الحلف


380-    بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا السائل مصري يقول: الحلف بغير الله هل هو شرك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بغير الله شرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، لكنه ليس شركاً أكبر مخرجاً من الملة، بل هو شرك أصغر، إلا أن يقع في قلب الحالف بغير الله أن منزلة هذا المحلوف به كمنزلة الله، فحينئذ يكون شركاً أكبر بناء على ما حصل في قلبه من هذه العقيدة، وإلا فمجرد الحلف بغير الله شرك أصغر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وبهذه المناسبة أود أن أحذر مما وقع فيه كثير من الناس اليوم حيث كانوا يحلفون بالطلاق، فتجد الواحد منهم يقول: علي الطلاق لا أفعل كذا، أو: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو ما أشبه ذلك. وهذا خلاف الصواب، وأكثر أهل العلم من هذه الأمة من الأئمة وأتباعهم يرون أن الحلف بالطلاق طلاق لا يكفر، ويقولون: إذا قال الرجل: إن فعلت كذا فزوجتي طالق ففعل فإنها تطلق، ولو قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت طالق ففعلت فإنها تطلق، سواء نوى التهديد أو نوى الطلاق. هذا هو الذي عليه جمهور الأمة وأئمة الأمة، فالمسألة خطيرة، والتهاون بها إلى هذا الحد: لو أن رجلاً قدم لشخص فنجاناً من الشاي قال: علي الطلاق ما أشربه، ويقول الثاني: علي الطلاق أن تشرب وما أشبه ذلك. لماذا هذا التلاعب بدين الله عز وجل؟ ولو أن أحداً من العلماء الذين يرون أن الطلاق يقع يميناً ويقع طلاقاً- أعني: الطلاق المعلق- لو أن أحداً من أهل العلم قال: أنا أريد أن ألزم الناس بذلك أي بالطلاق؛ لأن الناس تتابعوا فيه فألزمهم كما ألزمهم عمر بالطلاق الثلاث، لو فعل ذلك لكان له وجه؛ لأن الناس كثر منهم هذا, كثر كثرة عظيمة، لو أن العالم الذي يستفتى قارن بين ما يستفتى عنه في مسائل الدين وبين ما يستفتى عنه في هذا الطلاق المعلق لوجد أن استفتاءه في هذا الطلاق المعلق أكثر بكثير من استفتائه في أمور تتعلق بالدين، وأنا أحذر الأزواج من أن يسهل على ألسنتهم هذا الطلاق أو هذا الحلف بالطلاق.

***

381-     أحسن الله إليكم أخوكم في الله عبد الله الفلاج من بريدة يقول في هذا السؤال: بعض الناس يحلف بغير الله هل يجوز له هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بغير الله محرم ونوع من الشرك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لا تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وكان من عادتهم في الجاهلية أنهم يحلفون بآبائهم، ولهذا قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وجاء عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، ومن حلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله) تحقيقاً لتوحيده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: واللات- يعني: حلف بهذا الصنم- فليقل: لا إله إلا الله) يعني من حلف بها فليقل: لا إله إلا الله، (ومن قال: تعال أقامرك فليتصدق)؛ لأن المقامرة حرام من الميسر وأكل المال بالباطل، فليتصدق فليداوِ الداء بما يوافقه من دواء.

***

382-     يقول: هل تجوز الاستعانة بغير الله؟ وهل يجوز الحلف بغير الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاستعانة بغير الله جائزة إذا كان المستعان ممن يمكنه أن يعين فيما استعين فيه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الصدقات: (وتعين الرجل في دابته تحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة). وأما استعانة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا لا يجوز، وهو من الشرك. وأما الحلف بغير الله فهو محرم، بل نوع من الشرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .

***

383-   بارك الله فيكم أيضاً من أسئلة المستمع ع. ع. ب. مصري ومقيم في الرياض يقول: هل يجوز الحلف بغير الله، مثلاً والنبي, عليك الشيخ فلان مثلاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بغير الله لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك فقال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). بل قد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من الشرك حيث قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). فلا يجوز الحلف بالنبي، ولا الحلف بالولي، ولا الحلف بالملك، ولا الحلف بالوطن، ولا الحلف بالقومية، ولا بأي مخلوقٍ كان، إنما يحلف بالله عز وجل وبصفاته سبحانه وتعالى، فيقال: والله العلي العظيم، والله الرحمن الرحيم، ورب الكعبة. أو يقال: وعزة الله، وقدرة الله وما أشبه ذلك من صفاته، فإنه يجوز الحلف به، ومع هذا فإنه لا ينبغي إكثار الحلف؛ لقوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) فإن معناها على أحد الأقوال أي: لا تكثروا الحلف بالله، ولا سيما إذا كان الحلف عن كذب فإن الأمر في ذلك خطير، فإن الكذب في اليمين إن تضمن أكل مال الغير بغير حق- ومعلومٌ أن الكذب ليس فيه حق- فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على يمينٍ هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئٍ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان). وهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار والعياذ بالله. وينبغي أن يعلم أن الحالف بالله إذا قرن يمينه بمشيئة الله فإنه لا كفارة عليه إذا حنث، مثل أن يقول: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، أو: والله إن شاء الله لأفعلن كذا، فإنه إن لم يفعله فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف على يمينٍ فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه). لذا ينبغي لكل إنسان إذا حلف أن يقرن حلفه بالمشيئة، فإنه يستفيد في ذلك فائدتين: الفائدة الأولى: تسهيل الأمر وحصول المقصود، والفائدة الثانية: أن لا تلزمه الكفارة فيما لو حنث. ودليل الأمر الأول- أي: تسهيل الأمور إذا قرن الإنسان يمينه بالمشيئة- ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن سليمان عليه الصلاة والسلام قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدةٍ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، لم يقل ذلك لقوة عزيمته عليه الصلاة والسلام، فطاف على تسعين امرأة في تلك الليلة، فلم تلد إلا واحدة منهن شق إنسان)، ليبين الله عز وجل له ولغيره أن الأمر بيده سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي لأحدٍ أن يتألى على الله عز وجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته، ولقاتلوا في سبيل الله). وأما الثانية- وهي: أنه إذا قال: إن شاء الله فحنث فلا كفارة عليه- فهو ما سُقته آنفاً من قوله عليه الصلاة والسلام: (من حلف على يمينه فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه) .

***

384-   هل يجوز الحلف بغير الله سبحانه وتعالى؟ فإني أرى بعض الناس يحلفون بالكعبة وبالقرآن وبمحمد، وإذا ناقشتهم في ذلك قالوا: إن الله سبحانه وتعالى قال: (والشمس وضحاها) أو يقولون: إنه قال: (والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى) فما حكم هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بغير الله أو صفة من صفاته محرم، وهو نوع من الشرك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). وثبت عنه أنه قال: (من قال: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله). وهذا إشارة إلى أن الحلف بغير الله شرك يطهر بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، وعلى هذا فيحرم على المسلم أن يحلف بغير الله سبحانه وتعالى، لا بالكعبة، ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا بجبريل ولا بميكائيل، ولا بولي من أولياء الله، ولا بخليفة من خلفاء المسلمين، ولا بالشرف ولا بالقومية ولا بالوطنية، كل حلف بغير الله محرم وهو نوع من الشرك والكفر والعياذ بالله. وأما الحلف بالقرآن الذي هو كلام الله فإنه لا بأس به؛ لأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، تكلم الله به حقيقة في لفظه مريداً لمعناه، وهو سبحانه وتعالى موصوف بالكلام، فعليه يكون الحلف بالقرآن حلفاً بصفة من صفات الله سبحانه وتعالى وهو جائز. وأما معارضة من تنصحه عن ذلك بقوله تعالى: (والليل إذا يغشى)، (والشمس وضحاها) وما أشبهها فإن هذا من أعمال أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من وحي الله سبحانه وتعالى فيعارضون به المحكم، فهذا الحلف ربنا سبحانه وتعالى هو الذي حلف به، ولله تعالى أن يحلف بما شاء من مخلوقاته الدالة على عظمته وقدرته، وهو سبحانه وتعالى قد نهانا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن نحلف بغيره، فعلينا أن نمتثل الأمر وليس علينا أن نعارض أمر الله بما تكلم الله به، فإن الله يفعل ما يشاء.

***

385-  المستمع صلاح من العراق يقول بأن كثيراً من الناس عندنا في مجتمعنا يحلفون بغير الله، علماً بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك). لذا أرجو أن تنصحوا هؤلاء الناس بارك الله فيكم.

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بغير الله معصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونوع من الشرك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وقال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). فالواجب الحذر من ذلك، وأن يحلف الإنسان بالله إذا أراد أن يحلف, على أنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الأيمان، من الحلف؛ لقول الله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) فإن من أحد معانيها: أي لا تكثروا الحلف بالله عز وجل، ولكن ما يجري على اللسان بلا قصد لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لقول الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ). وقوله في آية أخرى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُم) وعلى من حلف بغير الله أن يتوب إلى الله ويستغفره، وألا يعود إلى مثل ما جرى منه.

***

386-    من الأردن السائل فخري أ. أ. يقول أسأل عن حكم الحلف يقول: وحياة الله لأعملن كذا فهل في هذا شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بحياة الله حلفٌ صحيح؛ لأن الحلف يكون بالله أو بأي اسمٍ من أسماء الله أو بصفةٍ من صفات الله، والحياة صفةٌ من صفات الله، فإذا قال: وحياة الله لأفعلن كذا وكذا كان يميناً منعقدةً جائزة. وأما إذا حلف بحياة النبي أو بحياة الولي أو بحياة الخليفة أو بحياة أي معظم سوى الله عز وجل فإن ذلك من الشرك، وفيه معصية لله عز وجل ورسوله، وفيه إثم؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ).وإنا نسمع كثيراً من الناس يقول: والنبي لأفعلن كذا، وحياة النبي لأفعلن كذا، ويدعي أن هذا مما يجري على لسانه بلا قصد. فنقول: حتى في هذه الحال عود لسانك أن لا تحلف إلا بالله عز وجل، واحبس نفسك عن الحلف بغير الله. ثم إنه بهذه المناسبة أود أن أبين لإخواني المستمعين أنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر الأيمان؛ لأن بعض أهل العلم فسر قول الله تعالى: (واحفظوا أيمانكم) بأن المراد لا تكثروا الحلف، وإذا قدر أن الإنسان حلف على شيء مستقبل فليقل: إن شاء الله؛ لأنه إذا قال: إن شاء الله كان في ذلك فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى: أن هذا من أسباب تيسير الأمر الذي حلف عليه وحصول مقصوده، والثانية: أنه لو لم يفعل فلا كفارة عليه. ودليل ذلك قصة سليمان النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدةٌ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله فلم يقل اعتماداً على ما في نفسه من اليقين، فطاف على تسعين امرأة فلم تلد إلا واحدةٌ منهن شق إنسان، أي: نصف إنسان. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته). وأما الفائدة الثانية- وهي: أنه لو لم يفعل لم يحنث، يعني لو حلف أن يفعل شيئاً فلم يفعل وقد قال: إن شاء الله- فإنه لا حنث عليه، أي: لا كفارة عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حلف فقال إن شاء الله فلا حنث عليه).

***

387-    هذا سائل من الرياض يقول: يا فضيلة الشيخ ما حكم الحلف بالنبي أو الأمانة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحلف بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نوعٌ من الشرك؛ لأن الحلف تأكيد الشيء بذكرِ معظم، فكأن الحالف يقول: أؤكد هذا الشيء كما أعظم هذا المحلوف به، ولذلك كان القسم خاصاً بالله عز وجل، فلا يجوز أن تحلفوا بالنبي ولا بجبريل ولا بالأولاد ولا بغير ذلك من مخلوقات الله تبارك وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). الحلف بالأمانة كذلك لا يجوز؛ لأنه حلفٌ بغير الله، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حلف بالأمانة فليس منا). لكن أحياناً يقول الإنسان: بأمانتي، ويقصد بذلك العهد والذمة ولا يقصد اليمين، فيقول: بأمانتي لأوفين لك، أو: بذمتي لأوفين لك، والمقصود بذلك الالتزام لا تعظيم الأمانة ولا تعظيم الذمة، فهذا لا ينهى عنه إلا احتياطاً، خوفاً من أن يقتدي به من يحلف بالأمانة أو الذمة. والذي أعرف من أصل العوام في قولهم: بذمتي لأفعلن كذا، أنهم يريدون بذلك العهد لا الحلف بالذمة.

***

388-     هذا السائل أحمد عيسى من اليمن يقول: ما حكم من قال هذه العبارة: (والنبي) ويعني بها الوجاهه أو ما يشبه ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال الإنسان: والنبي لأفعلن كذا، أو: والنبي لقد كان كذا، فهذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرم، بل هو من الشرك الأصغر, بل من الشرك الأكبر إذا اعتقد الحالف بالنبي صلى الله عليه وسلم أن للنبي صلى الله عليه وسلم منزلة كمنزلة الرب عز وجل، فإنه في هذا يكون مشركاً شركاً أكبر مخرجاً عن الملة. فالواجب الحذر من الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم والبعد عنه؛ لأن هذا- أعني: البعد عن الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم- هو عنوان تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام، فتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي بمعصية الرسول، وتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام لا يأتي بأن يبتدع الإنسان في دين الله ما ليس منه، إن تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام هو أن يلتزم العبد شريعته اتباعاً للمأمور، وتركاً للمحظور، أما أن يبتدع في دين الله ما ليس منه، أما أن يأتي بما فيه معصية الرسول عليه الصلاة والسلام فقد كَذَبَ فيما ادعاه من محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، كذب لأنه خالف الرسول، والمحب للرسول لا يخالفه، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

***

389-  بعض الأشخاص الذين يحلفون بالنبي صلى الله عليه وسلم وينهون عن ذلك يقولون: نحن لا نقصد اليمين ولكن هذا جرى على اللسان مجرى العادة. فما الحكم في ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لابد قبل الجواب أن نفهم أن الحلف بغير الله شرك، سواء كان بالنبي أو بملك من الملائكة أو بولي من الأولياء، أو بالآباء أو بالأمهات، أو بالرؤساء أو بالأوطان، أو بأي مخلوق كان. الحلف بغير الله شرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). فمن حلف بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهيناه عن ذلك لأنه أتى ما هو شرك، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، فننكر عليه ما ظهر لنا من مخالفته، فإذا ادعى أنه لم يقصد اليمين وإنما جرى ذلك على لسانه قلنا له: عود لسانك على أن يجري على الحلف بالله عز وجل، لا بالنبي ولا بغيره. وهو إذا خطم نفسه عما كان يعتاده من الحلف بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم عود نفسه على الحلف بالله، وصدق الله عز وجل في نيته وعزيمته يسر الله له التحول من الحلف بالنبي إلى الحلف بالله سبحانه وتعالى. ثم إننا نقول: لا ينبغي للإنسان كثرة الحلف، فإن الله تعالى يقول: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) قال بعض العلماء في تفسيرها: أي لا تكثروا الحلف بالله. فليكن الإنسان دائماً محترزاً من الحلف بالله إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو الضرورة فلا بأس، أما كونه لا يقول كلمة لا يخبر خبراً من الأخبار إلا حلف عليه، أو لا يريد شيئاً إلا حلف عليه، فإن هذا ربما يؤدي إلى شك الناس في أخباره حيث لا يخبرهم بشيء إلا حلف. فنقول لهذا السائل: امتنع عن الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو كنت لا تريد اليمين وإنما جرى على لسانك، ثم عود لسانك أن تحلف بالله إذا دعت الحاجة إلى الحلف بالله . ثم إني أيضاً أنصح من أراد الحلف بالله عز وجل أن يقرن يمينه بمشيئة الله فيقول: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، أو: والله إن شاء الله لأفعلن كذا؛ لأنه إذا قرن يمينه بالمشيئة حصلت له فائدتان: الفائدة الأولى: تسهيل الأمر أمامه، والفائدة الثانية: أنه إذا حنث ولم يفعل فلا كفارة عليه. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (أخبر أن نبي الله سليمان بن داود قال يوماً: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، اعتماداً على ما في قلبه من العزيمة، فطاف على تسعين امرأة أي جامعها فلم تلد واحدة منهن إلا واحدة ولدت شق إنسان، أي: نصف إنسان. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لو قال: إن شاء الله لكان دركاً لحاجته، أو قال: لم يحنث، ولقاتلوا في سبيل الله). فانظر كيف قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه لم يحنث لو قال: إن شاء الله، وإنهم يقاتلون في سبيل الله. فعود أيها الأخ المستمع عود لسانك إذا حلفت أن تقول: إن شاء الله؛ لتحصل على هاتين الفائدتين، أولاهما: تيسير الأمر، والثانية: أنك لو حنثت فلا كفارة عليك.

***

390-  المستمع من جمهورية مصر العربية يقول: اعتاد بعض الناس عندنا في مصر الحلف بالنبي في معاملاتهم، وأصبح الأمر عادياً، فعندما نصحت أحد هؤلاء الذين يحلفون بالنبي أجابني بأن هذا تعظيم للرسول وأن هذا ليس فيه شيء, فما الحكم الشرعي في نظركم يا شيخ محمد ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره من المخلوقين أو بصفة النبي صلى الله عليه وسلم أو بغيره من المخلوقين محرم، بل هو نوع من الشرك، فإذا أقسم أحد بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: والنبي، أو: والرسول، أو أقسم بالكعبة، أو أقسم بجبريل أو بإسرافيل، أو أقسم بغير هؤلاء فقد عصى الله ورسوله ووقع في الشرك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحف بالله أو ليصمت). وقال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). وقول الحالف بالنبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، جوابه أن نقول: هذا النوع من التعظيم نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وبين أنه نوع من الشرك، فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عنه؛ لأن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون في مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، بل تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بامتثال أمره واجتناب نهيه، كما أن امتثال أمره واجتناب نهيه يدل على محبته صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الله تعالى في قوم ادَّعوا محبة الله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). فإذا أردت أن تعظم النبي صلى الله عليه وسلم التعظيم الذي يستحقه عليه الصلاة والسلام فامتثل أمره واجتنب نهيه في كل ما تقول وتفعل، وبذلك تكون معظماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنصيحتي لإخواني الذين يكثرون من الحلف بغير الله، بل الذين يحلفون بغير الله، نصيحتي لهم أن يتقوا الله عز وجل، وأن لا يحلفوا بأحد سوى الله سبحانه وتعالى، امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من كان حالفاً فليحلف بالله )،وابتغاء مرضاة الله، واتقاء من الوقوع في الشرك الذي دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .

***