الشرك
348-
ما هو الشرك
وما هي أنواعه؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الشرك أن يجعل الإنسان مع الله تعالى شريكاً في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته. ففي الربوبية:
أن يجعل خالقاً مع الله عز وجل لهذا الكون، أو يجعل معيناً لله تعالى في خلق هذا الكون. وفي الألوهية: أن يتخذ إلهاً مع الله يعبده، إما
ولي أو نبي، أو أمير أو وزير، أو حجر أو شجر، أو شمس أو قمر. وأما في الأسماء والصفات: فأن
يعتقد أن أسماء الله وصفاته مماثلة لصفات المخلوقين، ويجعل صفات المخلوق كصفات الخالق. وأما أنواعه:
فمنه الأصغر والأكبر، والأخفى
والأبين،
وهو أنواع كثيرة. وما
أحسن أن يقول الإنسان: اللهم إني أعوذ بك أن
أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم. فإن الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل، فليحذر الإنسان منه، وليسأل الله الخلاص، وليلجأ إلى الله تعالى دائماً مستعيناً به.
***
349- هذا السائل أسعد
المصري مقيم بالمملكة العربية السعودية يقول: فضيلة الشيخ أسأل عن الشرك
الأكبر،
وما هو الشرك الأصغر؟
أرجو الإفادة في سؤالي ذلك مأجورين.
فأجاب رحمه الله
تعالى:الشرك الأكبر هو الشرك المخرج عن الملة، مثل أن يعتقد الإنسان أن مع الله إلهاً آخر يدبر الكون، أو أن مع الله إلهاً آخر خلق شيئاً من الكون، أو أن مع الله أحداً يعينه ويؤازره، فهذا كله شركٌ أكبر، وهذا الشرك يتعلق بالربوبية. أو أن يعبد مع الله إلهاً آخر، مثل أن يصلى لصاحب قبر، أو يتقرب إليه بالذبح له تعظيماً له أو ما أشبه ذلك، وهذا من الشرك في الألوهية. فالشرك الأكبر ضابطه: ما أخرج الإنسان عن الملة. وأما الشرك الأصغر فهو كل عملٍ أطلق الشرع
عليه اسم الشرك، وهو لا يخرج من الملة، مثل الحلف بغير الله فإنه من الشرك الأصغر، كأن يقول قائل: والنبي محمدٍ ما فعلت كذا، أو:
والنبي محمدٍ لأفعلن كذا، أو يحلف بالكعبة فيقول: والكعبة المعظمة ما فعلت كذا، أو:
والكعبة المعظمة لأفعلن كذا أو ما أشبه ذلك. فالمهم أن الحلف بغير
الله من الشرك، لكنه شركٌ أصغر لا
يخرج به الإنسان من الملة. والدليل على أنه من الشرك قول
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). إلا أنه إذا اعتقد أن لهذا المحلوف به من التعظيم مثل ما لله عز وجل من التعظيم
فهنا يكون مشركاً شركاً أكبر لأنه ساوى المخلوق بالخالق، فيكون بذلك مشركاً شركاً أكبر وليعلم أن الشرك
لا يغفره الله عز وجل، سواءٌ كان أصغر أم
أكبر لعموم قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً). هذا في آية، وفي آية أخرى: (وَمَنْ
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) .
***
350- هذا السائل الذي رمز لاسمه س. ع. د. يقول: فضيلة الشيخ ماهي أنواع الشرك المخرج من الملة؟ وهل
كل من عمل بها يكون مشركاً، أو الذي يقوم عليه الدليل الشرعي؟ أرجو الإفادة مأجورين.
فأجاب رحمه الله
تعالى: الشرك المخرج عن الملة هو:
أن يتخذ الإنسان إلهاً مع الله يعبده ويتقرب إليه بالركوع والسجود والذبح والصوم وما أشبه ذلك، أو يتخذ مع الله ربّاً
يستغيث به ويستنصر به
ويستنجد به.
فالأول شرك في الألوهية، والثاني شرك في الربوبية. فمن فعل شيئاً من ذلك فهو مشرك، هذا هو الأصل،
لكن قد يقوم بالشخص مانع يمنع من الحكم عليه بالشرك، مثل:
أن يكون الإنسان جاهلاً لا يدري،
رأى الناس يفعلون شيئاً
ففعله، فإذا نبهناه ترك ما هو عليه واهتدى، فإن هذا لا يكون مشركاً مخلداً في النار؛
لأنه جاهل، إلا أنه ربما يكون
غير معذور بهذا الجهل، مثل أن يفرط في طلب
العلم، فيقال له مثلاً: هذا من
الشرك ولا يجوز، ولكنه يتهاون ولا
يسأل، فإن هذا ليس بمعذور في جهله؛ لأنه مفرط ومتهاون.
***
351-
المستمع أ. ع. ع. من
العراق ديالة يقول: ما هو الشرك الخفي؟ وما الفرق
بينه وبين الشرك الأصغر؟
وكيف يمكن أن يتخلص منه المسلم؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الشرك شرك أكبر وشرك أصغر وشرك خفي: أما الشرك الأكبر فمثل أن يصرف
الإنسان شيئاً من العبادة لغير الله عز وجل، ومن العبادة الدعاء، فإذا دعا الإنسان غير الله، كما لو دعا نبياً أو ولياً أو ملكاً من الملائكة، أو دعا الشمس أو القمر، لجلب نفع أو دفع ضرر كان مشركاً بالله شركاً
أكبر، وكذلك لو سجد لصنم، أو للشمس أو للقمر، أو لصاحب القبر أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك شرك أكبر مخرج عن الملة والعياذ بالله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنصَارٍ). وهذا
في الأعمال الظاهرة، وكذلك لو اعتقد بقلبه
أن أحداً يشارك الله تعالى في خلقه،
أو يكون قادراً على ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فإنه يكون مشركاً شركاً أكبر. أما الشرك الأصغر فإنه ما دون الشرك الأكبر، مثل:
أن يحلف بغير الله غير معتقد أن المحلوف به يستحق من
العظمة ما يستحقه الله عز وجل،
فيحلف بغير الله تعالى تعظيماً له-
أي: المحلوف به- ولكنه يعتقد أنه دون الله عز وجل في التعظيم، فهذا يكون شركاً أصغر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). وهو محرم سواء حلف
بالنبي أو بجبريل أو بغيرهما من الخلق،
فإنه حرام عليه، ويكون به مشركاً شركاً أصغر. وأما الشرك الخفي فهو ما يتعلق بالقلب من حيث لا يطلع عليه
إلا الله، وهو إما أن يكون أكبر
وإما أن يكون أصغر: فإذا أشرك في قلبه مع
الله أحداً يعتقد أنه مساوٍ لله تعالى في الحقوق وفي الأفعال كان مشركاً شركاً
أكبر، وإن كان لا يظهر للناس شركه فهو شرك خفي على الناس، لكنه أكبر فيما بينه وبين الله عز وجل، وإذا كان في قلبه رياء في عبادة يتعبد بها لله فإنه يكون مشركاً شركاً خفياً؛ لخفائه على الناس، لكنه أصغر؛
لأن الرياء لا يخرج به الإنسان من الإسلام.
فضيلة الشيخ: يقول:
كيف يمكن أن يتخلص منه المسلم؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: التخلص من الشرك الأصغر أو الأكبر بالرجوع إلى الله عز وجل والتزام أوامره
فعلاً والتزام اجتناب نواهيه،
وبهذه الاستقامة يعصمه الله تعالى من الشرك.
***
352-
يقول :نسمع عن الرياء فما حكمه في الإسلام؟ وهل له أقسام؟ جزاكم
الله خيراً.
فأجاب رحمه الله
تعالى:الرياء أن يعمل العبد عملاً
صالحاً ليراه الناس فيمدحوه به
ويقولوا: هذا رجل عابد، هذا رجل صالح وما أشبه ذلك، وهو مبطل للعمل إذا شاركه من أوله، مثل أن يقوم الإنسان ليصلى أمام الناس ليمدحوه بصلاته، فصلاته هذه باطلة لا يقبلها الله عز وجل، وهو نوع من الشرك. قال الله تبارك وتعالى في الحديث
القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). ولا شك أن المرائي مشرك مع الله؛ لأنه يريد بذلك ثناء الله عليه وثواب الله ويريد أيضاً ثناء الخلق، فالمرائي في الحقيقة خاسر؛ لأن عمله غير مقبول، ولأن الناس لا ينفعونه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس
رضي الله عنهما: (واعلم أن الأمة لو
اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا
بشيء قد كتبه الله عليك).
ومن أخلص عمله لله ولم يراع الناس به فإن الله تعالى
يعطف القلوب عليه ويثنى عليه من حيث لا يشعر، فأوصي إخواني المسلمين بالبعد عن الرياء في عباداتهم
البدنية كالصلاة والصيام،
والمالية كالصدقة والإنفاق، والجاهية كالتظاهر بأنه مدافع عن الناس قائم بمصالحهم وما أشبه
ذلك. ولكن لو قال قائل: إنه يتصدق من أجل أن يراه الناس فيتصدقوا، لا من أجل أن يراه الناس فيمدحوه، فهل هذا خير؟ فالجواب: نعم هذا خير،
ويكون هذا داخلاً في قول النبي صلى
الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام
سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة). ولهذا امتدح الله عز وجل الذين ينفقون أموالهم
في السر وفي العلانية: في السر في موضع السر، وفي العلانية في موضع العلانية.
***
353-
بارك الله فيكم يقول: كيف يكون
إخلاص النية في العمل يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: إخلاص النية في العمل هو أن يتناسى الإنسان كل ما سوى الله، وأن لا يكون الحامل له على هذه العبادة إلا
امتثال أمر الله عز وجل وإرادة ثوابه وابتغاء وجهه عز وجل، وأن يتناسى كل شيءٍ
يتعلق بالدنيا في هذه العبادة، فلا يهتم بالناس أرأوه أم لم يروه، أسمعوه أم لم يسمعوه، ولا يبالي بهم أثنوا عليه أم قدحوا فيه. وكذلك أيضاً من أسباب الإخلاص أن يكون الإنسان
حين قيامه بالعبادة مستحضراً لأمر الله عز وجل بها، ومستحضراً لاتباع
الرسول صلى الله عليه وسلم فيها.
مثال ذلك: رجل قام يتوضأ للصلاة، فهنا نقول: أولاً استحضر أنك إنما توضأت امتثالاً لأمر الله عز وجل، كأنك الآن تقرأ قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ). وكأنك لوضوئك تقول: سمعاً وطاعة،
تجد في هذا حلاوة ولذة وحباً للطهارة؛
لأن الله أمرك بها، ثم استحضر أنك في هذا العمل متبعٌ لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، كأنما رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمامك وأنت تتبعه في هذا الوضوء، وبهذا يتحقق لك الثواب والأجر
للإخلاص والمتابعة، وبذلك تحقق شهادة أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
***
354- فضيلة الشيخ الحج شعيرة عظيمة مبناها على
الإخلاص،
فيجب إخلاصها لله تعالى. نريد وقفة
حول ضرورة إخلاص هذه الشعيرة لله عز وجل، وأن ذلك من أساس الاعتقاد؟
فأجاب رحمه الله تعالى: الإخلاص شرط في جميع
العبادات، فلا تصح العبادة مع
الإشراك بالله تبارك وتعالى:(فَمَنْ
كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً). وقال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ
دِينُ الْقَيِّمَةِ). وقال الله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ* أَلا لِلَّهِ
الدِّينُ الْخَالِصُ). وفي الحديث الصحيح القدسي أن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم قال: قال الله تعالى: (أنا
أغنى الشركاء عن الشرك،
من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري
تركته وشركه). والإخلاص لله في
العبادة معناه: ألا يحمل العبد إلى
العبادة إلا حب الله تعالى وتعظيمه ورجاء ثوابه ورضوانه، ولهذا قال الله تعالى عن محمد رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ
اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً). فلا
تقبل العبادة- حجاً كانت أم غيره- إذا كان الإنسان يرائي بها
عباد الله، أي: يقوم بها من أجل أن
يراه الناس فيقولوا: ما أتقى فلاناً، ما أعبد فلاناً لله،
وما أشبه هذا. ولا تقبل العبادة إذا
كان الحامل عليها رؤية الأماكن أو رؤية الناس أو ما أشبه ذلك مما ينافي الإخلاص، ولهذا يجب على الحجاج الذين يؤمون البيت
الحرام أن يخلصوا نيتهم لله عز وجل،
وألا يكون غرضهم أن يشاهدوا العالم الإسلامي أو أن يتجروا أو أن يقال: فلان يحج كل سنة وما أشبه ذلك، ولا حرج على الإنسان أن يبتغي فضلاً من الله بالتجارة وهو آمٌّ للبيت الحرام؛ لقول الله تبارك وتعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا
فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ). وإنما الذي يخل بالإخلاص ألا يكون له قصد إلا
الاتجار والتكسب، فهذا يكون ممن أراد
الدنيا بعمل الآخرة، وهذا يوجب بطلان
العمل أو نقصانه نقصاً شديداً، قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي
الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) .
***
355- تقول السائلة: ينتابني شعور في داخلي
بأنني إذا عملت أمام الناس أي عمل صالح يكون هذا العمل رياء، فمثلاً: عندما أصلى الظهر في
المدرسة أصلى السنة القبلية والبعدية فيقولون: صلاة هذه المرأة طويلة. هل هذا العمل من الرياء؟ علماً بأنني أصلى السنة في كل
مكان وليس في المدرسة.
أرشدوني مأجورين.
فأجاب رحمه الله
تعالى: نعم هذا الشعور بالرياء من الشيطان ليصد الإنسان عن طاعة الله عز وجل، والشيطان- أعاذنا الله وإياكم منه- يشم القلب،
فإن وجد منه قوة على الطاعة رماه بهذا السهم سهم الرياء وقال: إنك مُراءٍ
وإن رأى معه ضعفاً في الطاعة رماه بسهم
التهاون والإعراض حتى يدع العمل.
فعلى المرء أن يكون لديه قوة ونشاط،
وإذا طرأ عليه أنه يصلى رياء أو يتصدق رياء أو يقرأ رياء فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليمض ولا يهتم بهذا.
***
356- بارك الله فيكم هذا
المستمع م. م. هـ. من عمان بالأردن بعث بعدة أسئلة يقول: عندنا إمام في المسجد حافظ
للقرآن مجود تبدو عليه علامات الصلاح: فهو إلى جانب مواظبته على الصلاة يصوم
يوماً
ويفطر يوماً،
إلا أنه دائماً
يعمل حلقات للذكر بعد العشاء تستمر إلى وقت متأخر من الليل، يرددون فيها بعض الأذكار
ومن ذلك قولهم:
مدد يا سيدي يا رسول الله،
ومدد يا سيدي عبد القادر وما شابه ذلك من الأذكار. فهل ذلك جائز ويثابون
عليه أم لا؟
وهل تؤثر هذه الأعمال على صحة صلاتنا خلفه؟ فإن كان كذلك
فما العمل في صلواتنا الماضية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: حقيقة أن ما ذكره السائل
يحزن جدّاً!
فإن هذا الإمام- الذي وصفه بأنه يحافظ
على الصلاة، ويحافظ على الصيام
يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأن ظاهر حاله الاستقامة- قد لعب به الشيطان
وجعله يخرج من الإسلام بالشرك وهو يعلم أو لا يعلم، فدعاؤه غير الله عز وجل شرك أكبر مخرج من الملة، سواء دعا الرسول عليه الصلاة والسلام أو دعا
غيره، وغيره أقل منه شأناً وأقل منه وجاهة عند الله عز وجل، فإذا كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم شركاً فدعاء غيره أقبح وأقبح من عبد القادر، أو غير عبد القادر والرسول عليه الصلاة
والسلام نفسه لا يملك لأحد نفعاً
ولا ضرّاً
قال الله تعالى آمراً له:(قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا
رَشَداً). وقال آمراً له: (
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا
أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ). وقال تعالى آمراً له:(قُلْ
لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ
كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ
السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). بل قال الله تعالى آمراً له:(
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ
مُلْتَحَداً). فإذا
كان الرسول صلى الله وسلم نفسه لا يجيره أحد من الله فكيف بغيره؟ فدعاء غير الله شرك مخرج عن الملة، والشرك لا يغفره الله عز وجل؛ لقوله
تعالى:(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وصاحبه في النار، لقوله تعالى:(
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). ونصيحتي لهذا الإمام
أن يتوب إلى الله عز وجل من هذا الأمر المحبط للعمل، فإن الشرك يفقد العمل، قال الله تعالى:(
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ). وقال
تعالى: ( ولَوْ
أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). فليتب إلى الله من هذا، وليتعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع من أذكار وعبادات، ولا يتجاوز ذلك إلى هذه البدع بل إلى هذه
الأمور الشركية، وليتفكر دائماً في قوله تعالى:(وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) .
فضيلة الشيخ: يقول:
إنه أيضاً هذا الإمام يتظاهر بأنه ولي
من أولياء الله،
وأن في يده إصلاح الأمة،
ويجلس في الخلوة قرابة أسبوع يذكر الله يزعم أن الله يوحي إليه. فما هي علامات الولاية؟ وهل يعرف الولي حقّاً
أنه ولي؟
فأجاب رحمه الله : علامات
الولاية وشروطها بينها الله تعالى في قوله:( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ*
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ). فهذه هي علامات الولاية. وشروطها: الإيمان بالله،
وتقوى الله عز وجل. فمن كان مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً،
أما من أشرك به فليس بولي لله وهو عدو لله كما قال الله
تعالى:( مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ
عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ). فأي رجل أو امرأة يدعو غير الله ويستغيث بغير الله فيما لا
يقدر عليه إلا الله عز وجل فإنه مشرك كافر، وليس بولي لله ولو ادعى ذلك، بل دعواه أنه ولي مع عدم توحيده وإيمانه وتقواه دعوى كاذبة تنافي الولاية.
فضيلة الشيخ:
هل مثل هذه الأعمال تؤثر على صحة صلاتهم خلف هذا الإمام؟
فأجاب رحمه الله : إذا
كانوا جاهلين فإنها لا تؤثر،
وإن كانوا عالمين بحاله وعالمين بحكم الشرع فيه فإنه لا
تصح صلاتهم؛ لأن الكافر لا تصح
صلاته ولو صلى ما دام يشرك بالله سبحانه وتعالى، والغالب فيما أظن أنهم كانوا جاهلين بهذا، وعليه فليس عليهم إعادة فيما مضى من صلاتهم.
***
357- عندما يقوم الناس
بتعديل ثمار النخيل على سعفها فإنهم يضعون بعض ليف النخيل في الثمار الكبيرة حتى
لا يراها الناس،
فهل يعتبر هذا من الشرك-
والعياذ بالله-؟
وماذا تنصحون الناس تجاه ذلك؟ وهل
تجوز الصلاة خلف هؤلاء،
مع العلم بأنني لا أتمكن من المحافظة على الجماعة إن لم أصل خلفهم؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: ليس هذا من الشرك إذا كانوا يغطونها بهذا الليف خوفاً من العين، فإن هذا ليس من الشرك؛ لأن أعين الحاسدين إنما تنصب على الشيء الفائق، فإذا أخفي هذا الشيء لم يكن فائقاً في أعينهم، فيكون
سبباً لمنع العين. والسبب إذا كان
مشروعاً أو محسوساً فإن ممارسته لا تعد من الشرك؛ لأن الأمور التي جعلها الله أسباباً بما أوحى من شرعه أو
بما علم الناس من قدره فإنها تكون أسباباً شرعية، وممارستها ليست شركاً، وعلى هذا فالصلاة خلف هؤلاء ليس فيها بأس.
***
358- هناك أناس في مناطق مختلفة يقولون عند الغضب: خذوه ياجن، أو: خذوه يا سبعة، يدعون عليه بأن يأخذه الجن
وما إلى ذلك من هذه الأدعية،
فهل هذا شرك محبط للعمل؟
حيث إنني
سمعت من أحد المشايخ بمنطقتنا يخطب في يوم الجمعة فقال: إن ذلك شرك، حتى ذكر أن الزوجة إذا لم
تتب من ذلك أنها لا تبقى مع مسلم موحد. أفتونا في ذلك جزاكم
الله خيراً.
فأجاب رحمه الله : الدعاء
لا يكون إلا لله عز وجل،
فمن دعا غير الله من جني أو ملك أو نبي أو ولي كان مشركاً، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فجعل الله تعالى
الدعاء عبادة، وصرف شيء من أنواع
العبادة لغير الله كفر وشرك مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: (وَمَا
أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا
الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). ودعاء غير الله كفر؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ
يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ
فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). فأثبت الله تعالى في
هذه الآية أمرين مهمين:
الأمر الأول: أن من دعا غير الله
فهو كافر، لقوله: (لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). الأمر الثاني: أن من دعا غير الله فإنه لا يفلح، لا يحصل له مطلوبه ولا ينجو من مرهوبه،
فيكون داعي غير الله خاسراً في دينه ودنياه، وإذا كان غير مفلح فهو أيضاً غير عاقل، بل هذا غاية السفه؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ). أي لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله، ولكنه جاء هذا النفي بصيغة الاستفهام لأنه
أبلغ من النفي المحض، حيث يكون مشرباً معنى
التحدي. وعلى هذا فدعاء الجن أو الشياطين أو الأولياء
أو الأنبياء أو الصالحين أو غير ذلك كله شرك بالله عز وجل، يجب على الإنسان أن يتوب إلى الله منه ولا يعود إليه، فإن مات على هذه العقيدة- أعني: على عقيدة أنه يدعو غير الله، وأن هذا المدعو يستجيب له من ملك أو نبي أو ولي أو رسول- فإنه يكون مشركاً يستحق ما قال الله تعالى فيه: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنصَارٍ) .
***
359- هذا السائل محمد سوداني ومقيم بالظهران يقول في
هذا السؤال:
شخص قال في مجلس:
باسم
الله يا سيدي يا رسول الله.
فقال له أحد الإخوة بأن هذا شرك.
هل هذا صحيح؟
وماذا يجب على القائل؟
وبماذا توجهونه مأجورين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى:خطاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يجوز إلا فيما جاءت به السنة،
وقد جاءت السنة بقول المُسلِّم عليه:
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته). وأما قول القائل:
يا سيدي يا رسول الله فأقل ما يقال فيه:
إنه بدعة، فإن ناداه هذا النداء
ليستغيث به ويستعين به على
أمر كان شركاً، فالمسألة تحتاج إلى
تفصيل: إذا قال: يا سيدي يا رسول الله، إن كان يريد أن يستغيث به أو
يستعين به فهذا شرك ودعاء لغير الله عز وجل،
وإن قال: يا سيدي يا رسول الله السلام عليك فهذا بدعة
لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلى كل حال فعلى القائل مثل هذا
القول أن يتوب إلى الله،
وألا يعود إليه.
***
360-
أحسن الله إليكم فضيلة
الشيخ مسجدٌ فيه قبر يتبرك أهل هذا المسجد به، هل يقعون في الشرك الأكبر؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً لا بد أن ننظر هل
القبر سابقٌ على المسجد أم المسجد سابقٌ على القبر؟ فإن كان القبر سابقاً على المسجد، بمعنى:
أن القبر كان متقدماً فبنوا عليه مسجداً، فالمسجد هنا لا تصح فيه الصلاة على كل حال؛ لأنه مسجد يجب هدمه، فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبنى على
القبور، لا سيما إذا كان
المبني مسجداً، وإنما قلنا: يجب هدمه؛ لأنه يشبه مسجد الضرار الذي يجب هدمه، ومسجد الضرار هو المسجد يبنى بقرب مسجدٍ آخر
فيؤثر على أهل المسجد الأول ويفرقهم،
فهذا مسجد ضرار فيهدم على كل حال. وأما إذا كان المسجد سابقاً ودفن فيه الميت فإنه يجب أن ينبش
الميت ويدفن مع الناس. أما من تبرك بهؤلاء، أي:
بأهل القبور، سواءٌ في المسجد أو
في غير المسجد: فإن كان يدعوهم أو
يستغيث بهم أو يستعين بهم أو يطلب منهم الحوائج فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة، وإن كان لا يدعوهم ولكن يتبرك بترابهم ونحوه
فهذا شركٌ أصغر لا يصل إلى حد الشرك الأكبر، إلا إذا اعتقد أن بركته يحصل بها
الخير من دون الله فهذا مشركٌ شركاً أكبر.
***
361- بعض
الناس ينذرون ويذبحون لغير الله ويعتقدون في قبور بعض الصالحين، ومع ذلك فهم يعلقون أنياب
الذئاب في أعناق أطفالهم الصغار لكي تحميهم من الجن معتقدين فيها ذلك، فهل هذا يعد من الشرك أم
لا؟
فأجاب رحمه الله : أما
فعلهم الأول- وهو: ذبحهم للقبور تقرباً بهذا الذبح إلى صاحب
القبر- فإنه من الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وذلك لأن الذبح من عبادة الله عز وجل، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله شرك أكبر. وأما الثاني- وهو:
تعليقهم أنياب الذئاب في أعناق أولادهم من أجل دفع الجن- فإن هذا من الشرك الأصغر؛ لأنهم أثبتوا سبباً لم يجعله الله سبحانه وتعالى سبباً لا
حسَّاً ولا شرعاً، وهذا نوع من الشرك
الأصغر. فالواجب عليهم أن يتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، وأن يزيلوا ما في أعناق أولادهم من هذه
الأنياب، ولا يدفع شر الجن إلا ما جعله الله سبحانه
وتعالى سبباً للدفع، مثل قراءة آية الكرسي، (فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله
حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح). ومثل أن يقول
الإنسان إذا نزل منزلاً: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه إذا قال ذلك لم يضره شيء حتى يرتحل من
منزله ذلك).
***
362-
هل في هذا
القول شرك،
وهو:
توكلت على الله ورسوله؟
فأجاب رحمه الله : نعم،
أما قوله: توكلت على الله فهذه ليست
شركاً لأن الله تعالى هو المتوكَّل عليه، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ). وأما قوله: ورسوله فهذا شرك لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ميت في قبره، لا يملك أن يدعو لأحد ولا أن ينفع أحداً ولا
أن يضر أحداً عليه الصلاة والسلام،
فالتوكل عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرك، وعلى غيره من باب أولى: لو توكل على قبر من يدعي أنه ولي فهو مشرك، والواجب علينا أن نتبرأ من الشرك كله بأي أحد، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)
فقال: (وَعَلَى
اللَّهِ) قدمها على عاملها،
قال أهل العلم: وتقديم ما حقه
التأخير يدل على الاختصاص والحصر،
أي: وعلى الله لا غيره فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
***
363- أحمد أبو السيل السودان
يقول في رسالته:
عندنا في السودان شيخ مات وله قبة يزورها جمع غفير من الناس، والغريب أن الناس يأتون
بالمجانين والمرضى لهذه القبة،
و يمكثون أياماً عديدة باعتقادهم أن هذا الشيخ يشفي هؤلاء المرضى وهؤلاء المجانين. ما حكم هذا العمل وفقكم الله؟
فأجاب رحمه الله : الجواب
على هذا السؤال أن هذا العمل عمل محرم بلا شك، وهو مع تحريمه شرعاً سفه عقلاً؛ لأن هؤلاء الذين يأتون إلى هذه القبة المضروبة على هذا
القبر بمن أصيبوا بالجنون أو بالمرض من أجل استشفائهم بحضورهم إلى هذا المكان
سفهاء في العقول، وذلك لأن هذا الميت
ميت جماد، وقد نعى الله سبحانه
وتعالى على المشركين الذين يدعون الأصنام في قوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ
شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ
أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). فالميت لا ينفع نفسه ولا ينفع غيره، حتى إنه قد انقطع عمله، كما ثبت به الحديث
عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). فإذا كان هذا الميت لا ينفع نفسه
بعمل فكيف ينفع غيره؟ ثم إننا نقول: إذا
كان هؤلاء الجماعة الذين يأتون بمجانينهم ومرضاهم إلى هذا المكان يعتقدون أن هذا
الميت يشفيهم بنفسه فإن هذا شرك أكبر؛
لأنه لا يشفي من المرض إلا الله عز وجل،
كما قال الله تعالى عن إبراهيم إمام الحنفاء وخليل الرحمن: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ). والأدوية التي يكون بها
الشفاء ما هي إلا أسباب جعلها الله تعالى أسباباً، فالشفاء بها من شفاء الله عز
وجل، فإذا اعتقد هؤلاء الذين يحضرون إلى هذا القبر
بأن صاحب القبر يشفيهم بنفسه فإنه شرك أكبر مخرج عن الملة؛ لأنهم اعتقدوا أن مع الله تعالى خالقاً وشافياً، وهذا شرك في ربوبية الله سبحانه وتعالى. وقد بين الله تعالى
في غير آية من كتاب الله أن أولئك الذين يدعون من دون الله لا ينفعونهم،
قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ
مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ). وقال
تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي
الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا
تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ). وقال تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ
إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ). فنصيحتي لهؤلاء أن يلجؤوا إلى ربهم سبحانه
وتعالى، فإنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو القادر على شفائهم، ولا بأس أن يفعلوا الأسباب التي أذن الله بها،
سواء كانت أدعية شرعية أو أدوية مباحة،
أو غير ذلك مما جعله الله تعالى سبباً للشفاء من هذا المرض. وأخيراً أقول: إن هذه القبة التي بنيت على القبر الذي ذكره
السائل يجب أن تهدم؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء
على القبور)، وكل بناية على قبر
فإنه يجب على المسلمين أن يهدموها؛
لأنها من وسائل الشرك. والواجب على المسلمين
عامة أن يقضوا على وسائل الشرك بالبرهان-
وهو: الدليل من الكتاب والسنة- أو بالسلطان- وهو:
تغيير ذلك باليد-؛ لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً
فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). وإنني أنصح إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها
أنصحهم بالانتهاء
عن مثل هذه الأعمال التي ابتلي بها كثير من الناس،
حيث يتعلقون بمن دون الله عز وجل،
يعلقون أملهم به، يدعونه لكشف الضر وجلب النفع، مع أن الأمر كله لله عز وجل، ودعاؤهم هذا لهؤلاء المخلوقين شرك بالله، قال الله تبارك وتعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ). فجعل الله تعالى الدعاء عبادة، وصرف شيء من العبادة لغير الله كفر وشرك ولا
فلاح معه، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا
بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ
رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). نسأل
الله لنا ولهم الهداية.
***
364- في
إحدى القرى عندنا يوجد قبر وعليه بناء حجرة وعليها أعلام ترفرف، ويأتي بعض الناس بالذبائح
والمأكولات معتقدين أن صاحب هذا القبر ينفع أو يضر، فهو حسب ظنهم يشفي مرضاهم ويرزقهم
الأولاد.
وإذا نصحناهم أو حاولنا تغيير هذا المنكر يحذرون من ذلك وأن هذا ولي مشهور، ومن يتعرض له بأذى فإنه
يؤذيه ويضره.
فما رأيكم في هذا؟
وما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
فأجاب رحمه الله : رأينا في هذا أنه يجب أن تهدم هذه القبة أو هذه الحجرة
وأن تزال معالمها؛ لأنها معالم شرك
والعياذ بالله. ثم نقول لهؤلاء الذين
يذهبون إلى هذه الحجرة يذبحون عندها القربان، ويسألونها دفع الضرر وجلب النفع، نقول:
هؤلاء مشركون في الربوبية والألوهية؛ لأنهم تعبدوا لهذا القبر بالذبح له، ولأنهم اعتقدوا أن صاحبه ينفع أو يضر وليس
الأمر كذلك، ولأنهم دعوا صاحب هذا
القبر، والدعاء من العبادة، فقد أشركوا بالربوبية والألوهية
شركاً أكبر. وعلى علماء المسلمين
أن يبينوا لهؤلاء العوام بأن هذا من الشرك، وأن يحذروهم، وإن السكوت على مثل هذا في بلاد تكثر فيها القباب على القبور والذبح لها والسفر إليها، السكوت
على هذا لاشك أنه مسؤولية كبيرة على أولئك العلماء، ومن المعلوم أن العامة يثقون بأقوال علمائهم أكثر مما
يثقون بأقوال علماء بلاد أخرى كما هو ظاهر. فالواجب
على علماء المسلمين في جميع أقطار المسلمين أن يتقوا الله عز وجل، وأن يبينوا لعوامهم
خطر هذه الأمور، وأنها من الشرك
الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل،
والذي أوجب الله لصاحبه الخلود في النار: (إِنَّهُ
مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). وهؤلاء العامة الذين يحذرون من هذا
الولي تحذيرهم ليس بصحيح وليس بواقع،
وليجرب الناس هذا الأمر،
يجربوا ويحذروا من هذا العمل المحرم الشركي، وينظروا هل يصيبهم شيء أم لا؟ فكل هذا تحذير باطل، وإنما هو من الشيطان، ولا يجوز التصديق به؛ لأنه كذب وزور، ثم إن المصدق به يصدق بما ليس
له حقيقة أصلاً.
***
365- هذا
السائل يقول:
سؤالي عن الذين يزورون قبور الشيوخ لقصد الشفاء من مرض معين أو لأجل إنجاب الأولاد
ومثل ذلك،
وينحرون لهم الذبائح،
فما حكم هؤلاء؟
جزاكم
الله خيراً.
فأجاب رحمه الله : هؤلاء
مشركون شركاً أكبر؛ لأنهم دعوا أصحاب
القبور واستغاثوا بهم، واستنجدوا بهم ورأوا
أنهم يجلبون إليهم النفع ويدفعون عنهم الضرر وينذرون لهم، وكل هذه من حقوق الله التي لا تصلح لغيره، فعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يرجعوا إلى توحيدهم وإخلاصهم قبل أن
يموتوا على هذا فيستحقوا ما أخبر الله به عن المشركين
في قوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنْصَارٍ). فإن
قال قائل: إن هؤلاء قد يملى لهم، وقد يبتلون فيدعون أصحاب القبور ثم يحصل لهم
ما دعوا به؟
فنقول: هذه فتنة بلا شك، والذي حصل لم يحصل بهؤلاء المقبورين، وإنما حصل عند دعائهم وليس بدعائهم، وإلا فنحن نؤمن ونجزم جزمنا بالشمس في رابعة
النهار ليس دونها سحاب أن هؤلاء المقبورين لن يستجيبوا لهم أبداً؛ لقوله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ
قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا
يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) ولقول
الله تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا
يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ
أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). فنصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله وأن يرجعوا إلى دين الله
وتوحيد الله، وأن يعلموا أن النبي
صلى الله عليه وسلم قاتل المشركين واستباح دماءهم وأموالهم وذرياتهم
من أجل شركهم، وهؤلاء شركهم من جنس
شرك المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم على شركهم.
***
366- ما مصير المسلم الذي يصوم ويصلى ويزكي ولكنه
يعتقد بالأولياء
الاعتقاد الذي يسمونه في بعض الدول الإسلامية
اعتقاداً جيداً أنهم يضرون وينفعون، وكما أنه يقوم بدعاء هذا الولي فيقول: يا فلان لك كذا وكذا إذا شفي ابني أو بنتي، أو: بالله يا فلان، مثل هذه
الأقوال فما حكم ذلك؟
وما مصير المسلم فيه؟
فأجاب رحمه الله : تسمية
هذا الرجل الذي ينذر للقبور والأولياء ويدعوهم، تسميته مسلماً جهل من المسمي، ففي
الحقيقة أن هذا ليس بمسلم؛
لأنه مشرك، قال الله تعالى:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فالدعاء لا يجوز إلا لله وحده، فهو الذي يكشف الضر وهو الذي يجلب النفع: ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ
مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). فهذا وإن صلى وصام وزكى وهو يدعو غير الله ويعبده وينذر له
فإنه مشرك قد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار.
***
367- بعض الناس عندما يزورون بعض المقابر الشريفة
لدينا التي يوجد بها صحابة رضوان الله عليهم وبعض
الشيوخ الكرام هناك أخطاء يرتكبونها، منها أنهم يطلبون منهم المساعدة
والدعاء عند رب العالمين،
والوقوف بجانبهم لخرجوهم من مصائبهم. ما هو الحكم في هؤلاء يا فضيلة الشيخ؟ انصحوهم بارك
الله فيكم.
فأجاب رحمه الله : قبل
الإجابة على هذا السؤال أود أن أقول:
إن ما يدعى بأنه قبر فلان أو فلان من الصحابة رضي الله عنهم أو الأئمة بعدهم قد لا
يكون صحيحاً، فليس كل ما ادعي يكون
مقبولاً وصحيحاً، بل قد يكون هذا من
تزوير المزورين, أما على فرض أن يكون في هذا المكان قبر صحابي أو قبر إمام من
الأئمة فإن المشروع للإنسان إذا زار المقبرة أن يفعل ما أمر به
النبي صلى الله عليه وسلم من السلام عليهم يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين،
نسأل الله لنا ولكم العافية).
فالزائر للمقبرة زائر معتبر داع للموتى وليس داعياً عندهم، وأما الذين يزورنها على سبيل التبرك بترابها، أو أقبح من ذلك أن يدعو الأموات بكشف الضر
وجلب النفع أو ما أشبه هذا فإن دعاء غير الله شرك أكبر مخرج عن الملة، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ
لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ
لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). فبين الله سبحانه وتعالى أن هذا الذي يدعو من
دون الله أو يدعو مع الله إلهاً آخر أنه كافر، وأنه ليس بمفلح،
أي لن يحصل له مطلوبه ولن ينجو من مرهوبه. وقال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ
اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ
غَافِلُونَ* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا
بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). فالمشرك الداعي لغير الله عز وجل غير مفلح لا في
الدنيا ولا في الآخرة، وهو أيضاً سفيه لا
أحد أضل منه. فنصيحتي لهؤلاء الذين
يزورون هذه المقابر أن تكون زيارتهم على الوجه المشروع: بأن يتعظوا بهذه الزيارة ويتذكروا الآخرة، وأنهم الآن على ظهر الأرض أحياء يأكلون
ويشربون ويلبسون و يتمتعون،
وعما قريب سوف يكونون في بطن الأرض مرتهنين بأعمالهم، كما كان هؤلاء المقبورون مثلهم بالأمس وهذه حالهم اليوم، ثم يدعون لإخوانهم بما شرع لهم مما ذكرناه
آنفاً، وأما أن يتبركوا بالتراب أو أن يدعوا هؤلاء
الموتى فهذا ضلال لا أصل له.
***
368- المستمع محمد من إثيوبيا يتطرق إلى الاعتقاد
بأهل القبور يقول:
تكثر عندنا المعتقدات-
يعني:
بأهل القبور-
وسؤالهم حاجاتهم المهمة،
ملتفين حول قبابهم،
كطلب الأولاد والغنى.
نصيحتكم لهؤلاء بارك الله فيكم؟
فأجاب رحمه الله : هذه
المسألة خطيرة جداً لا أخطر منها فيما أرى؛ لأنها شرك, شرك أكبر مخرج عن الملة، فإن من أتى إلى القبور ودعاهم واستغاث بهم في
تفريج الكربات وحصول المطلوبات كان داعياً لغير الله عز وجل، فكان مشركاً في دينه وضالاً في عقله:
أما كونه مشركاً في دينه فلأنه عبد مع الله غيره حيث دعاهُ، ودعاء غير الله عبادة له، قال الله عز وجل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فأمر الله بالدعاء وجعله عبادة قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فإذا
دعا أحداً غير الله فقد عبده فيكون بذلك مشركاً كافراً، وقال عز وجل: (وَمَنْ
يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ
فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). فأخبر
بأن هذا كافر- أي: من يدعو مع الله إلهاً آخر- وأنه غير مفلح في دعائه، فلم يحصل له مطلوبه، وإن قدر أنه حصل له فإن هذا المطلوب لم يحصل
بالدعاء ولكنه حصل عند الدعاء،
امتحاناً من الله عز وجل وفتنة واستدراجاً. وأما كون من دعا غير الله تعالى ضالاً في عقله فلأن الله
تعالى يقول: (وَمَنْ أَضَلُّ
مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ
كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). وفي
الآية هذه دليل أيضاً على أن الدعاء عبادة؛ لقوله: (وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). وإن نصيحتي لهؤلاء أن يرجعوا إلى رشدهم، وأن يفكروا تفكيراً جدياً في هذه المسألة،
فالمقبورون هم بالأمس كانوا أحياء مثلهم يعيشون على الأرض ثم ماتوا، فكان أعجز منهم على حصول المطلوب؛ لأن الميت لا حراك به
ولا عمل له ولا ثواب له،
قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية،
أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وإنما انقطع عمله لأنه كسب له، ولا يستطيع أن يتكسب، ولا يستطيع أن يجلب خيراً لغيره ولا يدفع ضرّاً عن غيره. فليرجعوا إلى عقولهم، أي:
فليرجع هؤلاء الذين يلتفون حول القبور يسألونهم الحوائج ودفع الكربات، لينظروا في أمرهم ويتدبروا بعقولهم وأن ذلك لا
يجدي شيئاً، ولماذا لا يرجع هؤلاء
إلى البديل الذي هو خير من ذلك والذي به النفع ودفع
الضرر وهو الالتجاء إلى الله عز وجل،
فيدعون الله عز وجل في صلواتهم وفي خلواتهم؟ فإنه سبحانه وتعالى هو الذي قال في كتابه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي
قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). وقال: (وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). فلماذا
لا يدعون الله عز وجل؟ فليرجعوا عن هذا العمل- أعني:
الالتفاف حول القبور ودعاء أصحابها-
فيلتفوا حول المساجد ويصلوا مع الجماعة ويدعوا الله سبحانه تعالى وهم سجود، ويدعوا
الله تعالى بعد الانتهاء من التشهد وقبل أن يسلموا، ويدعوا
الله بين الأذان والإقامة،
ويتحروا أوقات الإجابة والأحوال التي يكونون فيها أقرب
إلى الإجابة، فيلجؤوا إلى الله تعالى
بالدعاء حتى يجدوا الخير والفلاح والسعادة.
***
369- هذه الرسالة وردتنا من
جمهورية مصر العربية،
وبعث بها المستمع لبرنامج نور على الدرب سليمان عبد
الغفار عبد المجيد يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم،
وبه نستعين على النفس والكفار والمشركين. أما
بعد فأنا أشكركم على برنامج نور على الدرب، وأتمنى لكم أعظم أجر من الله العزيز
الحكيم.
يقول:
إنني أتوجه إلى الشيوخ الأفاضل بهذه الأسئلة: إننا يوجد
عندنا أغلب الناس يصومون ويصلون ويحجون ويزكون ويقولون: لا إله إلا الله، ولكن-
والعياذ بالله- يجعلون قبور الصالحين واسطة بينهم وبين الله، ويقول: إنهم يشدون لهم
الرحال، ويعملون حفلات فوق القبور، ويأخذون الأطفال والنساء، ويذبحون الكثير من
الغنم والماعز، ويحلفون بهذه الأوثان. فهل نأكل من هذه الذبائح وهم يذكرون الله
عليها؟ نرجو التوجيه منكم لنا ولهم وفقكم الله.
فأجاب رحمه الله : هذه
الذبائح إذا كان المقصود بها التقرب إلى هؤلاء الأموات
فهي مما ذبح لغير الله، فلا يحل أكلها ولو ذكروا اسم الله عليها؛ لأنها داخلة في
قوله تعالى: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، فحرام عليكم أن تأكلوا منها شيئاً.
أما بالنسبة لهم فإن عملهم هذا إشراك بالله عز وجل؛ لأن التقرب بالذبح من خصائص الله
سبحانه وتعالى، أي: من الأمور المختصة به لا يجوز صرفها
لغيره؛ لأنها من العبادة، كما قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ). وعلى هذا فيجب على العلماء أن ينصحوا أولئك الجهال،
وأن يبينوا لهم أن هذا من الشرك بالله، وأن الشرك بالله لا يقبل الله معه عملاً؛
لأن الله تعالى قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). ولا يجوز
للعلماء العالمين بأحوال هؤلاء, العالمين بأحكام ما يفعلونه، لا يجوز لهم السكوت؛
لأن السكوت في مثل هذه الحال إقرار لهم على هذا الشرك، والعامة متعلقون بالعلماء،
والعلماء مسؤولون عنهم، وهم- أعني: العلماء- ورثة
الأنبياء في العلم والعمل والدعوة إلى الله عز وجل، وسيسألهم الله عز وجل يوم
القيامة عما علموا :(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ). فالحاصل أنه إذا كان الأمر كما
وصف السائل شائعاً كثيراً بين الناس فما ذلك إلا لتقصير أهل العلم في بيان الحق،
وإلا فلو أن أهل العلم بينوا للعامة حكم صنيعهم هذا لكان العامة أقرب شيء إلى
الامتثال والانقياد ونسأل الله تعالى لنا ولهم التوفيق، وأن يعيننا على أداء ما
حملنا بمنه وكرمه.
***
370- كنت
أعتقد بأن النذور مسألة بعيدة عن الدين أو أنها من البدع، فما هو أصلها؟ وما موقف التشريع الإسلامي منها؟ أو كيف يتوجب على المسلم أداؤها؟
فأجاب رحمه الله : لست أعلم ما يريد بالنذور، فأخشى أنه يريد بالنذور ما يُنذر
للأمـوات، فإن كان يريد ذلك فإن النذور للأموات من الشرك الأكبر؛ لأن النذر خاص
لله عز وجل. فإذا قال قائل: لصاحب هذا القبر عَلَّي نذر
أن أذبح له، أو: لصاحب هذا القبر نذر أن أصلى له أو ما أشبه ذلك من العبادات التي
تُنذر لأصحاب القبور فإن هذا بلا شك شرك مخرج عن الملة. أما
إن أراد بالنذر النذر لله عز وجل فهذا فيه تفصيل كثير: إن كان النذر نذر طاعة وجب
عليه الوفاء به، سواء كان النذر مطلقاً أو معلقاً بشرط.
فإذا قال قائل مثلاً: لله علي نذر أن أصوم غداً وجب عليه أن يصوم ,لله علي نذر أن
أصلى ركعتين وجب عليه أن يصلى ركعتين, لله علي نذر أن أحج وجب عليه أن يحج ,لله
علي نذر أن أعتمر وجب عليه أن يعتمر, لله علي نذر أن أصلى في المسجد النبوي وجب
عليه أن يصلى في المسجد النبوي. إلا أنه إذا نذر شيئاً فله أن ينتقل إلى ما هو خير
منه: لو نذر أن يصلى في المسجد النبوي فله أن يصلى بدلاً من ذلك في المسجد الحرام؛
لأنه ثبت أن رجلاً قال يوم الفتح للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني نذرت
إن فتح الله عليك مكة أن أصلى في بيت المقدس. فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (صلِّ ها هنا). فأعاد عليه الرجل مرتين، فقال له النبي عليه
الصلاة والسلام: (شأنك إذاً) فهذا دليل على أنه إذا نذر شيئاً وفعل ما هو خير منه
من جنسه فإنه يكون جائزاً وموفياً بنذره، هذا في نذر الطاعة، سواءً كان مطلقاً كما
مثلنا أو كان معلقاً بشرط كما في هذا الحديث: إن فتح الله عليك مكة أن أصلى في بيت
المقدس. ومثل النذور المعلقة أيضاً ما يفعله كثير من
الناس: يكون عندهم المريض فيقول: إن شفا الله هذا المريض فلله علي نذر أن أفعل كذا
وكذا من أمور الخير، فيجب عليه إذا شُفي هذا المريض أن يوفي بما نذر من طاعة الله.
ومثله أيضاً ما يفعله بعض الطلبة يقول: إن نجحت فلله علي كذا من أمور الطاعة لله،
علي أن أصوم ثلاثة أيام، أو عشرة أيام، أو يوم الاثنين والخميس من هذا الشهر أو ما
أشبه ذلك، فكل هذا يجب الوفاء به؛ لعموم قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه). ومع هذا فإني أنصح إخواننا
المسلمين أنصحهم ألا ينذروا على أنفسهم؛ لأن النذر أقل أحواله الكراهة، بل إن بعض
العلماء حرمه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: (إن النذر لا يأتي
بخير، وإنما يستخرج به من البخيل). ولأن الناذر ألزم
نفسه بأمر هو في عافية منه، ولأن الناذر قد يتراخى ويتساهل في الوفاء بالنذر وهذا
أمر خطير، واستمعوا إلى قول الله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ
آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ
فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ
مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ). فإذا تساهل الإنسان
فيما نذر لله على شرط فإنه يوشك أن يُعاقب بهذه العقوبة العظيمة: يعقبه الله
نفاقاً في قلبه إلى أن يموت، نسأل الله السلامة والعافية. ثم إن النذر في هذه
الحال كأن الناذر يقول: إن الله لا يعطيني ما أريد إلا إذا شرطتُ له، وهذا في
الحقيقة سوء ظن بالله عز وجل، فالله تبارك وتعالى يتفضل على عباده بدون أن يشترطوا
له شرطاً أو شيئاً، فأنت إذا حصل لك مكروه أو أردت
مرغوباً فاسأل الله وادعه، هذه طريقة الرسل، كما قال الله تعالى عنهم، عن الذين أُصيبوا
ببلاء أنهم يناجون الله عز وجل ويدعونه فيستجيب لهم: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ
مِنْ ضُرٍّ). وهل أيوب نذر لله نذراً إن عافاه الله؟ لا،
بل دعا ربه. وهكذا أيضاً سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين: إذا
أرادوا من الله ما يرغبون توجهوا إليه بالرغبة والدعاء أن يعطيهم ذلك، وإذا أرادوا
من الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنهم ما يكرهون دعوه سبحانه وتعالى ولجؤوا إليه بأن يصرف عنهم ما يكرهون، هذه سبيل المرسلين من
الأولين والآخرين، آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يخرج الإنسان عن طريقتهم؟ فالمهم أننا ننصح إخواننا بالبعد عن هذا الأمر، وكثيراً ما
يسأل الناس الذين نذروا، على أنفسهم نذوراً يسألون يريدون أن يجدوا من أهل العلم
من يخلصهم منها فلا يجدون من يخلصهم.
***
371- المستمع
ع. ع. ب. أيضاً من جمهورية مصر العربية يقول إنه يوجد
لدينا في أرياف مصر من يقومون بالنذر للمشايخ ببعض الأطعمة مثل الزبد والألبان
واللحوم وغيرها إذا كانت لديهم بعض من البهائم مريضة أو غير ذلك، وبعد شفائها
يقومون بأداء النذر لهذا الشيخ. فهلا أرشدتم العباد فضيلة
الشيخ؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله : نعم
النذر للشيخ عند حدوث المصائب إذا زالت المصائب محرم؛ لأن هذا الشيخ لا أثر له في
حصول المصلحة أو دفع المضرة أو شفاء المريض أو غير ذلك، بل قد يصل هذا إلى حد
الشرك الأكبر إذا اعتقد أن الشيخ بيده نفعٌ أو ضرر دون الله. فالواجب أولاً على
المشايخ أن يتنزهوا عن هذا الأمر، وأن لا يوهموا العامة بأن لديهم سراً يستطيعون به شفاء المريض، وأن يعلموا أن الدنيا دار غرور فلا تغرنهم الحياة الدنيا، وأن الشيطان ربما يخدعهم ويزين لهم سوء
أعمالهم، فإن الشيطان كما وصفه الله عز وجل في قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ
عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ
أَصْحَابِ السَّعِيرِ). وعلى العامة أن يبتعدوا عن هؤلاء
المشايخ، وأن لا يعتقدوا بهم، وأن يعلموا أنهم دجالون كذابون ليس لديهم من الأمر شيء.
وها هو النبي عليه الصلاة السلام أشرف خلق الله وأعظمهم
ولاية وجاهاً عند الله يقول الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ
مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ). فكيف بهؤلاء الدجالين الكذابين؟ فإنني أوجه النصيحة أولاً إلى هؤلاء المشايخ أن يتقوا الله عز
وجل في أنفسهم وفي عباد الله، ثم ثانياً إلى الناس عموماً أن لا يغتروا بأمثال
هؤلاء، وأن يعلموا أنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون لغيرهم؟
وإذا أراد الإنسان أن يشفى مريضه أو يحصل له مطلوبٌ أو يرتفع عنه مكروب فليتوجه
إلى الله عز وجل، فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وهو الذي بيده الخير
وهو على كل شيءٍ قدير، ليصدقوا مع الله حتى ينالوا جزاء الصادقين، كما قال الله
تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ)، وحتى يكون لهم قدم صدقٍ
عند الله عز وجل، وليعلموا أنهم إذا لجؤوا إلى الله
واتقوا الله عز وجل يسر لهم الأمور وكشف عنهم الكروب. قال
الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً). (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ). أما التعلق
ببشرٍ مثلهم فهو سفهٌ في العقل وضلال في الدين.
***
372- 487-هذا المستمع بعيضة
فضيل من الجزائر يقول: في القرية التي أقيم فيها بعض
العادات توشك أن توقعنا في خطر كبير، منها زيارة بعض أشخاص قد ماتوا قديماً يدعي
أجدادنا أنهم من الأولياء الصالحين، وزيادة على هذا فإنهم يسألونهم الخيرات والرزق
مثل الأولاد دون أن يسألوا الله العلي القدير، ويلقون إليهم بالنذور كأن يقول الواحد
منا: إن نجحت في الامتحان لأذبحن كبشاً وأقدمه قرباناً
إلى ذلك الولي الصالح، ويسميه باسمه الشخصي، وفعلاً فهم يوفون بالنذر. فهل يجوز
هذا أم لا؟ وما هي نصيحتكم لهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا لهؤلاء وأمثالهم أن
يرجع الإنسان إلى عقله وتفكيره، فهذه القبور التي يزعم أن فيها أولياء تحتاج إثبات
أنها قبورٌ أولاً، قد يضع شيئاً ويقال: هذا قبر فلان كما ثبت ذلك. ثانياً: إذا ثبت أنها قبور فإنه يحتاج إلى إثبات أن هؤلاء
المقبورين كانوا أولياء لله؛ لأننا لا ندري هل هم أولياء لله أم أولياء للشياطين؟
ثالثاً: وإذا ثبت أنهم من أولياء الله فإنهم لا يزارون من أجل التبرك بزيارتهم أو
دعائهم أو الاستغاثة بهم والاستعانة بهم في هذه الأمور، وإنما يزارون كما يزار
غيرهم للدعاء لهم فقط، على أنه إذا كان في زيارتهم فتنة فإنه لا تجوز زيارتهم، لو
كان في زيارتهم مثلاً خوف فتنة بالغلو فيهم فإنه لا تجوز زيارتهم، دفعاً للمحظور
ودرءاً للمفاسد. فأنت يا أخي حكم عقلك هذه الأمور الثلاثة التي ذكرت لابد أن تتحقق:
ثبوت القبر, ثبوت أنه ولي، ثالثاً الزيارة لا لأجل الاستعانة بهم ولكن لأجل الدعاء
لهم؛ لأنهم الآن في حاجة، مهما كانوا فهم في حاجة إلى الدعاء لهم، أما هم فهم
أموات جثث لا ينفعون ولا يضرون. ثم إن قلنا: إن ازيارتهم
لأجل الدعاء لهم جائزة ما لم تستلزم محذوراً، فإن استلزمت محذوراً بحيث يغتر بهم
فإن زيارتهم لا تجوز، أما من زارهم على الوصف الذي ذكره السائل ليستغيث بهم أو نذر
لهم فذبح لهم فإن هذا شرك أكبر مخرج من الملة، يكون صاحبه به
كافراً مخلداً في النار.
***
373-
488- من سلطنة عمان المنطقة الجنوبية عامر بن أحمد يقول: هل يجوز
النحر للميت؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب رحمه الله تعالى: لا ندري ماذا يريد من النحر
للميت إن أراد بالنحر للميت؟ التقرب إلى الميت بالذبح له فهذا شرك أكبر مخرج عن
الملة، ومن فعله فعليه أن يتوب إلى الله من شركه، فإن لم يفعل ومات على ذلك فإن
الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وأما إن
أراد بالنحر للميت أنه يذبح شاة ليتصدق بلحمها عن الميت فهذا جائز؛ لأن الصدقة عن
الميت باللحم أو بطعام آخر أو بالدراهم جائزة. فينظر في
مراد السائل هل أراد النحر للميت تقرباً إليه وتعظيماً؟ فهذا
من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بتوبة، وإن أراد بذلك أنه يذبح شاة ليتصدق بلحمها
فهذا لا بأس به.
***
374- عدنان عبد القادر من السودان كسلا يقول: بعض
الناس هداهم الله يحلفون بالأولياء ويطلبون منهم العون، فبماذا تنصحون هؤلاء
مأجورين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: جوابنا على هذا السؤال هو أن طلب الحوائج من الأولياء الأموات أو الأحياء
الذين لا يستطيعون مباشرة قضاء الحاجة شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة، وفاعله مخلدٌ في
نار جهنم، قال الله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنصَارٍ). وأما إذا كان الولي حاضراً وطلب منه الإنسان ما يقدر عليه: كإعانته على
إخراج عفشه من البيت، أو بتحميله في السيارة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به؛ لأن طلب قضاء الحاجة من الحي الحاضر القادر لا بأس به؛ لأنه من الاستعانة بأخيه المسلم على قضاء حاجته، وقد قال
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع
له عليها متاعه صدقة). وأما الحلف بالأولياء فهو أيضاً
شرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
ولكن إن كان يرى أن هذا الولي يستحق من التعظيم ما يستحقه الله عز وجل فإنه شركٌ
أكبر، وإن كان لا يرى ذلك ولكن حلف بهذا الولي إجلالاً وتعظيماً له دون أن يرى أنه
يستحق من التعظيم ما يستحقه الرب العظيم فإن هذا يكون شركاً أصغر. وعلى كل حال فيجب الحذر من هذا وأن لا يحلف إلا بالله؛ لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).
***
375- قرأت في كتيب بعنوان صيغة الصلاة على سيدنا محمد
فيها فوائد عظيمة لقضاء الحاجات، والصيغة: اللهم صلِّ على سيدنا محمد سر حياة
الوجود، والسبب العظيم لكل موجود، الحبيب المحبوب، شافي العلل ومفرج الكروب. ما
رأي فضيلتكم في هذا الدعاء؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله
تعالى:رأيي في هذا الدعاء أنه منكر، ولا يجوز للإنسان أن يدعو به؛
لأنه وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه سر الوجود، وأنه شافي العلل،
وهذا شرك: فالشافي هو الله تبارك وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه يقول في
الدعاء على المريض: (واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك). فكيف يدعي هذا أن النبي
صلى الله عليه وسلم هو شافي العلل؟ فعلى من رأى هذا
الدعاء أن يمزقه وأن يحذر منه. وإنني بهذه المناسبة أود أن أحذر إخواني المسلمين
عن ما يتداوله الناس أحياناً من ورقات يوزعها أناس
مجهولون، فيها أنواع من الأدعية كلها أسجاع غريبة تصد الناس عن الأدعية الواردة عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو التي ذكرها الله تعالى في القرآن، فتجد
الناس- لحسن أسلوب هذه الأدعية التي توزع أحياناً، ولكون الشيطان يزينها في قلوبهم-
يكبون عليها ويعرضون عما جاء في الكتاب والسنة من الأدعية النافعة الجامعة، وأنصح
كل من وقع في يده شيء من هذا أن يعرضه على أهل العلم قبل أن يتعبد لله به. هؤلاء الذين يوزعون هذه المناشير إما جاهلون فهم تحت عفو
الله عز وجل، على أني أخشى ألا يعفى عنهم؛ لأن الواجب على الإنسان في هذه الأمور
أن يسأل أهل العلم قبل أن يوزعها؛ وإما متعمدون لصد الناس عن الأدعية الواردة
المشروعة إلى هذه الأدعية المصنوعة المسجوعة؛ ليبعدوا الناس عن ما جاء في الكتاب
والسنة، ولا شك أن الأدعية الواردة في الكتاب والسنة خير ما يكون من الأدعية؛
لأنها من عند الله عز وجل علمها عباده، ومن عند النبي صلى الله عليه وسلم علمها
أمته، فالحذار الحذار أيها
الإخوة من التمسك بهذه المنشورات. وكما ترد هذه المنشورات في الأدعية ترد أيضاً في
مسائل أخرى: فتوزع أحياناً منشورات فنها أحاديث مكذوبة عن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كذب علي متعمداً
فليتبوأ مقعده من النار). وقال: (من حدث عني حديثاً يرى
أنه كذب فهو أحد الكاذِبِين، أو الكاذِبَيْن). فليحذر عباد
الله من هذه المنشورات توزيعاً أو طباعة، أو شراءً أو بيعاً، أو هدية أو استعمالاً.
والعلماء والحمد لله موجودون في البلاد، يتمكن الإنسان من الوصول إليهم مشافهة ومباصرة، أو مشافهة عن طريق الهاتف.
***
491-هذا سائل
للبرنامج يقول: أرجو التكرم من فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين
بالإجابة على أسئلتي. يقول: يوجد في قريتنا إمام مسجد
يدعو الناس إلى الاستغاثة بغير الله من الأموات، ويعتقد ذلك من الأمور التي تقرب
الناس إلى الله تعالى. فما حكم الإسلام في نظركم في هذا
الرجل؟ وما حكم الصلاة خلف هذا؟
فأجاب رحمه الله تعالى: أقول: إن هذا الرجل الذي
يدعو إلى الاستغاثة بغير الله مشرك داع إلى الشرك، ولا يصح أن يكون إماماً
للمسلمين، ولا يصلى خلفه، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل قبل أن يدركه الموت.
الاستغاثة لا تكون إلا بالله وحده، وتكون الاستغاثة بحي قادر على أن ينقذ من
استغاث به من الشدة، كما في قول الله تبارك وتعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ
الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ). أما أن يستغيث بالأموات
فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة، وإنني من هذا المنبر أدعو هذا الرجل إلى أن يتوب إلى
الله عز وجل، ويعلم أن الاستغاثة بالأموات لا تقرب إلى الله بل هي تبعد من الله عز
وجل، ومن استغاث بالأموات فهو داخل في قول الله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
***
492- نحن في
بلاد غير إسلامية يكثر فيها غير المسلمين، وكان بينهم وبين المسلمين مناظرات، وفي
هذه المناظرات أثيرت شبهة، وهي أن أهل الكتاب قالوا: إنكم أيها المسلمون تشركون
بالله؛ لأنكم تطوفون بالكعبة ومن ضمنها الحجر الأسود، وهذا يعني أن المسلمين
يشركون بالله. والسؤال: كيف نرد على هذه الشبهة؟ علماً
بأنهم رفضوا قبول النصوص بتاتاً.
فأجاب رحمه الله
تعالى: نرد على هذه الشبهة بأننا ندور على الكعبة لا تعظيماً للكعبة لذاتها ولكن
تعظيماً لله عز وجل؛ لأنه رب البيت؛ وقد قال تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
والذين يطوفون بالبيت ليسوا يسألون البيت يقولون يا أيتها الكعبة اقضيِ حوائجنا،
اغفري ذنوبنا، ارحمينا، أبداً، بل هم يدعون الله عز وجل ويذكرون الله ويسألون الله
المغفرة والرحمة، بخلاف النصارى عابدي الصلبان الذين يعبدون الصلىب
ويركعون له ويسجدون له ويدعونه، ومن سفههم أن الصلىب
كما يدعون هو الذي صلب عليه المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، فكيف
يعظمون ما كان المقصود به تعذيب نبيهم عليه الصلاة
والسلام وكيف يعظمونه؟ ولكن هذا من جملة ضياع النصارى
وسفاهتهم، على أننا نحن المسلمين لا نرى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قتل أو صلب؛
لأن ربنا عز وجل يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).
وهات أي واحد من المسلمين حقاً يقول: إنه يطوف بالكعبة
من أجل أن تكشف ضره أو تحصل ما يطلب، لن تجد أحداً كذلك.
***
376- المستمع محمد الطرشان
دمشق يقول في رسالته: ما حكم الشرع في نظركم فيما لو
ذبح الإنسان خروفاً وقال: اللهم اجعل ثوابه في صحيفة الشيخ فلان بن فلان؟ هل في
ذلك شيء من البدع؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: إذا ذبح الإنسان خروفاً أو غيره من بهيمة الأنعام ليتصدق به عن شخص ميت فهذا لا بأس به، وإن
ذبح ذلك تعظيماً لهذا الميت وتقرباً إلى هذا الميت كان شركاً أكبر، وذلك لأن الذبح
عبادة وقربة، والعبادة والقربة لا تكون إلا لله، كما قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ
صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ). فيجب التفريق بين المقصدين: فإذا قصد بالذبح أن يتصدق بلحمه
ليكون ثوابه لهذا الميت فهذا لا بأس به، وإن كان الأولى
والأحسن أن يدعو للميت إذا كان أهلاً للدعاء بأن كان مسلماً، وتكون الصدقة للإنسان
نفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد أمته إلى أن يتصدقوا عن أمواتهم بشيء،
وإنما قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم
ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). ولم
يقل: يتصدق عنه أو يصوم عنه أو يصلى عنه، فدل هذا على أن الدعاء أفضل وأحسن. وأنت
أيها الحي محتاج إلى العمل، فاجعل العمل لك واجعل لأخيك
الميت الدعاء. وأما إذا كان قصده بالذبح لفلان التقرب إليه وتعظيمه فهو شركٌ أكبر؛
لأنه صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
***
377- يقول بعض الناس: إذا سكن منزل جديد لا بد وأن
يذبح بداخله ذبيحة أو ذبيحتان خوفاً من مس الجن اعتقاداً منهم بذلك. نرجو بهذا
إفادة؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: ذبح الإنسان عند نزوله للمنزل أول مرة اتقاء الجن وحذراً منهم محرم لا يجوز،
بل أخاف أن يكون من الشرك الأكبر، ولا يزيد الإنسان إلا شراً ورعباً ورهباً، قال
الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ
الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً). والإنسان
إذا نزل منزلاً ينبغي أن يقول ما جاءت به السنة (أعوذ
بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فإن من نزل منزلاً وقال: أعوذ بكلمات الله التامات
من شر ما خلق لن يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. أما إذا ذبح الذبائح ودعا
الأقارب والجيران والأصحاب من باب إظهار الفرح والسرور بهذا المنزل الجديد فإن هذا
لا بأس به ولا حرج فيه، وله أن يدعو من شاء ممن يرى
أنهم يفرحون بفرحه ويسرون بسروره.
***
378- أحسن الله إليك يا شيخ من شمال سيناء مصر السائل
أبو محمد يقول: فضيلة الشيخ عندنا أناس يذبحون للأولياء والصالحين، ويذبحون عند
شراء السيارة الجديدة حتى لا يحصل لها حادث، ويذبحون للبيت الجديد حتى لا تسكن فيه
الجان، ويذبحون لخزان المياه حتى لا يغرق فيه أحد. أفيدونا بالحكم عن هذه المسائل؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: أما الذبح للأولياء أو غيرهم من المخلوقين فإنه شرك أكبر مخرج عن الملة،
وقد قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارٍ). وهؤلاء لا تنفعهم صلاة ولا صدقة ولا صيام ولا حج ولا غيرها من الأعمال
الصالحة؛ لأن الكافر لا يقبل منه أي عمل صالح؛ لقول الله تبارك وتعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ
أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ
وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ
إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ). وعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله عز وجل من ذلك، وأن
يستقيموا على الإخلاص، ومن تاب من الذنب تاب الله عليه، قال الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ
لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً
رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ
مَتَاباً). وأما الذبح عند نزول البيت أو بناء الخزان أو ما أشبه ذلك فهذا سفه
وخطأ، لكنه لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، وعليهم أن يكفوا عن هذا العمل؛ لأن ذلك
ليس وسيلة إلى حفظ البيت أو الخزان أو ما أشبه ذلك، فهو يشبه التمائم والتعويذات
التي ليست بمشروعة.
***
379- المستمع أبو سالم من العراق يقول: بعض الناس
عندنا يذبحون الذبائح لغير الله، للإمام علي رضي الله عنه مثلاً، أو للشيخ عبد
القادر، وأحياناً يكلفني بعضهم بأن أذبح له بتلك النية، ولكني في داخل نفسي أقول:
هي لله تعالى؛ لعلمي أن ذلك لا يجوز. فهل في هذا شيء؟ وهل يلحقني شيء من الإثم؟
وهل يجوز الأكل من لحوم تلك الذبائح؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الذبح لغير الله شرك؛ لأن الذبح عبادة، كما أمر الله به
في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، وقوله: (قُلْ
إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ). فمن ذبح لغير الله فهو مشرك شركاً
مخرجاً عن الملة والعياذ بالله، سواء ذبح ذلك لملك من الملائكة أو رسول من الرسل
أو نبي من الأنبياء أو لخليفة من الخلفاء أو لولي من الأولياء أو لعالم من العلماء،
كل ذلك شرك بالله عز وجل ومخرج عن الملة، والواجب على المرء أن يتقي الله تعالى في
نفسه، وألا يطيع نفسه في ذلك الشرك الذي قال الله تعالى فيه: (إِنَّهُ مَنْ
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). ولا يحل لك
أنت أن تذبح له هذه الذبيحة وأنت تعلم أنه يؤمن بذلك: ذبحها لغير الله عز وجل، فإن
فعلت فقد شاركته في الإثم حتى ولو فيما أُهلَّ لله به،
فإن ذلك لا ينفع؛ لأن الاعتبار بنية صاحبها الذي وكلك، فلا تفعل هذا. وأما الأكل
من لحوم هذه الذبيحة فإنه محرم؛ لأنها أُهِلَّ لغير الله بها،
وكل شيء أهِلَّ لغير الله به أو ذبح على النصب فإنه
محرم، كما ذكر الله ذلك في سورة المائدة في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ
وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) فهي
من قسم المحرمات، لا يحل أكلها لا لذابحها ولا لك ولا
لغيركما.
***