثٌ صحيح رواه البخاري ولكن من تأمله وجد أنه دليلٌ على عدم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره وذلك أن التوسل هو اتخاذ الوسيلة والوسيلة هي الشيء الموصل إلى المطلوب والوسيلة المذكورة في هذا الحديث نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا المراد بها التوسل إلى الله تعالى بدعائه لأن عمر قال للعباس قم يا عباس فادع الله فدعا ولو كان هذا من باب التوسل بالجاه لكان عمر رضي الله عنه يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوسل العباس لأنه بلا شك جاه النبي صلى الله عليه وسلم عند الله أعظم من جاه العباس وغيره فلو كان هذا الحديث من باب التوسل بالجاه لكان الأجدر بأمير المؤمنين عمر أن يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم دون جاه العباس بن عبد المطلب والحاصل أن التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكذلك أيضاً عمر توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فلا بأس إذا رأيت رجلاً صالحاً حريٌ بالإجابة بكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالاً وكونه حرياً معروفاًُ بالعبادة والتقوى لا بأس أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب بشرط أن لا يحصل في ذلك غرورٌ لهذا الشخص الذي طلب منه ذلك الدعاء فإن حصل منه غرورٌ بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه لأن ذلك يضره كما أنني أيضاً أقول إن هذا جائز ولكنني لا أحبذه وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله لأن ذلك أقوى في الرجاء وأقرب إلى الخشية كما أنني أيضاً أرغب في أن الإنسان إذا طلب من أخيه الذي ترجى إجابة دعائه أن يدعو له أن ينوي بذلك الإحسان إليه أي إلى هذا الداعي دون دفع حاجة هذا المدعو له لا لأنه إذا طلبه من أجل دفع حاجته صار كسؤال المال وشبهه المذموم وأما إذا قصد بذلك نفع أخيه الداعي بالإحسان إليه والإحسان إلى المسلم يثاب عليه المرء مثل ما هو معروف صار هذا أولى وأحسن.

***

499-   بارك الله فيكم السائل يقول من السودان هل يجوز التوسل إلى الله بهذه الصيغة اللهم صل على محمد وبارك على نبينا محمد صلاة تفرج بها همي وتنفس بها كربتي وتوسع بها رزقي إلى آخره نرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل أن أجيب على هذا السؤال أود أن أنصح هذا السائل وغيره من الإخوان أن يحافظوا على الصيغ الواردة في القرآن والسنة في الدعاء وذلك لأن الدعاء عبادة يتقرب به الإنسان إلى ربه وليس مجرد طلب يحصل به الإنسان على ما يريد بل هو نفسه عبادة لقول الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) فأنصح هذا السائل وغيره من إخواننا المسلمين أن يحافظوا على ما جاء في الكتاب والسنة من الأدعية ثم أقول إن هذه الصيغ التي ذكرها السائل لا يرغب فيها ولا ينبغي أن تكون وسيلة بل توسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته المناسبة لمطلوبك فقل يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، يا عزيز أعزني بطاعتك وما أشبه ذلك حتى تكون متوسلاً بوسيلة ليس فيها شبهة.

***

500-     هل يجوز أن نقول في دعائنا اللهمَ شفِّع فينا محمداً صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما قول القائل اللهم شفع في رسولك محمداً صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا بأس به ولهذا أمرنا أن نقول خلف الأذان إذا تابعنا المؤذن أمرنا أن نقول اللهم صلِّ على محمد اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد أمرنا أن نقول ذلك لأن من قاله حلت له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فنحن مأمورون أن نفعل جميع الأسباب التي تكون بها شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك الدعاء فإن الدعاء من أكبر الأسباب لحصول المقصود كما قال الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فإذا سألت الله عز وجل أن يجعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم شافعاً لك فإنه لا حرج في هذا.

***

501-   هذه رسالة وردتنا من المخلص علي صالح فتاح المتقاعد المدني بالعراق بغداد يقول لماذا لا يجوز الطلب من الله بجاه أو بحق أو بحرمة أي كان من الصالحين الأموات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فإن سؤال الله سبحانه وتعالى ودعاءه بوسيلة من الوسائل لا يجوز إلا إذا كانت هذه الوسيلة مما ثبت شرعاً أنها وسيلة وذلك لأن الدعاء عبادة والعبادة يتوقف فيها على ما ورد به الشرع فسؤال الله تبارك وتعالى بالوسيلة ينقسم إلى قسمين أحدهما أن تكون الوسيلة مما جاء به الشرع كالتوسل إلى الله تبارك وتعالى بأسمائه وصفاته مثل أن تقول اللهم يا غفور اغفر لي ويا رزاق ارزقني ويا رحيم ارحمني وما أشبه ذلك أو يتوسل إلى الله تبارك وتعالى بإيمانه به وبرسله مثل أن يقول اللهم إني آمنت بك وبرسلك فاغفر لي كما حكى الله تبارك وتعالى عن أولي الألباب الذين يقولون (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) أو يتوسل إلى الله تبارك وتعالى بذكر حاله هو من ضرورة وحاجة كما في قول موسى عليه الصلاة والسلام (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) هذه الأنواع التي تندرج تحت القسم الأول كلها جائزة لورود الشرع بها وكذلك أيضاً من هذا القسم إذا توسل بدعاء غيره ممن يكونون أقرب إلى الإجابة منه كما فعل عمر رضي الله عنه حين استسقى فقال (اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نستسقي إليك بعم نبينا) يعني العباس فقال للعباس ادع الله فقام فدعا القسم الثاني من الوسائل أن تكون الوسيلة مما لم يرد به الشرع فهذه لا يجوز أن يُدعى اللهُ بها لأن معنى ذلك أنك تقدم إلى الله تبارك وتعالى ما لم يكن سبباً للوصول إليه وهذا يشبه الاستهزاء ولهذا لو أنك توسلت إلى ملك من ملوك الدنيا بما لم يكن وسيلة إليه مثل أن تأتي برجل من سوقة الناس وتقول اشفع لي عند الملك فإن هذا يعتبر كالاستهزاء به والسخرية كذلك إذا توسلت إلى الله تبارك وتعالى بما لم يكن سبباً فإنه كالاستهزاء به وبآياته تبارك وتعالى ومن هذا النوع التوسل بما ذكره السائل من جاهاً النبي صلى الله عليه وسلم وحرمته وما أشبه ذلك فإن جاه النبي صلى الله عليه وسلم لا ينتفع به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط أما غيره فإنه لا ينتفع به بمجرد أن للرسول صلى الله عليه وسلم جاه عند الله وحرمة هذا لا ينفعه ولهذا لم ينتفع أبو لهب وغيره ممن ليسوا أهلاً للرحمة والمغفرة بجاه النبي صلى الله عليه وسلم عند الله وحتى في التوسل إلى العباد لقضاء الحاجة ما ينفع أن نتوسل إليه بجاه فلان حتى يكون لفلان هذا تأثير بالطلب والسؤال وكذلك التوسل إلى الله بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجاهه لم يجعله الله تبارك وتعالى وسيلة لإجابة الداعي وكذلك أيضاً هو في الحقيقة ليس وسيلة لأنه كما أسلفنا آنفاً لا ينتفع الإنسان بجاه شخص إذا لم يكن لهذا الإنسان سبب يوصل إليه فحرمة الرسول عند الله ليست سبباً لقضاء حاجتك أنت, وما وجه السبب؟ السبب إما فعلك أو حالك أو أسماء الله تعالى وصفاته والنبي عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي يجيب حتى نقول إن السؤال بحرمته وتعظيمه وجاهه كالسؤال بأسماء الله وصفاته وما أشبه ذلك فالرسول ليس هو الذي يدعى وهو الذي يجيب حتى نقول إن وصفه بهذه الصفات الحميدة يقتضي الإجابة.

***

502-   بارك الله فيكم هذه أختكم أم عبادة من الأردن أختكم في الله تقول في هذا السؤال ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والراوي عثمان بن حميد أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يكشف عن بصري قال أو أدعك قال يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري قال فانطلِق فتوضأ ثم صلِّ ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك اللهم شفعه فيّ ما صحة هذا مأجورين؟

 فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث اختلف العلماء في صحته فمنهم من أنكره وقال إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال إنه صحيح وعلى تقدير صحته فإنه ليس من باب التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه من باب التوسل بدعائه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر ولكن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى ركعتين تمهيداً وتوطئة لاستجابة الله سبحانه وتعالى لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيه لأنه كلما تحقق الإيمان في الشخص كان أقرب إلى نيل شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا في هذا الحديث يقول اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فإن قوله يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضراً وأن هذا طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع فيه إلى الله عز وجل ثم سأل الله عز وجل أن يقبل هذه الشفاعة وقال اللهم شفعه فيَّ وهذا لا يكون دليلاً على التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم وإني بهذه المناسبة أقول إن التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء على نوعين نوع جائز ونوع ممنوع والجائز على عدة وجوه الوجه الأول أن نتوجه إلى الله تعالى بأسمائه والثاني أن نتوجه إلى الله تعالى بصفاته والثالث أن نتوجه إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله والرابع أن يتوجه إلى الله تعالى بالعمل الصالح والخامس أن يتوجه إلى الله تعالى بذكر حاله وفقره إلى ربه والسادس أن يتوجه إلى الله عز وجل بدعاء من ترجى إجابته أما الأول وهو التوجه إلى الله تعالى بأسمائه فقد يكون باسمٍ خاص وقد يكون بالأسماء عموماً ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه الحديث المشهور (أسألك اللهم بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) هذا من التوسل بالأسماء على سبيل العموم وقول السائل اللهم إني أسألك أن تغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم هذا من التوسل بالاسم الخاص المناسب لما تدعو الله به وهو داخلٌ في قوله تعالى (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) وأما التوسل بالصفات بصفات الله فقد يكون بصفاتٍ معينة وقد يكون بالصفات عموماً فتقول اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن تغفر لي وقد يكون بصفةٍ خاصة مثل قولك (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي )فتوسلت إلى الله بعلمه وقدرته وهما صفتان خاصتان والتوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله مثل قوله تعالى (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ) ومثال التوسل بالعمل الصالح توسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فلم يستطيعوا أن يزحزحوا الصخرة التي سدت عليهم الباب فتوسل أحدهم إلى الله تعالى بكمال بره والثاني بكمال عفته والثالث بكمال وفائه بالعقد والقصة مشهورة ومثال التوسل بحال الداعي مثل أن تقول اللهم إني فقير إليك ذليل بين يديك وما أشبه ذلك ومنه قول موسى (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ومثال التوسل إلى الله تعالى بدعاء من ترجى إجابته توسل الصحابة رضي الله عنهم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس أن رجلاً دخل يوم جمعة و النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وتقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال (اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) قال أنس رضي الله عنه فوالله ما في السماء من سحابٍ ولا قزع يعني ما في السماء سحابٌ واسع ولا قزع من الغيم وما بيننا وبين سلعٍ من بيتٍ ولا دار فخرجت من ورائه سحابةٌ مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته صلوات الله وسلامه عليه ثم بقي المطر أسبوعاً كاملاً فدخل الرجل أو رجلٌ آخر في الجمعة الأخرى والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله يمسكها فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال (اللهم حوالينا ولا علينا) وجعل يشير إلى النواحي عليه الصلاة والسلام وما يشير إلى ناحيةٍ إلا انفرج السحاب عنها وخرج الناس يمشون في الشمس فهذا من التوسل بدعاء من ترجى إجابته وفي الصحيح أيضاً من حديث عمر رضي الله عنه أنه استسقى فقال (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإننا نتوسل إليك بعم نبينا العباس فاسقنا , قم ياعباس ادع الله) فيدعو الله فيسقون هذه أصناف التوسل الجائز أما التوسل الممنوع فأن نتوسل بشيء ليس وسيلةً وليس سبباً في حصول المقصود مثل أن يتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فإن التوسل بذاته أو بجاهه ليس سبباً في حصول المقصود لأنك إذا لم يكن لديك سببٌ يوصل إلى حصول المقصود لم ينفعك جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه لأن جاهه إنما ينفعه هو صلوات الله وسلامه عليه ولهذا لم ينتفع أبو لهب بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ولا بذاته لأنه ليس لديه وسيلة تمنعه من عذاب الله وكذلك توسل أصحاب الأوثان بأوثانهم الذين قالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) فإن هذا التوسل لا ينفعهم بشيء لأنهم مشركون وإنني أنصح إخواني المسلمين أن يحرصوا على اتباع الآثار فيما يتوسلون به إلى الله وما أحسن الامتثال لقوله تعالى (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) وهذا خير ما يتوسل به المرء أن يتوسل إلى الله تعالى بأسمائه الدالة على صفاته العظيمة وعلى ذاته فهذا خير متوسَّل به.

***