الكفر والتكفير
278-
يقول السائل: ما هي نواقض الإسلام سواء
كانت قولية أوعملية أواعتقادية؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: نواقض الإسلام: كل ما خالف الإسلام
فهو مناقض له، لكن المناقضة تنقسم
إلى قسمين: مناقضة جزئية، ومناقضة كلية. فما أطلق الشارع عليه الكفر نظرنا: إن كان هذا يناقض الإسلام مناقضة كلية حسب القرائن المقترنة
بهذا الإطلاق فهو كفر أكبر مخرج عن الملة، وإن كان يناقض الإسلام في هذه المسألة الجزئية فليس مناقضاً على وجه الإطلاق. فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) إذا نظرنا إلى قوله: (قتاله كفر) فيقول قائل: من قاتل المسلم فهو كافر كفراً مخرجاً عن
الملة، لكننا عند التأمل نجد أن الرسول عليه الصلاة
والسلام قال: (قتاله كفر) أي: إن
القتال من الكفر، وليس هو الكفر الأكبر، ويؤيد هذا قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى
تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) فجعل الله الطوائف
الثلاث كلها إخوة: المقاتلة الباغية، والأخرى المدافعة، وكذلك المصلحة: (إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ). فيكون هذا الناقض ليس ناقضاً بالكلية، بل في الإنسان خصلة من خصال الكفر، وليس هو الكفر المطلق. وإذا نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، وقوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، علمنا بأن الكفر هنا الكفر الأكبر المناقض للإسلام مناقضة
كلية، وذلك لوجود: بين الرجل وبين الشرك والكفر، والبينية تقتضي أن يكون كل طرف منفصلاً بائناً عن الطرف الآخر، لا يجتمع معه في شيء؛ لوجود الحد الفاصل الذي دلت عليه البينية: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. وكذلك قوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، يعني:
العهد الذي بين المسلمين والكفار هو الصلاة، فمن صلى فهو مؤمن، ومن لم يصل فهو كافر، والبينية تقتضي الانفصال التام. فالحاصل:
أن نواقض الإسلام تنقسم إلى قسمين:
نواقض كبرى، وهي التي يخرج بها
الإنسان من الإسلام، والنواقض الصغرى، وهي التي لا تخرجه من الإسلام، ولكنها تكون خصلة من خصال الكفر.
***
279- يقول السائل: أرجو
من فضيلتكم أن تذكروا لي بعض الأمور التي تخرج من الملة، سواء كانت هذه أقوالاً أو
أعمالاً أو اعتقاداً،
بحيث أعبد الله على بصيرة.
كما أرجو من فضيلتكم أن تذكروا لي بعض
الكتب المتخصصة بأمور التوحيد؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: لا يمكن أن نحصر الأشياء التي تخرج من الملة؛ لأنها
كثيرة الأفراد، لكن يمكن أن نذكر
قاعدة، وهي:
أن الذي يخرج من الملة هو يدور على أمرين: إما الإنكار،
وإما الاستكبار. يعني: إما أن ينكر الإنسان شيئاً أخبر الله به ورسوله فيكذبه، أو ينكر حكماً من أحكام الشريعة الظاهرة التي
أجمع المسلمون عليها. أو الاستكبار، وهو:
أن يقر بذلك لكن لا يعبد الله.
فتارك الصلاة مثلاً كافر مع أنه يؤمن بالله ويؤمن بالشريعة ولا يكذب بها، ولكنه
استكبر فلم يصل، ولا يلزم أن يكون
تارك الصلاة يقول: إنه مستكبر، ليس بلازم،
بل إذا تركها متهاوناً بلا عذر,ولا جهل منه
إذا كان بعيداً عن المدن الإسلامية فإنه في الحقيقة مستكبر. فجميع أنواع الردة تعود إلى هذا: إلى الإنكار أو الاستكبار، لكن التفاصيل كثيرة جداً، ويمكن أن ترجع إلى ما ذكره الفقهاء رحمهم الله
في باب أحكام المرتد. أما أحسن كتاب في
التوحيد: فمن أحسن الكتب كتاب التوحيد لشيخ الإسلام
محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، كتاب جامع بين الدلائل والمسائل. ومن أحسن الكتب في العقيدة: العقيدة
الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية،
ثم إذا ترقى الإنسان شيئاً
فالعقيدة التدمرية، ثم إذا ترقى الإنسان
أكثر فالكتب المطولة، مثل مختصر الصواعق المرسلة
الذي أصله لابن القيم رحمه الله وغير ذلك. والمرجع الأصل والأول هو كتاب الله عز وجل، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم.
***
280-
يقول السائل: ما
هي نواقض الإسلام؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: أما بالنسبة لسؤاله عن نواقض الإسلام فنواقض الإسلام بمعناها الإجمالي: كل ما أوجب الردة فهو ناقضٌ للإسلام، يعني: كل شيء من قولٍ أو فعل أو عقيدة يكون به الإنسان مرتداً
فهو ناقضٌ للإسلام، وهو لا يحصر في
الواقع، يعني: أفراده لا تحصر لا بعشرة ولا بعشرين ولا بأكثر، لكن الضابط: أن كل ما كان مقتضياً للردة فهو من نواقض الإسلام. فمثلاً: كفر الجحود أن يجحد ما يجب الإيمان به، مثل أن يجحد- والعياذ بالله-
وجود الله، أو الملائكة، أو الرسل، أو الكتب،
أو اليوم الآخر، أو القدر خيره وشره، فقد أتى ناقضاً من نواقض الإسلام. لو جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة،
أو وجوب الصيام، أو وجوب الحج، أو أنكر تحريم الزنى، أو تحريم الخمر،
أو ما أشبه ذلك من المحرمات الظاهرة المجمع عليها، فهذا ناقضٌ من نواقض الإسلام. كذلك من نواقض الإسلام الاستهزاء: لو استهزأ بالله أو آياته أو رسوله فهذا ناقضٌ من نواقض
الإسلام، قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا
نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ
تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). كذلك لو استكبر عما يكون الاستكبار عنه ردة، كما لو ترك الصلاة وصار لا يصلى لا في بيته ولا
مع الجماعة فهذا ناقضٌ من نواقض الإسلام،
كذلك لو اعتقد في الله ما لا يليق بالله فهو مرتد. والحاصل:
أن نواقض الإسلام لا تحصر بعدد،
وإنما تذكر بحد، وهو: كل ما أوجب الردة- أي:
كل ما كان ردة- فهو ناقضٌ من نواقض
الإسلام، سواءٌ كان ذلك في العقيدة أو في القول أو
الفعل.
***
281- عبدالرؤوف عبد الله من المدينة المنورة
يقول:
ما هي الأشياء التي تحبط العمل؟
وهل تحبط جميع الأعمال منذ التكليف؟ نرجو بهذا إفادة جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله
تعالى: محبطات الأعمال تنقسم إلى قسمين:
قسمٌ عام، وقسمٌ خاص يبطل كل
عملٍ بعينه. فأما القسم العام المبطل لجميع الأعمال فهو الردة، فإذا ارتد الإنسان- والعياذ بالله-
عن دين الله ومات على الكفر يحبط جميع عمله؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ). أما إذا ارتد ثم منَّ
الله عليه فرجع إلى الإسلام فإن عمله لا يحبط، ولهذا يسأل كثيرٌ من الناس يقول عن نفسه: إنه حج الفريضة، وهو يصلى كما يصلى الناس، وقائمٌ بشعائر الإسلام، ثم أتاه وقت ارتد فيه عن الإسلام فترك الصلاة، ثم منَّ الله عليه برجوعه إلى الإسلام فأقام
الصلاة وقام بشعائر الإسلام،
فيسأل: هل بطل حجه الذي كان قبل ردته فوجب عليه أن
يعيده أم لا؟ فنقول: لا،
لم يبطل حجك، وليس عليك إعادته؛ لأن الله تعالى اشترط لحبوط العمل بالردة أن
يموت الإنسان على الردة،
هذا المبطل العام الذي يبطل جميع العبادات. أما المبطلات الخاصة فهي تختص في كل عملٍ بحسبه: فالوضوء مثلاً يبطله الحدث، والصلاة يبطلها ما تبطل به كالضحك والكلام
وشبهه، والصدقة يبطلها المن والأذى، والصوم يبطله الأكل والشرب، والحج يفسده الجماع قبل التحلل الأول. فالمهم: أن محبط الأعمال الخاص كثيرٌ لا حصر له، ويختلف باختلاف العبادات التي أبطلها.
***
282- هل ينطبق على هذا المرتد بعد توبته قول الله
تعالى:
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، (فَإِنْ
تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ
وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، وقوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ
سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ
هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) إلى آخر الآيات التي تتحدث عن التوبة؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: نعم, نعم ينطبق عليه ذلك،
فإذا تاب ورجع إلى الله عز وجل فإنه يكون مؤمناً ومع المؤمنين؛ لقوله
تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
***
283- هل الكافر تنطبق عليه نفس أحكام التشريع
الإسلامي من حيث المعاملات؟
وأقصد المرتد بترك الصلاة وسب الدين، أم أنه يعاد أولاً إلى الطريق المستقيم حتى
يخضع كيانه لتشريعه السامي؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: المرتد ليس كالكافر الأصلى،
ولا يعامل معاملة الكافر الأصلى،
بل هو أشد منه؛ لقول النبي عليه
الصلاة والسلام: (من بدل دينه
فاقتلوه). فالمرتد بأي نوع من
أنواع الردة لا يعامل كما يعامل الكافر الأصلى، بل إنه يلزم بالرجوع إلى الإسلام، فإن أسلم فذاك،
وإن لم يسلم فإنه يقتل كفراً،
ولا يدفن مع المسلمين ولا يصلى عليه.
وعلى هذا فنقول: إن هذا المرتد لا
يمكن أن يعيش، بل إنه إما أن يعيش
مسلماً، وإما أن يقتل.
***
284-
ماذا تعني
كلمة الإلحاد؟
وهل هناك فرق بين الملحد والكافر الذي كان مسلماً أو هو كافر بأصله كاليهودي
والنصراني؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: كلمة الإلحاد لها معنى لغوي ولها معنى عرفي، أما معناها اللغوي فهو الميل عن طاعة الله سبحانه وتعالى
بمعصيته، إما بترك الواجب وإما بفعل محرم؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). وعلى هذا فكل عاصٍ لله سبحانه وتعالى يكون ملحداً، ولكن الإلحاد ينقسم إلى قسمين: قسم مخرج عن الملة، وهو:
ما أوجب الكفر، وقسم لا يخرج من
الملة، وهو:
ما أوجب الفسوق. وأما المعنى العرفي، فالمعنى العرفي أن الإلحاد هو: إنكار الألوهية، يعني:
إنكار وجود الله- والعياذ بالله- أو ارتداد المسلم. هذا هو الذي أعرفه من معنى الإلحاد في العرف، وعلى هذا فاليهود والنصارى في العرف لا
يعتبرون ملحدين، ولكن هذا العرف ليس
بصحيح؛ لأن العرف إذا خالف الشرع وجب إلغاؤه وطرحه. والصواب: أن كل من خالف الإسلام ولم يكن مسلماً فهو ملحد، سواء انتسب إلى دين أم لم ينتسب، وسواء أقر بوجود الخالق أم لم يقر به، فكل من كان كافراً كفراً أصلىاً أو كان مرتداً
فإنه يكون ملحداً؛ لأنه- والعياذ بالله- الكفر وإن كان دركات بعضها أسفل من بعض، لكنه كله ملة واحدة باعتبار أنه خروج عن
الإسلام.
***
285-
ما معنى
الإلحاد؟
وكيف يكون الشخص ملحداً في أسماء الله وصفاته؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الإلحاد في اللغة هو الميل،
ومنه سمي الحفر في طرف القبر لحداً
لأنه مائل إلى جهة منه.
أما في الاصطلاح فهو: الميل عن ما يجب
اعتقاده أو عمله. وهذا تعريف عام: كل من مال عن ما يجب اعتقاده وعمله فهو ملحد، لكن الإلحاد نوعان: إلحاد أكبر وإلحاد أصغر. فالإلحاد التام الذي هو الميل عن الإسلام كله إلحاد أكبر
مخرج عن الملة، كإلحاد الشيوعيين
والمشركين ومن ضاهاهم، وإلحاد أصغر لا يخرج
من الملة، كالإلحاد في بعض
الأعمال، كقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ) أي بمعصية صغرى،
والكبرى أشد وأعظم. أما الإلحاد في أسماء
الله وصفاته فإنه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن ينكرها إنكاراً
كليّاً؟،
فينكر الأسماء والصفات،
ويدعي أن هذه الأسماء والصفات للمخلوقات وليست للخالق، كما يفعله غلاة المعطلة من القرامطة والباطنية ونحوهم. الثاني: إلحاد في الأسماء فقط، بأن يثبتها لله عز وجل لكن ينفي ما دلت عليه من الصفات، مثل أن يقول: إن
الله سميع ولا سمع له، بصير ولا بصر له، عليم ولا علم له، وما أشبه ذلك فهذا أثبت الأسماء ولكن لم يثبت ما دلت عليه
من الصفات. ومن الإلحاد في
الأسماء أن يثبت الأسماء لكن يجعلها دالة على التمثيل، فيقول: إن لله تعالى أسماء يثبت ما دلت عليه من الصفات
على وجه المماثلة، ويقول: إن لله تعالى علماً لكن علمه مماثل لعلم المخلوق. وكذلك من يمثل في الصفات وهو ملحد فيها، كالذي يقول: إن لله تعالى وجهاً لكنه مماثل لأوجه المخلوقين وما أشبه ذلك، فالتمثيل في الأسماء والصفات هذا من الإلحاد. ومن الإلحاد أيضاً أن نسمي الله بما لم يسمِّ به نفسه، فيسميه الصانع والساخر وما أشبه ذلك، فيثبت لله تعالى أسماء من عنده فإن هذا إلحاد، وذلك لأن الواجب في أسماء الله أن يقتصر فيها
على ما ورد. ومن الإلحاد أن يثبت لله تعالى بعض الصفات دون بعض، بأن يثبت لله تعالى من الصفات ما يزعم أن
العقل دل عليها، وينفي من الصفات ما يزعم
أن العقل لا يدل عليها،
فإنّ هذا من الإلحاد والتعطيل، والإيمان ببعض الكتاب دون بعض. من الناس من يؤمن بأن الله تعالى حي عليم قادر
سميع بصير مريد متكلم لكنه لا يثبت بقية الصفات، فلا يثبت أنه حكيم، ولا يثبت أنه رحيم، ويقول: إن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بدون
حكمة، ويقول أيضاً: إن
الله تعالى ليس له رحمة،
لكن رحمته هي إحسانه إلى الخلق أو إرادة إحسانه إليهم، وما أشبه ذلك،
هذا نوع من الإلحاد في أسماء الله وصفاته. ومن الإلحاد في أسماء الله أن يسمي بها الأصنام ويشتق
للأصنام أسماء من أسماء الله،
كقولهم: اللات والعزى، أخذوا الأول من الله وهو اسم من أسماء الله جل وعلا، وأخذوا الثاني من العزيز وهو اسم من أسماء
الله تعالى.
***
286-
إبراهيم أبو حامد
يقول:
ما حكم من كذب بالبعث بعد الموت؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: كافر, إذا كذب إنسان بالبعث بعد الموت فإنه كافر خارج عن الإسلام؛ لقول الله تبارك وتعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ
يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا
عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، ولأن المكذب بالبعث مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، ورجل هذا شأنه لا شك في كفره، فإذا رأينا أحداً يكذب بالبعث فالواجب علينا نصيحته بقدر الإمكان، إن من قال هذا فلا شك في كفره وارتداده، وينصح، فإن لم يتب وجب رفعه إلى الجهات المسؤولة، والجهات المسؤولة تنفذ فيه أحكام الردة، حتى لو سولت له نفسه أنه يتدين بدين مقبول
فإنه خاسر. هذا كلام ربنا الخالق
المنزل للشرائع؛ لأن الله تعالى أخذ
العهد والميثاق على النبيين عموماً أن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، كما قال عز وجل: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا
آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ
عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) يعني عهدي (قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)،
فاستشهد بعضهم على بعض وشهد جلَّ
وعلا بأنه إذا جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، ومن الرسول المصدق لما معهم؟ هو محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا كان هذا مأخوذاً على رسلهم فإنهم إن كانوا
مؤمنين برسلهم حقاً أخذوا به تبعاً لرسلهم، وها هو عيسى عليه الصلاة والسلام آخر أنبياء بني إسرائيل
وليس بينه وبين محمد رسول قال لبني إسرائيل: (إِنِّي
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)
هذا الرسول السابق (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) الرسول اللاحق (اسْمُهُ
أَحْمَدُ) والتبشير بالرسول يعني يجب اتباعه لأنه لو لم يجب اتباعه؛ لم يكن في بشارته به فائدة (وَمُبَشِّراً
بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ) أي هذا
الرسول المبشر به لما جاءهم (بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ). ولقد شهد علماء اليهود والنصارى على أن محمداً
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي بشرت به الأنبياء وهو (الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ
عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا
النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
النجاشي لما ذكروا له قصة الوحي ورآهم يفعلون تلك الأفعال آمن وشهد بأن الرسول حق، وهو من أئمة النصارى. عبد الله بن سلام رضي الله عنه من أحبار اليهود شهد للنبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه رسول الله حقاً، لكن أهل الكتاب كما قال الله عنهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ
يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ
أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ). فالخلاصة:
أنني أنصح وأحذر إخواني المسلمين من هذا الرأي القبيح المنكر وهو ما يسمى بتوحيد
الأديان، فإن هذا أمر لا يمكن إطلاقاً، كيف توحد الأديان ودين منها حق ودين منسوخ؟ هذا غير ممكن إلا أن يمكن الجمع بين النار
والماء، فلا ينخدع المسلمون بهذه الدعوى الباطلة
المنكرة القبيحة المنافية للإسلام.
***
287- المستمع هادي ناصر يقول في هذا السؤال: فضيلة الشيخ أنكر ذوو
العقول الضعيفة قضية البعث فما ردكم عليهم؟ وهل يجوز أن نهجرهم بعد أن بينا لهم
الحكم والأدلة؟
نرجو التوضيح مأجورين.
إنكار البعث كفر مخرجٌ عن الملة؛ لأنه تكذيبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين، قال الله تبارك وتعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ
يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا
عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ
يَجْمَعُكُمْ) يعني تبعثون (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ
التَّغَابُنِ). فمن أنكر البعث فهو
كافر خارجٌ عن الدين الإسلامي بإجماع المسلمين، فيستتاب فإن تاب وأقر بالبعث إقراراً صادقاً يقر به ظاهراً
وباطناً- يعني: ظاهراً مع الناس وباطناً فيما بينه وبين نفسه ومع أهله- فهو من نعمة الله عليه، ويكون رجوعاً للإسلام بعد الكفر، وإن أبى وأصر على إنكاره وجب قتله، وإذا قتل في هذه الحال فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا
يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين ولا يدعى له بالرحمة، فهذا حكم من أنكر البعث. ثم
إن إنكار البعث- مع كونه كفراً وتكذيباً
لله ورسوله وإجماع المسلمين-
هو نقصٌ في العقل، إذ كيف يخلق الله هذه
الخليقة، ويرسل إليها الرسل، وينزل من أجلها الكتب، ويأمر بجهاد من عارض شرعه، ثم تكون النتيجة أن تكون هذه الخليقة تراباً لا يبعثون ولا
يحاسبون ولا يجازون؟ لو وقع هذا لكان من
أسفه السفه، فكيف ينسب إلى رب
العالمين الذي هو أحكم الحاكمين؟
فالكتاب والسنة وإجماع المسلمين والعقل السليم كلها توجب أن يكون للناس بعثٌ
يجازون فيه على أعمالهم،
ولهذا نقول: من أنكر البعث فهو
كافر، وهو ضالٌ في دينه سفيهٌ في عقله، والواجب على ولي الأمر أن يقتله إذا لم يتب
ويقر بالبعث.
***
288- محمد أحمد من البحرين يقول: فضيلة الشيخ أسأل عن رجلٍ
إذا ذكرته في أمور الآخرة مثل البعث والجنة والنار يكذب بها ويقول: نحن إذا متنا نصير تراباً
ولا نبعث.
وأنا لا أدري هل يقول هذا الكلام اعتقاداً منه أو مازحا،ً علماً بأنه يصلى.
فأجاب رحمه الله
تعالى: نعم إذا قال هذا فإنه كافر،
قال الله تبارك وتعالى: (زَعَمَ
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ
لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن من تكلم بكلمة الكفر فهو كافر، سواءٌ كان جاداً أم مازحاً. فعلى هذا الرجل أن يتوب إلى الله، وأن يؤمن بالبعث، وأن يسأل الله تعالى الثبات على ذلك، وأن يسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد إذ
هداه، فإن القلوب بيد الله بين أصبعين من أصابع
الرحمن يقلبها كيف يشاء.
نسأل الله للجميع الثبات على الحق والوفاة عليه، إنه على كل شيءٍ قدير.
***
289-
بماذا نحكم على من أنكر المعراج أو أوّل في
تفسيره له؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: نحكم على من أنكر المعراج:
بأنه إن كان قد تبين له الحق وعلم ما جاء به من النصوص من السنة الصريحة ومن ظاهر
القرآن الكريم فإنه يكون بذلك كافراً؛
لأنه يكون مكذباً لله ورسوله.
وإن كان لديه شبهات في هذا الأمر فإنه يجب أن ترفع عنه الشبهة حتى يتبين له الحق، ثم إذا أصر بعد زوال الشبهة حكم بكفره أيضاً؛ لأن المعراج حق ثابت أشار الله تعالى إليه في
قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ
صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ
الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) إلى أن قال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى). وأما الإسراء فهو أيضاً ثابت بنص القرآن في
قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي
أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى). وقد تضافرت الأحاديث الكثيرة في قصة المعراج وأنه حق ثابت، ولهذا أدخله كثير من أهل العلم في كتب العقائد
وجعله من عقيدة أهل السنة والجماعة.
ولكن بهذه المناسبة أود أن أبين أن المعراج دخل فيه أشياء كذب وموضوعة على الرسول
عليه الصلاة والسلام، مثل الكتاب الذي ينسب
إلى ابن عباس رضي الله عنهما في روايته،
وهو كتاب متداول عند بعض الناس،
فيه أشياء منكرة موضوعة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى الإنسان أن يكون محترزاً منه مبتعداً
عنه.
***
290-
يقول السائل: الذي لا يصلى ولا يزكي هل
يعتبر كافراً؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: إن كان مراد السائل الذي لا يصلى ولا يزكي أي إنه جمع بين ترك الصلاة وترك الزكاة فنعم فهو كافر، فإن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة
رضي الله عنهم قد دلت على أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة. وإن كان مراده لا يصلى ولا يزكي أي إنه يترك الصلاة مع كونه يزكي، أو يترك الزكاة مع كونه يصلى فهذا فيه تفصيل: فإن كان مراده أنه يترك الصلاة ويزكي فنقول له: إنه إذا ترك الصلاة وزكى فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة ولا ينفعه إيتاء الزكاة؛ لأنه كافر،
قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ
أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ
وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ
إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ). وإن كان قصده أنه ترك الزكاة مع الصلاة، أي إنه
يصلى ولكنه لا يزكي فالصحيح أنه لا يخرج من الإسلام، لكنه قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب، قال الله تبارك وتعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). وقال
الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ
جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا
كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا
كُنتُمْ تَكْنِزُونَ). وقال عليه الصلاة والسلام: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعاً أقرع - أي حية عظيمة قرعاء - ليس على رأسها
زغب لكثرة سمها قد تمزق شعرها يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه – فيقول: أنا مالك أنا كنزك). وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا
يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار وأحمي عليها في نار
جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقدراه خمسين ألف
سنة حتى يقضى بين العباد،
ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). وهذا أيضاً
وعيد شديد عظيم، لكنه لا يكفر؛ لقوله في هذا الحديث: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، وذلك لأنه لو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى
الجنة، ولأن عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من
التابعين المعروفين (قال:
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة). والخلاصة في الجواب على سؤال الرجل: أن من لا يصلى ولا يزكي كافر مرتد عن الإسلام؛ لأنه لا يصلى، وعدم زكاته يكون ظلماً على ظلم،
وإن كان لا يزكي ولكنه يصلى فقد أتى كبيرة عظيمة لكنه ليس بكافر.
***
291- يقول السائل: إننا
نرى إذا أقبل شهر رمضان المبارك نرى البعض من الناس يهرعون إلى الصلاة حتى يصوموا شهر
رمضان ،وإذا
انقضى رمضان نراهم يتركون الصلاة ولا يصلون إلا في شهر رمضان، ويعللون ذلك ويقولون: نحن نصلى في هذا الشهر حتى
يقبل صومنا.
هل يقبل منهم مثل هذا الصيام؟
وهل تقبل الصلاة في هذا الشهر،
مع العلم بأنهم لا يقضون ما فاتهم من صلاة؟ أفيدونا أفادكم الله.
فأجاب رحمه الله
تعالى: أما إذا كانوا يفعلون ذلك معتقدين أنه لا صلاة واجبة إلا في رمضان فهؤلاء
كفار كفر اعتقاد كفراً مخرجاً عن الملة؛ لأن من أنكر وجوب شيء من الصلوات الخمس وهو في
بلاد المسلمين فإنه يكون كافراً؛
لأن الأمة كلها مجمعة على وجوب الصلوات الخمس، فلا عذر لأحد في تركها لتأويل أو غير تأويل. وأما إذا كان فعلهم هذا ليس عن اعتقاد، أي: إنهم يعتقدون وجوب الصلوات الخمس، لكنهم يتهاونون بها، ولا يفعلون ذلك إلا في رمضان، فأنا أتوقف في كفر هؤلاء.
***
292- من العراق محافظة بابل أ. ف. ي. د. تقول: يزورنا
في البيت من الأقارب من لا يصلون ولا يؤدون الواجبات ويشركون بالله- والعياذ بالله- ومنهم من يقول لي: ندعو الأولياء والصالحين. عجزت من نصحهم هل يجوز
مجالستهم؟
وعندما أتحدث عن الدين يضحكون مني ويسخرون ويهزؤون ويقولون لي: هذه عابدة اتركوها، وعندما يقولون هذا أتضايق
كثيراً وأقول:
يسامحهم الله.
وعندما أقول لوالدتي:
يا أماه لا تشركي بالله لا تعيرني
أي اهتمام،
و إذا استمعت إلى برنامجكم نور على الدرب تقول: بأنك لن تدخلي الجنة على عملك هذا، وإذا استمررت على سماع هذا البرنامج أو
غيره من البرامج الدينية فسوف تصابين بالجنون. وأقول لها: إنني لست مجنونة ولكن الله
هداني.
ماذا أفعل لكي أرضي الله سبحانه وتعالى ثم أرضي أمي والناس؟ نصيحتكم يا شيخ؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: نصيحتنا أولاً نوجهها إلى هؤلاء الجماعة الذين وصفتهم بأنهم لا يصلون
وبأنهم يشركون بالله ويسخرون من الدين ومن يتمسك به، فإن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وأن يعلموا أن دين الله حق، وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، وأن
أركانه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فعليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل من هذا الكفر والشرك
البالغ غايته، وعليك أيضاً أن تحرصي
على مناصحتهم ما أمكن، ولا تيأسي من صلاحهم، فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب، فربما مع كثرة البيان والنصح والإرشاد يهديهم
الله عز وجل. وإذا تعذر إصلاحهم
فإن الواجب هجرهم والبعد عنهم وعدم الجلوس إليهم؛ لأنهم حينئذ مرتدون عن دين الإسلام والعياذ بالله. وأما قول بعضهم لك: إنك إذا استمعت إلى برنامج نور على الدرب أو غيره من
الكلمات النافعة تصابين بالجنون،
فإن هذا خطأ منهم خطأ عظيم،
وهو كقول المكذبين للرسل:
إنهم- أي الرسل- مجانين وكهان وشعراء وما أشبه ذلك من الكلمات المشوهة التي
يقصد بها التنفير عن الحق وأهل الحق،
فاستمري أنت على هداية الله عز وجل،
وعلى الاستماع لكل ما ينفع،
وعلى القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى،
واعلمي أن العاقبة للمتقين.
***
293- يقول السائل: هل
يعتبر التحاكم إلى غير شرع الله كفراً مع العلم بأنه يعتقد اعتقاداً منافياً
للشك بأن أحكام الشريعة الإسلامية هي أفضل من الأحكام الوضعية؟ نرجو بهذا التوجيه مأجورين.
فأجاب رحمه الله
تعالى: الجواب على هذا السؤال يتبين بالآتي: أولاً:
أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، خلق الجن والإنس ليعبدوه، كما قال تعالى: (وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ). وعبادة
الله سبحانه وتعالى هي التذلل له حباً وتعظيماً بإقامة شرائعه القلبية واللفظية
والعملية. ثانياً: يقول الله عز وجل: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ
فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ).
فلا حاكم بين العباد إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يحل لأحد أن يفصل هذه القضية عما وجهنا الله فيه نحوها: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله لا إلى غيره. ثالثاً: يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). فتأمل هذه الآية الكريمة تجد أن طاعة ولاة
الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله
وليست مستقلة، ولهذا قال: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل:
أطيعوا أولي، الأمر وهذا يدل دلالة
ظاهرة على أن طاعة ولاة الأمور تابعة
لطاعة الله ولا يمكن أن تكون
مستقلة، كما أن الله تعالى يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ). لم يقل: ردوه إلى القانون الفلاني أو القانون الفلاني
أو الرأي الفلاني أو النظرية الفلانية أو ما أشبه ذلك، بل لا مرد إلا إلى الله ورسوله، إلى الله إلى كتابه وإلى رسوله إلى سنته صلى الله عليه
وسلم، فإن كان حياً فإليه نفسه، وإن كان ميتاً فإلى ما حفظ من سنته صلى الله
عليه وسلم. رابعاً: قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً
مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). فأقسم الله سبحانه وتعالى بربوبيته لرسوله محمد صلى الله
عليه وسلم، وهي ربوبيةٌ خاصة لا
تساويها أي ربوبية بالنسبة للعباد؛
لأنه كلما كان الإنسان أعبد لله كانت ربوبيه الله له أخص،
ومن المعلوم أن نبينا محمداً
صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله،
وعلى هذا فإن الله أقسم بهذه الربوبية الخاصة المضافة إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه لا يؤمن أحد إلا بهذه الشروط:
الشرط الأول: (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) لا يحكموا غيرك. الشرط الثاني: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ)
بل تتسع صدورهم لذلك وتنشرح صدورهم به،
فلا يجدوا حرجاً وضيقاً مما قضيت. والثالث: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ينقادوا انقياداً تاماً، وبهذا أكد الفعل بالمصدر بقوله: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) إذا عرفت هذه
الأمور الأربعة تبين لك أن خروج الإنسان عن التحاكم إلى الله ورسوله خلاف ما خلق
الله العباد من أجله، وخلاف ما أرشد الله
أن يكون التحاكم إليه، وخلاف ما جعل الله
تعالى لولاة الأمور من الطاعة،
وخلاف تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام.
ولهذا قال الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).
***
294- يقول السائل: أسأل
عن الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) على من تنطبق هذه الآية الكريمة مأجورين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: هذه الآية قيل: إنها نزلت في اليهود، واستدل هؤلاء بأنها كانت في سياق توبيخ اليهود، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ
وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا
تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). وقيل: إنها عامة لليهود وغيرهم، وهو الصحيح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولكن ما نوع هذا الكفر؟ قال بعضهم: إنه كفر دون كفر.
ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما،
وهو كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
(سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)،
وهذا كفر دون كفر، بدليل قول الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى
الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. ِإنمَّاَ المؤمنونَ ِإخوةٌ).
فجعل الله تعالى الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة الثالثة المصلحة، وهذا قتال مؤمن لمؤمن، فهو كفر،
لكنه كفر دون كفر. وقيل: إن هذا- يعني قوله تعالى: (وَمَنْ
لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)- ينطبق
على رجل حكم بغير ما أنزل الله بدون تأويل مع علمه بحكم الله عز وجل، لكنه حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أنه مثل ما أنزل الله أو خير منه، وهذا كفر؛ لأنه استبدل بدين
الله غيره.
***
295-
يقول السائل: ما حكم سب الدين الإسلامي؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: سب الدين الإسلامي كفر؛
لأن سب الدين الإسلامي سب للرسول عليه الصلاة والسلام ولله سبحانه وتعالى، إذ إن
الدين الإسلامي هو الدين الذي بعث الله به رسوله، وهو الذي رضيه لعباده ديناً، فإذا سبه المرء فقد سب الله سبحانه وتعالى وطعن في حكمته
واختياره، وكذلك سبّ الرسول صلى
الله عليه وسلم؛ لأنه صاحب الرسالة
وصاحب هذا الدين، فهو كفر والعياذ
بالله.
***
296- حسن سعيد سوداني ومقيم بالعراق يقول في
رسالته:
ما حكم الشرع في نظركم في رجل سب الدين بحالة غضب؟ هل عليه كفارة؟ وما شرط التوبة من هذا
العمل؟
حيث إنني
سمعت من أهل العلم يقولون بأنك خرجت عن الإسلام بقولك هذا، وأيضاً يقولون بأن زوجتك
حرمت عليك.
أفيدونا بهذا الموضوع.
فأجاب رحمه الله
تعالى: الجواب: الحكم فيمن سب الدين,
الدين الإسلامي أنه يكفر،
فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام، وكفر بالله عز وجل وبدينه، وقد حكى الله تعالى عن قوم استهزؤوا بدين الإسلام حكى الله
عنهم أنهم كانوا يقولون:
إنما كنا نخوض ونلعب، فبين الله عز وجل أن
خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به، فقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا
نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ
تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)
فالاستهزاء بدين الله أو سب دين الله أو سب الله ورسوله أو الاستهزاء بهما كفر
مخرج عن الملة، ومع ذلك فإن هناك
مجالاً للتوبة منه؛ لقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). فإذا تاب الإنسان من أي ردة كانت توبة نصوحاً استوفت شروط
التوبة الخمسة فإن الله تعالى يقبل توبته. وشروط التوبة الخمسة هي: الإخلاص لله بتوبته، بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة أو خوفاً
من المخلوق، أو رجاء لأمر يناله
من الدنيا، فإذا أخلص توبته لله
وصار الحامل له عليها تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه ورجاء ثوابه فقد أخلص لله
تعالى فيها. والشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب، بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى، ويراه أمراً كبيراً يوجب عليه أن يتخلص منه. والأمر الثالث أو الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه، فإن كان ذنبه ترك واجب قام بفعله وتداركه إن
أمكن، وإن كان ذنبه بفعل محرم أقلع عنه وابتعد عنه، ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بمخلوقين فإنه
يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود
في المستقبل، بأن يكون في قلبه عزم
مؤكد أن لا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها. والشرط الخامس:
أن تكون التوبة في وقت القبول،
فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل.
وفوات وقت القبول عام وخاص:
أما العام فإنه طلوع الشمس من مغربها،
فالتوبة بعده أي بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل؛ لقول الله تعالى:
(يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ
تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً). وأما الخاص فهو حضور الأجل، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ
الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ). أقول:
إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب ولو كان ذلك سب الدين فإن توبته تقبل إذا استوفت
الشروط التي ذكرناها، ولكن ليعلم أن الكلمة
قد تكون كفراً وردة ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها لوجود مانع يمنع من الحكم
بكفره، فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في
حال غضب نقول له: إن كان غضبك شديداً
بحيث لا تدري ما تقول ولا تدري حينئذ أنت في سماء أم في أرض، وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه، فإن هذا الكلام لا حكم له، ولا يحكم عليك بالردة؛ لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد، وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله سبحانه وتعالى لا
يؤاخذ به، يقول الله تعــالى في
الأيمان: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي
أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ). ويقول تعالى في آية أخرى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي
أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ). فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد
لا يدري ما يقول ولا يعلم ماذا خرج منه،
فإنه لا حكم لكلامه، ولا يحكم بردته حينئذ، وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ
نكاحها منه، بل هي باقية في عصمته، ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص
على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال: يا رسول الله أوصني. فقال:
(لا تغضب) فردد مراراً قال:
(لا تغضب). فْليُحكِم الضبط على
نفسه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطجع، وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ، فإن هذه الأمور تذهب عنه غضبه، وما أكثر الذين ندموا ندماً عظيماً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم ولكن بعد فوات
الأوان.
***
297- يقول: إذا صدر من المسلم سبٌ
للدين ليس عامداً بل سبق لسان ومن قبيل ما يسمى باللغو فهل يؤاخذ على ذلك أم يدخل
تحت قوله تعالى:
(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)؟ وإن لم يكن داخلاً فما معنى هذه الآية
إذاً؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: من سب دين الإسلام فهو كافر،
سواءٌ كان جاداً أو مازحاً، حتى
وإن كان يزعم أنه مؤمن فليس بمؤمن،
وكيف يكون مؤمناً بالله عز وجل وبكتابه وبدينه وبرسوله وهو يسب الدين؟ كيف يكون مؤمناً وهو يسب ديناً قال الله فيه: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)؟ وقال الله تعالى فيه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ
يُقْبَلَ مِنْهُ)؟ وقال الله فيه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)؟ كيف يكون مؤمناً من سب هذا الدين ولو كان
مازحاً؟ إذا كان قد قصد الكلام فإن من سب دين الإسلام
جاداً أو مازحاً فإنه كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملة، عليه أن يتوب إلى الله عز وجل. وسب الدين مازحاً أشد من سبه جاداً وأعظم، ذلك لأن من سب شيئاً جاداً وكان هذا السب
واقعاً على هذا الشيء فإنه قد لا يكون عند الناس مثل الذي سبه مازحاً مستهزئاً وإن
كان فيه هذا الشيء، والدين الإسلامي
والحمد لله دينٌ كامل كما قال الله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ). وهو أعظم منةٍ منَّ الله بها على عباده كما
قال: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي). فإذا سبه أحد ولو مازحاً فإنه يكفر، فعليه أن يتوب إلى الله ويقلع عما صنع، وأن يعظم دين الله عز وجل في قلبه حتى يدين
الله به وينقاد لله بالعمل بما جاء في هذا الدين. أما شيءٌ
سبق على لسانه بأن كان يريد أن يمدح الدين فقال كلمة سبٍ بدون قصد بل سبقاً على
اللسان فهذا لا يكفر؛ لأنه ما قصد السب، بخلاف الذي يقصده وهو يمزح فإن هنا قصداً وقع
في قلبه فصار له حكم الجاد،
أما هذا الذي ما قصد ولكن سبق على اللسان فإن هذا لا يضر، ولهذا ثبت في الصحيح في قصة (الرجل الذي كان في فلاةٍ
فأضاع راحلته وعليها طعامه وشرابه فلم يجدها، ثم نام تحت شجرةٍ ينتظر الموت فإذا بناقته على رأسه، فأخذ بزمامها وقال: اللهم
أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح)
فلم يؤاخذ؛ لأن هذا القول الذي
صدر منه غير مقصودٍ له،
بل سبق على لسانه فأخطأ من شدة الفرح،
فمثل هذا لا يضر الإنسان،
لا يضر الإنسان لأنه ما قصده،
فيجب أن نعرف الفرق بين قصد الكلام وعدم قصد الكلام، ليس بين قصد السب وعدم قصده؛ لأن هنا ثلاث مراتب: المرتبة الأولى:
أن يقصد الكلام والسب، وهذا فعل الجاد، كما يصنع أعداء الإسلام بسب الإسلام. الثاني: أن يقصد الكلام دون السب، بمعنى يقصد ما يدل على السب لكنه مازحٌ غير جاد، فهذا حكمه كالأول: يكون كافراً؛
لأنه استهزاء وسخرية. المرتبة الثالثة: أن لا يقصد الكلام ولا السب، وإنما يسبق لسانه فيتكلم بما يدل على السب دون
قصدٍ إطلاقاً، لا قصد الكلام ولا
قصد السب، فهذا هو الذي لا
يؤاخذ به، وعليه يتنزل قوله
تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) فإنه هو قول الرجل
في عرض حديثه: لا والله وبلى والله، يعني ما قصد، فهذا لا يعتبر له حكم اليمين المنعقدة، فكل شيء يجري على لسان الإنسان بدون قصد فإنه لا يعتبر له حكم. وقد يقال: إن الإنسان قد قال في حديثه: لا والله وبلى والله إنه قصد اللفظ لكن ما قصد عقد اليمين، فإذا كان هذا فإنه يفرق بين حكم اليمين وبين
الكفر، فالكفر ولو كان غير قاصدٍ للسب يكفر ما دام
قصد الكلام واللفظ.
***
298- ما حكم من يسب الدين أي يشتم الإنسان بلعن دينه؟ وماذا عليه إن كان متزوجاً؟ وإذا سألته عن ذلك يقول: هذا لغو ولم أقصد سب الدين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: نعم سب الدين كفر ولعن الدين كفرٌ أيضاً؛ لأن سب الشيء ولعنه يدل على بغضه وكراهته، وقد قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ).
وإحباط الأعمال لا يكون إلا بالردة؛
لقوله تعالى ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ
فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فالمهم أن هذا الذي يسب الدين لا شك في كفره، وكونه يدعي أنه مستهزئ وأنه لاعب وأنه ما قصد
هذا لا ينفي كفره، كما قال الله تعالى
عن المنافقين: (وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ
كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
ثم نقول له: إذا كنت صادقاً في
أنك تمزح أو أنت هازل لست بجاد فارجع الآن وتب إلى الله، فإذا تبت قبلنا توبتك، تب إلى الله وقل: أستغفر الله مما جرى، وارجع إلى ربك،
وإذا تبت ولو من الردة فإنك مقبول التوبة.
***
299-
تقول السائلة من الجزائر: يا شيخ هل سب الدين في حالة
الغضب من الكفر ؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: أما إذا كان الغضب شديداً
بحيث لا يملك الإنسان نفسه فإنه لا يخرج بذلك من الدين؛ لأنه لا يعي ما يقول، وأما إذا كان يملك نفسه فسب الدين كفر وردة، فيجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يجدد
إسلامه.
***
300- هناك بعض الشباب يمزح ويقول كلاماً على الله
وعلى رسوله من أجل أن يضحك زملاءه، وحينما ننصحه يقول: أنا أمزح. فبماذا تردون عليه؟ وهل إذا كان مازحاً يجوز له
أن يمزح بكلام عن الدين أو الله أو الرسول أو المؤمنين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: إن هذا العمل وهو الاستهزاء بالله أو برسوله أو كتابه أو دينه ولو كان على
سبيل المزح ولو كان على سبيل إضحاك القوم نقول: إن هذا كفر ونفاق، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في
الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن
عند اللقاء. يعنون رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأصحابه،
فنزلت فيهم هذه الآية: (وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) لأنهم جاؤوا إلى
النبي عليه الصلاة والسلام يقولون:
يا رسول الله إنما كنا نتحدث حديثاً
لنقطع به عناء الطريق، فكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول لهم ما أمره الله به: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ
تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب
محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه،
لا باستهزاء ولا بإضحاك ولا بسخرية،
فإن فعل فإنه كافر؛ لأنه يدل على
استهانته بالله عز وجل وكتبه ورسله وشرعه، وعلى هذا الرجل أن يتوب إلى الله عز وجل مما صنع؛ لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عمله ويجعل في قلبه
خشية الله عز وجل وتعظيمه وخوفه ومحبته.
***
301-
يقول السائل: ما
حكم من يستهزئ بالحجاب ولا يأمر أهله به؟ فنرجو منكم التوجيه والنصح مأجورين.
فأجاب رحمه الله
تعالى: الحجاب هو عبارة عن ستر الوجه وما تكون به الفتنة من بقية الأعضاء، هذا هو الحجاب الشرعي، خلافاً لما يظنه بعض الناس من أن الحجاب الشرعي أن تستر
المرأة كل بدنها إلا الوجه والكفين،
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها لغير زوجها
ومحارمها، ولنا في ذلك رسالة
أسميناها الحجاب، ولغيرنا في ذلك أيضاً
رسائل، وقد ألفت في هذا مؤلفات كثيرة والحمد لله. ومن استهزأ بالحجاب فإن كان قصده الاستهزاء به
كشرعيةٍ وسنةٍ من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على خطرٍ عظيم، ويخشى أن يكون هذا ردةً عن دين الله؛ لأن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، كما قال الله تبارك وتعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا
كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ
تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وأما إن كان يستهزئ به لا على أنه شريعة لكن
على أنه قول اختاره من يفعله ويتحجب فهذا لا يكفر، لكنه أخطأ خطأً عظيماً؛ لأن الاستهزاء بقول غيرك من أهل العلم وإن كنت عالماً لا
يحل، ما دامت المسألة مبنية على الاجتهاد، فإنه ليس اجتهادك أولى بالصواب من اجتهاد
الآخر، وليس اجتهاده أولى بالصواب من اجتهادك، والصواب من اجتهاديكما ما وافق الكتاب والسنة، ونحن نعلم أن الخير كل الخير بستر الوجه عن
الرجال الأجانب، بقطع النظر عن دلالة
الكتاب والسنة والنظر الصحيح على وجوب ستر الوجه، لكن هو من الناحية العقلية أن ستره لا شك أحفظ للمرأة
وأبعد للفتنة، والإنسان العاقل إذا
رأى ما وقعت فيه المجتمعات التي لا تستر الوجه من الشر يعرف أن الخير كل الخير في
ستر الوجه، وأنه واجبٌ عقلاً وإن
قدر أنه ليس فيه أدلةٌ شرعيةٌ تدل
على الوجوب، مع أن فيه أدلةً
شرعيةً تدل على الوجوب لا شك عندنا في ذلك. وانظر إلى تلك المجتمعات: هل اقتصر نساؤها على كشف الوجه فقط والكفين فقط؟ لا,كشفوا الوجوه والنحور والشعور والأذرعة
والأقدام والسيقان، وحصل بذلك شرٌ كثير، لكن انظر إلى المرأة المختمرة المغطية لوجهها
تجد أنها في سلامة وفي أمان وفي حشمة ووقار، لا يطمع فيها الطامعون ولا يحوم حولها السافلون، واختر لنفسك ما شيءت. ونصيحتي لهذا الرجل أن يتوب إلى الله عز وجل مما صنع، وأن يلزم أهله من بنات وأخوات وزوجات بما تدل
عليه الأدلة الشرعية من ستر الوجه،
حتى تسلم نساؤه ويسلم دينه،
ويكون قد رعاهن حق الرعاية،
فإن الإنسان مسؤولٌ عن أهله يوم القيامة،
كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الرجل راعٍ في أهله ومسؤولٌ عن رعيته).
***
302-
ما حكم
الاستهزاء بالملتزمين؟
هل هو كفر؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: إن كان هذا الاستهزاء بما التزموا به فهذا كفر، يعني:
لو استهزأ بالصلاة التي التزموا بها أو الشرائع التي التزموا بها فهذا كفر لا شك
فيه، وأما إذا استهزأ بالرجل نفسه فهذا لا يصل إلى
حد الكفر، لكنه لا شك أنه آثم
باستهزائه برجل ممن تمسكوا بدينهم.
***
303- يقول السائل: ما
حكم من يستعمل ألفاظاً غير لائقة في القرآن أو عبارات أو جملاً وهذا من باب المزاح، كذكر كلمة من القرآن وربطها
بكلمةٍ عامية،
فما رأيكم بما يفعل في ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الكفر لا فرق فيه بين المازح والجاد، فمتى أتى الإنسان بما يوجب الكفر فهو كافر والعياذ بالله، ومن أعظم ذلك أن يأتي بشيء يفيد السخرية
بالقرآن أو الاستهزاء بالقرآن،
فإن هذا كفر نسأل الله العافية،
كما قال الله عز وجل في المنافقين الذين كانوا يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً
ولا أجبن عند اللقاء، يعنون بذلك رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. فأنزل الله فيهم: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ
سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ
(64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ
أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
فمن أتى بكلمة الكفر فهو كافر،
سواءٌ أتى بها جاداً أم لاعباً مازحاً أم غير مازح، فعلى من فعل ذلك أن يتوب لله عز وجل وأن يعتبر نفسه داخلاً
في دين الإسلام بعد أن خرج منه،
ويجب على المؤمن أن يعظم كلام الله عز وجل، وأن يعظم كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما عليه أن يعظم الله سبحانه وتعالى وأن يعظم
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما يليق به ولا يكون غلواً فيه. وأما السخرية بالقرآن وربط الكلمات القرآنية
وهي كلام رب العالمين بكلامٍ عاميٍ مسخرة فهذا أمرٌ خطيرٌ جدّاً
نسأل الله العافية، قد يخرج به الإنسان
من الإسلام وهو لا يشعر.
***
304- سالم سليم من شمال سيناء يقول: عندنا جماعة يقولون بأن
الله في كل مكان بذاته.
ونقول لهم: إن الأمر ليس كذلك، إن الله في السماء. ونقول لهم: الرحمن على العرش استوى. ولم يقتنعوا بقولنا، ومصرون على ما هم عليه. السؤال: هل هم كفار؟ وهل يلحق بهم من اتبعهم وهم
على جهل؟
أم ماذا يقال عنهم؟
أنا قرأت في بعض الكتب بأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أنا
لو قلت بمقالتكم كنت كافراً،
وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال.
فما القول الصحيح في هؤلاء مأجورين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: القول الصحيح في هذا ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله إذا كانوا جهالاً فإنهم
لا يكفرون، وأما إذا كانوا
عالمين بأن الله في السماء ولكنهم استكبروا وأبوا إلا أن يقولوا: إنه
في الأرض فهم كفار، ولا يخفى أنه يلزم
على هذا القول لوازم باطلة جداً جداً؛
لأنك إذا قلت: إن الله في كل مكان
لزم من هذا أن يكون في المراحيض والعياذ بالله والحشوش والمواضئ والأماكن القذرة
ومن يصف ربه بهذا ؟لا يمكن لمؤمن أن يصف ربه بهذا أبداً. وأما ما يوجد من بعض الناس في هذه المسألة الواجب أن يجادل
بالتي هي أحسن كما قال الله عز وجل: (ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
***
305-
إبراهيم أبو حامد يقول: فضيلة الشيخ ما هو خطر
النفاق على العبد المسلم؟
فأجاب رحمه الله
تعالى:النفاق نفاقان: نفاق أكبر مخرج عن
الملة، ونفاق أصغر لا يخرج من الملة. أما الأول فهو: إظهار الإيمان وإبطان الكفر- والعياذ بالله-
كالذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأشار الله إليه في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ). فهؤلاء يظهرون أنهم مسلمون: فيصلون مع الناس،
وربما يتصدقون، ويذكرون الله، ولكنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، ويقرون بالرسالة ولكنهم كاذبون، يقول الله تبارك وتعالى فيهم: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا
أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ). هذا النفاق والعياذ
بالله نفاق أكبر صاحبه في الدرك الأسفل من النار. واختلف العلماء رحمهم الله هل يكون له توبة أو لا؟ فمن العلماء من قال: إنه لا توبة له،
وذلك لأنه لو قلنا بأنه يتوب فإنه لا يبدو من إيمانه إلا ما أظهره لسانه، وهو يظهر الإيمان من قبل. ولكن الصحيح أن إيمانه مقبول إذا تبين من
تصرفاته أنه غير منهجه الأول،
وأنه تاب توبة نصوحاً، ويدل لذلك قول الله
تبارك وتعالى: (إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ
الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ
لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
أَجْراً عَظِيماً). أما النوع الثاني من
النفاق فهو: النفاق الأصغر الذي
لا يخرج من الإيمان، مثل قول النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب،
وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). وقال: (أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحد منها كان فيه خصلة من النفاق
حتى يدعها). فهذا نفاق أصغر لا يخرج من الملة، لكنه يخشى أن يتدرج بصاحبه حتى يصل إلى النفاق
الأكبر. وإنني بهذه المناسبة أحث إخواني على الصدق في
المقال، والوفاء بالوعد، وأداء الأمانة على الوجه الأكمل. أما الأول-
وهو: الصدق في المقال- فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث عليه ورغب فيه
وحذر من الكذب، فقال صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: (عليكم بالصدق فإن
الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى
الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب
عند الله صديقاً. وإياكم والكذب فإن
الكذب يهدي إلى الفجور،
وإن الفجور يهدي إلى النار،
ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). وأما الوفاء بالوعد فإن الله سبحانه وتعالى مدح
الموفين بعهدهم إذا عاهدوا.
وأما أداء الأمانة فإن النصوص دلت على وجوب أداء الأمانة، كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ
إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). وكذلك أوصيهم بالقيام بما أوجب الله عليهم من
أداء الواجبات: سواء كان ذلك بين
الزوجين، أو بين المتعاملين، أو بين العامل المستأجر ومن استأجره، أو غير ذلك من المعاملات، حتى يسلم الإنسان من أن يتصف بشيء من صفات
النفاق.
***
306-
هل الفاسق هو
صاحب كبائر الذنوب؟
فأجاب رحمه الله تعالى:
يقول العلماء رحمهم الله إن الفاسق هو من أتى كبيرة ولم يتب منها، أو أصر على صغيرة. و عللوا ذلك بأن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، ولعل دليلهم في ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ
لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا
تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فحكم الله بفسق القذفة مع
أنهم لم يفعلوا مكفراً ولكنهم فعلوا كبيرة من كبائر الذنوب.
***
307-
يقول السائل: من
هو الفاسق في الشريعة الإسلامية؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الفاسق هو الخارج عن طاعة الله ورسوله، وهو نوعان:
فسق أكبر وهو الكفر، وفسق دون ذلك. مثال الأكبر قول الله تبارك وتعالى في سورة
ألم تنزيل السجدة: (أَفَمَنْ كَانَ
مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا
أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا
عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ). هذا
الفسق بمعنى الكفر فسق آخر دون ذلك لا يصل إلى الكفر ومثله قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ). فذكر
الكفر وحده والفسوق وحده والعصيان الذي هو دون الفسوق وحده. وقول الفقهاء رحمهم الله في كتبهم: لا تقبل شهادة الفاسق، يعنون بذلك الفسق الذي دون الكفر.
***
308-
السائل يقول: سمعت وقرأت قصيدة البردة، والذي أعرفه أن مؤلف هذه
القصيدة عالم،
فهل تضر في عقيدته؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: إني سأتلو من هذه البردة ما يتبين به حال ناظمها: كان يقول مادحاً
للنبي صلى الله عليه وسلم:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذاً
يوم المعاد يدي عفواً وإلا فقل يا زلـة القـدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقـلم
هل يمكن لمؤمن أن يقول
موجهاً الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالي من ألوذ به سواك إذا حلت الحوادث؟ لا يمكن لمؤمن أن يقول هذا ورسول الله صلى
الله عليه وسلم لا يمكن أن يرضى بهذا أبداً، إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم أنكر على الرجل
الذي قال له: ما شاء الله وشيءت، فقال: (أجعلتني
لله ندّاً
بل ما شاء الله وحده) فكيف يمكن أن يقال:
إنه يرضى أن يوجه إليه الخطاب بأنه ما لأحد سواه عند حلول الحوادث العامة، فضلاً عن الخاصة؟
هل يمكن لمؤمن أن يقول موجهاً
الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم:
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي عفوا
وإلا فقل يا زلة القدم؟
ويجعل العفو والانتقام بيد الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هل يمكن لمؤمن أن يقول هذا؟ إن هذا لا يملكه إلا الله رب العالمين. هل يمكن لمؤمن أن يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها, الدنيا ما نعيش
فيه وضرتها الآخرة، فإذا كانت الدنيا
والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام وليست كل جوده بل هي من جوده فما الذي
بقي لله؟ إن مضمون هذا القول: لم يبقَ لله شيء لا دنيا ولا أخرى، فهل يرضى مؤمن بذلك أن يقول: إن الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن
الله جل وعلا ليس له فيها شيء؟
وهل يمكن لعاقل أن يتصور أن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي جاء بتحقيق التوحيد
يرضى أن يوصف بأن من جوده الدنيا وضرتها؟
هل يمكن لمؤمن أن يرضى فيقول يخاطب النبي صلى الله وسلم: ومن علومك علم اللوح والقلم؟ من علومه وليست كل علومه علم اللوح والقلم، هل يمكن لمؤمن أن يقول ذلك والله تعالى يقول
لنبيه: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ
اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ
أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)؟ فأمر الله عز وجل أن يعلن للملأ إلى يوم
القيامة أنه ليس عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا يدعي أنه ملك وأنه صلى الله
عليه وسلم عابد لله تابع لما أوحى الله إليه (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى
إِلَيَّ). فهل يمكن لمن قرأ هذه الآية وأمثالها أن يقول: إن الرسول يعلم الغيب، وإن
من علومه علم اللوح والقلم؟
كل هذه القضايا كفر مخرج عن الملة،
وإن كنا لا نقول عن الرجل نفسه إنه كافر-
أعني: عن البوصيري- لأننا لا نعلم ما الذي حمله على هذا، لكنا
نقول: هذه المقالات كفر، ومن اعتقدها فهو كافر، نقول ذلك على سبيل العموم. ولهذا نحن نرى أنه يجب على المؤمنين تجنب قراءة هذه
المنظومة؛ لما فيها من الأمور
الشركية العظيمة، وإن كان فيها أبيات
معانيها جيدة وصحيحة، فالحق مقبول ممن جاء
به أياً كان، والباطل مردود ممن
جاء به أيّاً كان.
***
309- من السودان السائل فرح يقول في هذا
السؤال:
ما حكم من يطوف بالقبة أو الضريح وهو
جاهل الحكم,هل يكون مشركاً شركاً أكبر يخلد في النار؟ وماذا يجب عليه؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب رحمه الله
تعالى: الطواف بالقبور والأبنية المبنية عليها ينقسم إلى قسمين: القسم الأول أن يطوف لا لعبادة صاحب القبر ولا
لدعائه والاستغاثة به، ولكن عادة اعتادها
فصار يفعلها، أو كان يظن أن هذا
مما يقرب إلى الله عز وجل،
فهذا ليس بمشرك ولكنه مبتدع،
ويمكن أن نسمي بدعته هذه شركاً
أصغر؛ لأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر. أما إن كان يطوف بالقبر أو بالبناية عليه تعبداً وتقرباً وتعظيماً
لصاحب القبر، أو كان يطوف به ذلك
ويدعو صاحب القبر ويستغيث به فإن هذا مشرك شركاً أكبر مخرجاً
عن الملة، يستحق عليه قول الله
تبارك وتعالى: (إِنَّهُ مَنْ
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) .
***
310-
من كان ينطبق عليه حكم الكفر هل يجوز مناداته
بالكفر؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الأولى أن لا ينادى بالكفر؛
لأن هذا يوجب الفتنة والشر،
لكن يقال: أنت إذا لم تتب إلى
الله فإنك كافر، يبين له هذا الكلام، وأما مناداته بياكافر وما أشبه ذلك مما يثير
الفتنة فهذا لا أراه. والحمد لله مادمنا في غنىً عن هذا الأمر وبإمكاننا أن نمسكه ونقول
له: إن هذا الأمر كفر وارجع إلى ربك وارجع إلى
دينك وننصحه.
***
311-
يقول السائل: قلت
لأخي:
يا كافر لأنه لا يصلى أثناء شجارٍ وقع بيني وبينه، فما حكم ذلك مأجورين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: الذي لا يصلى كافر كفراً مخرجاً عن الملة، فإذا مات على الكفر وإذا كان يوم القيامة صار مع فرعون
وقارون وهامان وأبي بن خلف.
ولكن لا يقال للشخص المعين:
يا كافر حتى تقام عليه الحجة،
ويتبين له أن فعله كفر،
وهذا الذي حصل بينه وبين أخيه شجار وقال له: يا كافر لأنه لا يصلى نقول له: إن هذا لا ينبغي منك، ولكن عندما تحادثه وتتكلم معه كلاماً عادياً بين له أن ترك
الصلاة كفر، وأنه إن أصر على ذلك
فهو كافر، وأما أن تصفه بالكفر
حين المنابزة والمخاصمة فهذا أمرٌ لا ينبغي منك. وخلاصة القول:
أن تارك الصلاة كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملة، وأنه إن مات على ذلك فإنه ليس من المؤمنين، ويحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون
وأبي بن خلف، ولكن لا ينبغي لنا
عند المنابزة أن نصفه بالكفر فنقول:
يا كافر، بل
نبين له في الكلام العادي أن ترك الصلاة كفر، وأنه إذا أصر على تركها فهو كافر، لعل الله يهديه ويرجع إلى دينه.
***
312- من المستمع عبد الحميد البربري مصري ومقيم في
الرياض يقول في رسالته:
هل المسيحي يعد في عداد الكفرة،
علماً بأنه من أهل الكتاب،
ومن هم أهل الكتاب؟
أفيدونا بارك الله فيكم.
فأجاب رحمه الله
تعالى: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى الذين تسموا بالمسيحيين، هؤلاء هم أهل الكتاب، وإنما سموا أهل كتاب لأن الله تعالى أنزل كتباً على رسله: فأنزل على موسى عليه الصلاة والسلام التوارة
التي يدين بها اليهود، وأنزل على عيسى عليه
الصلاة والسلام الإنجيل الذي يدين به النصارى. والذين يسمون أنفسهم الآن بالمسيحيين ودين اليهود منسوخ
بدين النصارى، أي: إنه
يجب على اليهود أن يتبعوا النصارى في دينهم حين كان دين النصارى قائماً، ودين النصارى وغيره من الأديان نسخ بدين
الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، فكان دين الإسلام ناسخاً لجميع الأديان، فلا دين مقبول عند الله إلا الإسلام، قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) وهذه الصيغة
تقتضي الحصر وأنه لا دين عند الله سوى الإسلام. وقال تعالى: (وَمَنْ
يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ
مِنَ الْخَاسِرِينَ). وهذا دليل على أن جميع الأديان غير الإسلام غير
مقبولة عند الله، وأن أصحابها في
الآخرة خاسرون لا حظ لهم فيها في الآخرة،
وهذا لا يكون إلا للكافرين.
وعلى هذا فإن النصارى واليهود كلهم ليسوا على دين مقبول عند الله، وإذا كانوا ليسوا على دين مقبول عند الله
كانوا كفاراً، ويزول كفرهم بالإيمان
بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه،
وهم إذا آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا هو مقتضى ما تدل عليه كتبهم، كما قال الله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا
يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ
السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ
هُوَ يُحْيي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). فدلت
هاتان الآيتان على أن النبي صلى الله عليه وسلم معروف في التوراة والإنجيل، وأنه يجب عليهم الإيمان به واتباعه، وقد قال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام
لقومه: (يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً
بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ). فبشارة
عيسى عليه الصلاةوالسلام بالنبي محمد صلى الله
عليه وسلم تدل على أنه يجب على أتباعه أن يتبعوه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان لبشارته به فائدة، بل إن الإنسان لا يبشر إلا بما يعود إليه
بالخير، فكل من كفر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من
اليهود والنصارى وغيرهم فإنه كافر بالله؛
لأن الله تعالى أمر جميع العباد أن يؤمنوا به وبرسوله النبي الأمي، وبين أن هذا هو سبيل الفلاح والهدى والرشاد، وأن ما سوى ذلك فإنه ضلال نسأل الله العافية
والهداية.
***
313- وردتنا من منطقة خريسان من الجمهورية العراقية
محافظة ديانا بهز أو قرية أبو خميس بعث بها المرسل أخوكم في الإسلام علوان منصور
جسام القريشي يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم أصحاب الفضيلة العلماء المحترمين قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ
اللَّهِ الإِسْلامُ)،
وقال:
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ).
فهل معظم سكان البشرية غير المسلمين هم في الآخرة مطرودون من رحمة الله، حتى ولو كانوا ينتمون إلى
أديان سماوية أخرى مثل الديانة اليهودية والمسيحية؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: فإن خير الكلام وأصدقه وأحكمه كلام الله عز وجل، والسائل قد صدر سؤاله بكلامٍ محكمٍ صدق وهو قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ).
فهذه الآية فيها عموم في قوله: (وَمَنْ
يَبْتَغِ) فإن من شرطية وأسماء الشرط للعموم، وكذلك قوله: (دِيناً)نكرة
في سياق الشرط فتفيد العموم،
يعني: أي دين، فأي إنسانٍ يبتغي
أي دينٍ من الأديان غير الإسلام فإنه لا يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، والإسلام هو ما بعث الله به محمداً صلى الله
عليه وسلم؛ لأن الإسلام عند الله
ما بعث به رسله، ومن المعلوم أن
محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل كلهم، وأنه هو الذي جاء بالإسلام، وأن ما سوى ذلك فهو كفر، وعلى هذا فكل من دان بغير الإسلام- سواءٌ دان بكتابٍ سماويٍ نسخ، أو اتبع رسولاً نسخت رسالته، كاليهود والنصارى، أو لم يكن على دينٍ سماوي- فكل هؤلاء أعمالهم حابطة وسعيهم ضائع، وهم في الآخرة من الخاسرين. ولا تستغرب أيها السائل أن يكون عامة البشر من
أهل هذا الوصف، فإنه قد ثبت في
الصحيح: (إن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: يا آدم. فيقول:
لبيك وسعديك. فيقول أخرجْ من ذريتك
بعثاً إلى النار. فيقول: يا ربي وما بعث النار؟ قال:
من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون).
يعني في الألف واحد من أهل الجنة والباقون كلهم من أهل النار، فعلى هذا فلا يبقى في المسألة شكٌ ولا ارتياب
بأن كل من ليس على دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فإنهم
خاسرون، خاسرون دنياهم وآخرتهم،
وأنهم يوم القيامة في نار جهنم خالدون، ثم إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة
يهوديٌ ولا نصرانيٌ ثم لا يتبع ما جئت به إلا كان من أهل النار).
فضيلة الشيخ: لكن هل هذا الواحد الذي يؤخذ من الألف في كل
يوم وفي كل أسبوع وفي كل سنة أم أنه يزيد وينقص تبعاً للعصور وتبع قوة المسلمين؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: أنت إذا عرفت النسبة ليس هو
بالنسبة يعني لأمة محمدٍ فقط،
بالنسبة لكل بني آدم، كل بني آدم من أولهم
إلى آخرهم ما يدخل الجنة منهم إلا واحدٌ في الألف، هذا الواحد قد يكون غالبهم من هذه الأمة وهو
الأظهر؛ لأن أكثر الأمم اتباعاً هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هم أكثر الأمم اتباعاً للوحي وقبولاً له، فعلى هذا تكون
هذه النسبة واحدٌ من الألف أكثرها من هذه الأمة ولله الحمد.
***
314- يوجد عندنا بعض الناس يزعمون أنهم فقهاء، ليسوا فقهاء علماً، بل يزعمون أنهم يضرون
وينفعون من يشاؤون،
بحجة أن لهم شرهة يصيبون بها من يريدون، ويكررون هذا القول في كثير من
المناسبات فهل ذلك صحيح أم خرافات جاهلية؟ وكيف نتخلص من ذلك؟ علماً بأن بعض الناس
يصدقونهم فيما يقولون مثل كبار السن والجهال؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: هؤلاء الذين يدعون أنهم ينفعون أو يضرون هؤلاء كذبة، لا يجوز لأحد أن يصدقهم ولا أن يسألهم عن هذه
الأشياء، ويجب
على من علم بهم أن يبلغ أمرهم إلى ولاة الأمور ليتخذوا اللازم، فلا أحد يملك النفع والضرر إلا الله وحده لا
شريك له، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال الله له: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا
رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً). وأمره الله أن يقول: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ
مَا شَاءَ اللَّهُ). ومن زعم أن أحداً
يملك الضرر أو النفع بغير أسباب حسية معلومة فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وإني أقول لهؤلاء الذين يتوهمون صدق ما قاله
هؤلاء الدجاجلة أقول لهم:
اثبتوا على إيمانكم ودينكم،
واعلموا أنه لا يملك أحد الضرر والنفع إلا الله وحده لا شريك له. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
لابن عباس قال له: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء
لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك،
ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك). وفي القرآن الكريم لما ذكر الله السحرة قال: (وَمَا
هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ). فالمهم أن هؤلاء كذبة فيما يدعون من كونهم
يملكون النفع والضرر، فإن ذلك إلى الله
وحده لا شريك له، وعليهم أن يتوبوا إلى
الله من هذا العمل، وأن يعترفوا بقصورهم
وبتقصيرهم، وأنهم ضعفاء أمام
قدرة الله، وأنهم لا يملكون دفع
الضرر عن أنفسهم هم فضلاً عن غيرهم،
كما لا يملكون لأنفسهم جلب نفع فضلاً عن جلبه لغيرهم إلا ما شاء الله سبحانه
وتعالى، وعلى من حولهم ممن يتوهمون صدقهم أن يتوبوا
إلى الله تعالى في تصديقهم،
وأن يعلموا أنهم كذبة، ولا حق لهم ولا حظ
لهم أيضاً في مثل هذه الأمور.
***
315- جزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء يا شيخ
محمد حفظكم الله هذا السائل يقول: لقد خاب وتاه الكثير من الشباب في
مسألة العذر بالجهل، متى يعذر الجاهل بجهله؟ ودلونا على مراجع في هذه المسألة التي
أثيرت،
وهل وقع خلاف قديم بين السلف؟
وهل هو معتبر أم لا؟
فأجاب رحمه الله
تعالى: العذر للجهل ثابت بالقرآن وثابت بالسنة أيضاً، وهو مقتضى حكمة الله عز وجل ورحمته، يقول الله تبارك وتعالى: (وَمَا
كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا
ظَالِمُونَ). ويقول الله تعالى:( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إِلَى قوله: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). ويقول
الله تبارك وتعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ويقول
الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
والآيات في هذا عديدة، كلها تدل على أنه لا
كفر إلا بعد علم، وهذا مقتضى حكمة الله
ورحمته، إذ إن
الجاهل معذور، وكيف يؤاخذه الله عز
وجل- وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم بالعبد من الوالدة بولدها- على شيء لم يعلمه؟ فمن شرط التكفير بما يكفر من قول أو عمل أن يكون عن علم، وأن يكون عن قصد أيضاً، فلو لم يقصده الإنسان بل سبق لسانه إليه لشدة غضب أو لشدة
فرح أو لتأويل تأوله فإنه لا يكون كافراً
عند الله عز وجل. يدل لهذا أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال:
(لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم
كان في فلاة من الأرض ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فأضلها-
أي: ضاعت منه- فطلبها فلم يجدها، فاضطجع
تحت شجرة ينتظر الموت وهو آيس منها، فإذا براحلته عنده فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح). وهذا خطأ عظيم هو في نفسه كفر، لكن الرجل ما قصده، لكن لشدة الفرح سبق لسانه إلى هذا، ولم يكن بذلك كافراً؛ لأنه لم يقصد ما يقول. وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام (عن رجل كان مسرفاً على نفسه، وخاف من الله تعالى أن يعاقبه، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويذروه في اليم،
ظنّاً
منه أنه يتغيب عن عذاب الله،
ولكن الله تعالى جمعه بعده وسأله:
لم فعل هذا؟ قال: يا ربي خوفاً منك.
فغفر الله له)، مع أنه كان شاكّاً
في قدرة الله، والشك في قدرة الله
كفر، لكنه متأول وجاهل فعفا الله عنه. وليعلم أن مسألة التكفير أصلها وشروطها لا
يأخذها الإنسان من عقله وفكره وذوقه فيكفر من شاء ويعصم من شاء, الأمر في التكفير
وعدم التكفير إلى الله عز وجل،
كما أن الحكم بالوجوب أو التحريم أو التحليل إلى الله وحده، كما قال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ).
فالأمر في التكفير والعصمة إلى الله تبارك وتعالى، وأعني بالعصمة:
يعني الإسلام الذي يعصم الإنسان به دمه وماله، هو إلى الله،
إلى الله وحده، فلا يجوز إطلاق الكفر
على شخص لم تثبت في حقه شروط التكفير.
وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن من دعا رجلاً بالكفر أو قال:
يا عدو الله، وليس كذلك فإنه يعود
هذا الكلام على قائله) يكون هو الكافر وهو
عدو الله. فليحذر الإنسان من
إطلاق التكفير على من لم يكفره الله ورسوله، وليحذر من إطلاق عداوة الله على من لم يكن عدوّاً
لله ورسوله، وليحبس لسانه فإن
اللسان آفة الآفات. ولهذا لما حدث النبي
صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل بما حدثه به عن الإسلام قال له عليه الصلاة
والسلام: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال:
بلى يا رسول الله. فأمسك النبي صلى الله
عليه وسلم بلسان نفسه وقال:
كف عليك هذا، كف عليك هذا). يعني: لا تطلقه، احبسه قيده. فقال:
يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني:
هل نحن مؤاخذون بما نتكلم به؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في
النار على وجوههم- أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)؟ ولهذا يجب على الإنسان أن يكف لسانه عن ما حرم الله، وأن لا يقول إذا قال إلا خيراً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). والخلاصة:
أن مسألة التكفير والعصمة ليست إلينا،
بل هي إلى الله ورسوله،
فمن كفره الله ورسوله فهو كافر،
ومن لم يكفره الله ورسوله فليس بكافر،
حتى وإن عظمت ذنوبه في مفهومنا وفي أذواقنا، الأمر ليس إلينا،
الأمر في هذه الأمور إلى الله ورسوله.
ولا بد للتكفير من شروط معلومة عند أهل العلم، ومن أوسع ما قرأت في هذا ما كتبه شيخ الإسلام رحمه في
فتاويه وفي كتبه المستقلة،
فأنصح السائل وغير السائل أن يرجع إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه- وأقولها شهادة عند الله- أوفى ما رأيت كلاماً في هذه المسألة العظيمة.
***
316-
متى يعذر
الإنسان بالجهل ومتى لا يعذر به، من ناحية العقيدة والأحكام الفقهية؟ مأجورين.
فأجاب رحمه الله
تعالى: هذا السؤال سؤال مهم
سؤال عظيم لا يتسع المقام لذكر التفصيل فيه؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير قد يستوعب هذه الحلقة كلها
وزيادة، ولكن على سبيل الإجمال لدينا آيات من القرآن
وأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن الإنسان معذور بالجهل في كل
شيء، لكن قد يكون مقصراً في طلب العلم فلا يعذر، وقد تبلغه الحجة ولكنه يستكبر ويستنكر فلا يعذر في هذه
الحال، ومن الآيات الدالة على أن الإنسان معذور
بالجهل قوله تعالى: (رَبَّنَا لا
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى: (قد
فعلت). وقال الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ
وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ).
وقال الله تبارك تعالى:
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقال تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). وقال الله تعالى:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ
لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ).
وقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ
مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ). وقال الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ
وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ).
والآيات في هذا المعنى عديدة،
وكذلك في السنة، فقد روي عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال:
(إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). ولكن قد يكون الإنسان مقصراً بطلب العلم، بحيث يتيسر له العلم ولكنه لا يهتم به ولا
يلتفت إليه، وقد يكون الإنسان
مستكبراً عما بلغه من الحق، فيبين له الحق ولكنه يقول: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).
كما يوجد من كثير من العامة المعظمين لكبرائهم من أمراء أو علماء أو غير ذلك، يستنكفون عن الحق إذا دعوا إليه، وهؤلاء ليسوا بمعذورين، فالمسألة مسألة خطيرة عظيمة يجب التأني فيها
والتريث، وربما نقول: لا يقضى فيها قضاءً عامّاً بل ينظر إلى كل قضية بعينها، فقد نحكم على شخص بكفره مع جهله وقد لا نحكم
عليه، والناس يختلفون في مدى غايتهم في الجهل: منهم الجاهل مطلقاً جهلاً
مطبقاً لا يدري عن شيء كأنه بهيمة، ومنهم من عنده فطنة وحركة فكر لكنه عنده
استكبار عن الحق، ومنهم من هو بين ذلك. فعلى كل حال الجواب على وجه عام فيه نظر، ولكن تذكر قواعد وتطبق كل حال على ما تقتضيه
هذه الحال.
***
317- أسأل وأنا أعتقد بأن علي إثماً في هذا السؤال، وهو: أن لدينا ناساً يقولون: إن عبد الله أبا محمد صلى
الله عليه وسلم هو في النار، وناس يقولون: لا بل هو في الجنة؛ لأنه أبو نبي، أفيدونا
جزاكم الله خيراً، وهل عليّ إثم في هذا السؤال، وإذا كان علي إثم فهل له كفارة؟ أفيدونا
جزاكم الله خيراً ودمتم.
فأجاب رحمه الله
تعالى: أولاً ليس عليك إثم في هذا السؤال، لكن هذا السؤال ليس من الأسئلة التي
يستحسن أن يسأل عنها؛ لأنه لا فائدة منها
إطلاقاً، ولكن بعد السؤال عنها لابد من الجواب فيقال: إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم مات على الكفر وهو في
النار، كما ثبت في الصحيح (أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فلما انصرف دعاه النبي عليه
الصلاة والسلام فقال له: أبي وأبوك في النار). وهذا نص في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا
فيكون أبو النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من الكفار فيكون في النار, والأخ السائل
يقول: إن بعض الناس يقولون: ليس في النار؛
لأنه أبو نبي، وهذا لا يمنع إذا كان أبا نبي أن يكون في النار، فهذا آزر أبو إبراهيم كان كافراً وكان في
النار، ولهذا لما استغفر إبراهيم لأبيه قال الله تعالى :(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ
عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ
لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) .
***