الإيمان باليوم الآخر


 

182-     هذا المستمع يقول: ما هو أثر الإيمان باليوم الآخر على عقيدة المسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى:الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حين سأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر). وأثر الإيمان على قلب المؤمن وعمله كبير: فإن الإنسان إذا آمن باليوم الآخر عمل له، والعمل لليوم الآخر هو فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وإذا فقد الإيمان باليوم الآخر فلا إيمان؛ لأنه أحد أركان الإيمان، ففي فقده فقد ركن من أركان الإيمان، والإيمان لا يتبعض في أركانه، لا بد أن يؤمن الإنسان بجميع أركان الإيمان، وإلا فلا إيمان له. فأثر الإيمان باليوم الآخر عظيمٌ جداً، ولهذا يقرنه الله تبارك وتعالى بالإيمان به في مواضع كثيرة من القرآن؛ لأن الإيمان به هو الذي يحمل الإنسان على العمل، وقد قال الله تعالى مبيناً أن جحده كفر: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ). فأمر الله نبيه أن يقسم على البعث، وبين تبارك وتعالى أن ذلك يسيرٌ عليه فقال: (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وقال عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

***

183-    المستمع من مصر سيد عباس يقول: ما هي العلامات الصغرى المتبقية فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر أنه يريد علامات الساعة، وفيها ما وقع وفيها ما هو مستقبل. ومن علامات الساعة التي وقعت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكونه خاتم النبيين؛ لأن كونه خاتم النبيين يؤذن بقرب انتهاء الدنيا، والأمر كذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب الناس ذات يوم في آخر النهار وقال: (إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل ما بقي من يومكم هذا) وكانت الشمس على رؤوس النخل، أي: قريبة من الغروب. ومنها ما أشار إليه النبي عليه الصلاة السلام حين سأله جبريل قال له: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل). قال له جبريل: أخبرني عن أماراتها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان). ومنها انتشار الربا، وقد وقع وانتشر الربا كثيراً بين الأمة الإسلامية. ومنها فساد أحوال الناس، فإن كثيراً من بلاد المسلمين فيها شر كثير ومعاص معلنة، نسأل الله العافية والسلامة. وقد صنف العلماء رحمهم الله في ذلك كتباً مستقلة أحياناً، وفي ضمن كتاب يشتمل عليها وعلى غيرها أحياناً أخرى، فنرشد السائل إلى مراجعتها.

***

184-    تقول السائلة: ما صحة القول بأن أول علامات الساعة الكبرى هي طلوع الشمس من مغربها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصحيح، طلوع الشمس من مغربها متأخر؛ لأن الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى كلها قبل طلوع الشمس من مغربها.

***

185-  يقول السائل: أقرأ هذا الدعاء في كل صلاةٍ قبل السلام، وهو: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. أريد أن أعرف: من هو المسيح الدجال؟ وما هي فتنته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الدعاء الذي أنت تدعو به في صلاتك بقي عليك شيء، وهو أنك تستعيذ من أربع، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال). هذه الأربع أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منها بعد التشهد وقبل السلام. أما المسيح الدجال: فإنه رجل يخرج في آخر الزمان يَدَّعي الربوبية، ويعطيه الله تبارك وتعالى من الآيات ما يكون سبباً للفتنة؛ امتحاناً من الله تعالى واختباراً ,هذا الرجل رجلٌ أعور، ولهذا سُمي المسيح لمسح إحدى عينيه، وهو معه جنةٌ ونار، فمن أطاعه أدخله الجنة، ولكنه لا يجد جنةً وإنما يجد ناراً، ومن عصاه أدخله النار التي معه، ولكنه لا يجدها ناراً وإنما يجدها ماءً عذباً طيباً، أو جنة كما ورد في بعض ألفاظ الحديث. ويمكث في الأرض أربعين يوماً: اليوم الأول بمقدار سنة، والثاني بمقدار شهر، والثالث بمقدار أسبوع، وبقية الأيام كأيامنا، وقد سأل الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم الذي كسنة: هل تكفي فيه صلاة يوم واحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا اقدروا له قدره). أي: إن هذا اليوم الأول من أيام الدجال يُصلى فيه صلاة سنةٍ كاملة؛ لأنه عن سنةٍ كاملة، واليوم الثاني يصلى فيه صلاة شهر، واليوم الثالث يُصلى فيه صلاة أسبوع، وبقية الأيام تصلى في كل يوم خمس صلوات. ثم إن هذا الدجال مع ما يحصل من فتنته العظيمة يوفق الله سبحانه وتعالى المؤمنين فيعرفونه بعلامته، فإنه مكتوبٌ بين عينيه: كافر، كاف وفاء وراء يقرؤها كل مؤمن الكاتب وغير الكاتب، ويعمى عنها من ليس بمؤمن ولو كان قارئاً. ثم إنه أيضاً يُؤتى إليه برجل ليفتتن به، فيقول هذا الرجل: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقطعه الدجال قطعتين ثم يمشي بينهما، ثم يقف فيدعوه، يدعو هذا الرجل المقتول المفرق قطعتين، فيقوم هذا الرجل حياً والناس ينظرون إليه، فيقول له: أتشهد أني الله؟ فيقول: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقطعه مرةً أخرى ثم يعود فيدعوه، فيقوم ويقول: أشهد أنك أنت الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيريد أن يقتله كما قتله المرتين الأوليين، ولكنه يعجز عنه، فيأخذ به ويلقيه في النار، ولكنه كما أسلفنا النار التي معه جنةٌ وماءٌ عذب، كما جاء به الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونهاية هذا الدجال أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل من السماء؛ لأن عيسى بن مريم قد رفعه الله تعالى إلى السماء حياً لم يمت، ثم ينزل في آخر الزمان فيقتل هذا المسيح الدجال وتنتهي فتنته.

***

186-  يقول السائل: قرأت في بعض الكتب عن الدجال، هل هو ابن صياد أم لا؟ فما هو الحق في ذلك؟ وكذلك في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يطوف بالبيت وفيه صفات الدجال، فلما سأل عنه قيل: هذا هو الدجال، مع أن الدجال لا يدخل مكة والمدينة. نرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أن ابن صياد ليس هو الدجال الذي يبعث في آخر الزمان، وإنما هو دجال من الدجاجلة، يشبه الكهان في تخرصه وتخمينه، ولكنه ليس هو الدجال الذي يبعث يوم تقوم الساعة، فيقتله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. وأما رؤية النبي صلى عليه وسلم من قيل له: إنه هو الدجال يطوف بالبيت، فإن الممتنع إنما هو دخوله في اليقظة، فإنه لا يدخل- أعني: الدجال الذي سيبعث في آخر الزمان، لا يدخل- مكة ولا المدينة وهذا في اليقظة، والأحكام الشرعية تختلف في اليقظة وفي المنام.

***

187-    يقول السائل: من هم يأجوج ومأجوج الذين ذكروا في القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يأجوج ومأجوج قبيلتان عظيمتان كبيرتان من بني آدم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث الصحيح: (إنه إذا كان يوم القيامة ينادي الله سبحانه وتعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! فيقول الله تعالى: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعةٌ وتسعون. يعني: هؤلاء كلهم في النار من بني آدم، وواحد في الجنة. فعظم ذلك على الصحابة فقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أبشروا! فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، منكم واحد ومنهم تسعمائة وتسعةٌ وتسعون). فهما قبيلتان عظيمتان، لكنهما من أهل الشر والفساد، والدليل على ذلك أمران: أمرٌ سابق، وأمرٌ منتظر. فأما الأمر السابق: فما حكاه الله سبحانه وتعالى عن ذي القرنين أنه لما بلغ السدين ( وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً (94)) إلى آخر ما ذكر الله عز وجل. والشاهد من هذا قولهم: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، وطلبوا من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبينهم سدّاً. وأما الشر والفساد المنتظر: فهو ما جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل (أن الله سبحانه وتعالى يوحي إلى عيسى أنه أخرج عباداً لله لا يدان لأحدٍ بقتالهم، وأنهم يعيثون في الأرض فساداً، وأنهم يحصرون عيسى ومن معه في الطور). وهذا هو الفساد المرتقب منهم، فسيخرجون في آخر الزمان من كل حدبٍ ينسلون، ويعيثون في الأرض فساداً، حتى يدعو عيسى بن مريم ربه عليهم، فيصبحون موتى كنفسٍ واحدة. هؤلاء هم يأجوج ومأجوج، وأما ما يذكر في الإسرائيليات من أن بعضهم طويلٌ طولاً مفرطاً، وأن بعضهم قصيرٌ قصراً مفرطاً، وأن بعضهم لديه آذانٌ يفترش إحدى الأذنين ويلتحف بالأخرى، وما أشبه ذلك: فإن كل هذا لا صحة له، بل الصحيح الذي لا شك فيه أنهم كغيرهم من بني آدم، أجسادهم وما يحسون به وما يشعرون به، فهم بشر كسائر البشر، لكنهم أهل شرٍ وفساد.

***

188-     ما المقصود بيأجوج ومأجوج؟ وماذا تعرفون عنهم، كما ورد ذكرهما في القرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المقصود بيأجوج ومأجوج أنهما قبيلتان من بني آدم، كما جاء في ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما ورد في بعض الكتب من أن منهم القصير جداً والصغير، ومنهم الكبير، ومنهم الذي يفترش أذناً من أذنيه ويلتحف بالأخرى، وما أشبه ذلك: فكل هذه لا أصل لها، وإنما هم من بني آدم وعلى طبيعة بني آدم، لكنهم كانوا في وقت ذي القرنين، كانوا قوماً مفسدين في الأرض، فطلب جيرانهم من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبينهم سداً، حتى يمنعهم من الوصول إليهم وإفسادهم في أرضهم، وفعل ذلك وقال: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً)(الكهف:96) ففعلوا، فما استطاعوا أن يظهرو وما استطاعوا له نقباً، فكفى الله جيرانهم شرهم. ثم إنهم في آخر الزمان، وبعد نزول عيسى عليه الصلاة والسلام يخرجون على الناس ويبعثون ؛يبعثون بمعنى أنهم يخرجون وينتشرون في الأرض، ويحصرون عيسى بن مريم والمؤمنين معه في جبل الطور، ثم يلقي الله تبارك وتعالى في رقابهم دودةً تأكل رقابهم، فيصبحون فرسى- يعني: جمع فريسة، يعني: موتى- كلهم ميتة رجلٍ واحد، ويقي الله سبحانه وتعالى عيسى وأصحابه شرهم .

***

189-   السائل ش م م من العراق محافظة صلاح الدين يقول: يقول الله عز وجل في سورة الكهف: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ). فمن هم يأجوج ومأجوج؟ وأين يوجدون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يأجوج ومأجوج ذكرهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في قوله: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ). وفي قوله تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً)(الكهف:94). وهاتان قبيلتان من بني آدم، كما ثبت به الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله يقول يوم القيامة: يا آدم! فيقول لبيك وسعديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. فقال: يا ربي وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. فشق ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ يعنون: الذي ينجو من النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا! فإنكم في أمتين- أو قال: بين أمتين- ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج). وهذا دليل واضح على أنهما قبيلتان من بني آدم، وهو كذلك، وهم موجودون الآن، وظاهر الآية الكريمة أنهم في شرق آسيا؛ لأن الله قال: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً). فظاهر سياق الآيات الكريمات أنهم كانوا في الشرق، ولكن هاتان الأمتان سيكون آخر الزمان لهم دور كبير في الخروج عن الناس؛ لما جاء في حديث النواس بن سمعان الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن الله تعالى يوحي إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم: يأجوج ومأجوج، فحرِّر عبادي إلى الطور). فخروجهم الكبير المنتشر الذي يظهر به فسادهم أكثر مما هم عليه الآن سيكون في آخر الزمان، وذلك في وقت نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

***

190-  يقول السائل: كثيراً ما نسمع أن الساعة لا تقوم حتى يعم الإسلام الأرض، ونسمع من جهةٍ ثانية أنها لا تقوم ويبقى من يقول: لا إله إلا الله في الأرض، فكيف نوفق بين هذين القولين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوفيق بينهما سهل، وهو: أن كل واحدٍ منهما في زمنٍ غير زمن الآخر، فالإسلام يعم الأرض كلها، ثم بعد ذلك يندثر هذا الإسلام ويموت المؤمنون، ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.

***

191-     ما مدى صحة ما يقال بأن من يموت في رمضان أو يوم الجمعة لا يعذب عذاب القبر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عذاب القبر ثابت لكل من يستحقه، سواء مات في يوم الجمعة أو في رمضان أو في أي وقت آخر، ولهذا كان المسلمون يقولون في صلاتهم، في كل صلاة من صلواتهم في التشهد الأخير: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. إلا أن من مات مجاهداً في سبيل الله فإنه لا يأتيه الملكان اللذان يسألانه عن دينه وربه ونبيه؛ لأن بارقة السيوف على رأسه أكبر امتحان له واختبار، وأكبر دليل على أنه مؤمن، وإلا لما عرض رقبته لأعداء الله.

***

192-     المستمع عدنان من المملكة الأردنية الهاشمية يقول: هل الميت يبصر؟ وما مدى بصيرته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الميت لا يبصر البصر المعروف في الدنيا؛ لأنه قد فقد الإحساس بموته، لكنه يبصر ما يراه في قبره من عالم الآخرة، ويفسح له في قبره مد البصر إن كان مؤمناً، ويرى الملكين يسألانه عن ربه ودينه ونبيه. وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فإنه لا يبصره؛ لأنه قد حجب عن أمور الدنيا بموته.

***

193-   إذا توفي الإنسان هل يذهب إلى الجنة أو إلى النار بعد وفاته، أو يبقى في القبر إلى يوم القيامة؟ نرجو توضيح ذلك مع إضافة بعض المعلومات عن ذلك وشكراً لكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما جسم الميت فإنه يبقى في الأرض في المكان الذي دفن فيه إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ). وقال تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). فهو باقٍ في الأرض. وأما روحه فإنها تكون في الجنة أو تكون في النار، قال الله تبارك وتعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). فبين أن هذا القول يكون عند الوفاة، فمعنى ذلك أنهم يدخلون الجنة يوم وفاتهم، وهذا لا يكون إلا للروح، لا يكون للبدن. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الميت في قبره إذا كان مؤمناً يفتح له بابٌ إلى الجنة، ويأتيه من روحها ونعيمها). وأما الكافر فإن روحه أيضاً يذهب بها إلى العذاب، قال الله تعالى عن آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). وفيها قراءة (وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة ادخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً). وقال تعالى: ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ). فهذا دليل على أن الميت المؤمن يلقى جزاءه في الجنة من يوم موته، والكافر يلقى عذابه في النار من يوم موته، وهذا بالنسبة للروح، أما البدن فإنه يبقى في الأرض إلى يوم القيامة، وقد تتصل الروح به معذبةً أو منعمة، كما تدل على ذلك الأحاديث.

***

194-     بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هل الميت يسمع السلام والكلام ويشعر بما يفعل لديه أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، والسنة فيها قد بينت بعض الأشياء: فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن الرجل إذا دفن في قبره وانصرف الناس عنه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان) فامتحناه. فأثبت النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسمع قرع النعال، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه (ما من رجلٍ مسلم يمر بقبر رجلٍ مسلم فيسلم عليه وهو يعرفه في الدنيا إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام). وهذا الحديث صححه ابن عبد البر، وذكره ابن القيم في كتاب الروح ولم يعقب عليه. وربما يؤيد هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى المقابر قال: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين). فإنه قد يشعر بأنهم يسمعون ذلك ويردون، من أجل أنه وجه هذا الدعاء إليهم بالخطاب. وعلى كل تقدير مهما قلنا بأن الميت يسمع فإن الميت لا يسمع غيره ولو سمعه، يعني: أنه لا يمكن أن ينفعك الميت إذا دعوت الله عند قبره، كما لا ينفعك إذا دعوته نفسه، ودعاؤك الله عند قبره معتقداً أن في ذلك مزية بدعةٌ من البدع، ودعاؤك إياه شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة. فإن قال قائل: إن بعض الذين يدعون الأموات قد ينتفعون بدعائهم؟ فالجواب على ذلك: أن هذا الانتفاع لم يكن بدعائهم الميت، لكن كان عند دعائهم الميت، وفرق بين حصول الانتفاع بدعاء الميت وحصول الانتفاع عند دعاء الميت؛ لأنك إذا قلت: حصل الانتفاع بدعاء الميت كان دعاء الميت هو السبب في ذلك الانتفاع، وإذا قلت: عنده لم يكن هو السبب ولكن كان قريباً منه في الوقت. فنحن نقول: إن الله قد يبتلي الإنسان الذي يدعو أصحاب القبور بحصول ما يدعو به عند دعائه امتحاناً له واختباراً له، وإلا فنحن نعلم أن كل من دعا غير الله فإنه من أضل الناس، بل قد قال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). ولا عجب أن يبتلي الله الإنسان بمثل هذه البلوى، فهاهم أصحاب السبت، قومٌ من بني إسرائيل من اليهود كانوا في قريةٍ على شاطئ البحر، وكان عمل صيد الحوت محرماً عليهم يوم السبت، فابتلاهم الله عز وجل، فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شرعاً على سطح الماء كثيرة، وفي غير يوم السبت لا تأتي الحيتان، فطال عليهم الأمد وقالوا: كيف نحرم من هذه الحيتان؟ وما الحيلة في الحصول عليها؟ فزين لهم الشيطان حيلةً بأن يضعوا شبكاً يوم الجمعة في الماء، فإذا أتت الحيتان يوم السبت وقعت في هذا الشبك ولم تستطع الخروج منه، فإذا كان يوم الأحد جاؤوا فأخذوها، تحيلوا على محارم الله بأدنى الحيل، فماذا كانت النتيجة؟ قال الله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فقلب الله هؤلاء القوم قردةً خاسئة ذليلة. والمهم من سياق هذه القصة أن الإنسان قد يبتلى بما يكون فتنةً له في دينه إن اتبعه، فهؤلاء الذين يدعون الأموات ربما يفتنون فيحصل لهم المطلوب عند دعائهم الأموات فتنةً لهم، وإلا فنحن نعلم علم اليقين أن الأموات لا ينفعون أحداً مهما كان الأمر، لو دعاهم بالليل والنهار ما نفعوه، كيف وهم أمواتٌ جثث هامدة؟ ولكن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

***

195-   مستمعة من العراق محافظة التأمين أشواق إلياس سليمان تقول: لقد ذكر الله جل شأنه في كتابه العزيز أن أصحاب الكهف ناموا أكثر من ثلاثمائة سنة، وأن العزير أماته الله سبحانه وتعالى مائة، ثم بعثهم وبعثه، وقد علمنا من شأنهم بقية القصة. السؤال: هل الموتى لا يحسون بمدة موتهم إلى أن يحييهم الله يوم القيامة؟ وضحوا لنا ذلك جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً هي ذكرت قصتين قصة أصحاب الكهف، وقصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان عزيراً، فهو رجلٌ حصلت له هذه القصة. والعبرة لما في القصة من آيات الله عز وجل: أما أصحاب الكهف فإنهم لم يموتوا ولكنهم ناموا، ألقى الله عليهم النوم هذه المدة الطويلة التي قال الله عنها: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ). ولما استيقظوا تساءلوا: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)؛ لأن النائم- كما هو مشاهد ومحسوس- لا يحس بالوقت، قد ينام الإنسان يوماً أو يومين وكأنه لم ينم إلا ساعة أو ساعتين، وهذا شيء مشاهد، والظاهر أن الموتى كالنُّوَّم، وهي التي صارت فيها القصة الثانية: فإن هذا الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فاستبعد أو استفهم: كيف يحيي الله الأرض هذه القرية بعد موتها؟ فأراه الله عز وجل هذه الآية العظيمة، أماته الله مائة سنة ثم بعثه من موته، وسأله: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ). ثم أمره عز وجل أن ينظر إلى طعامه وشرابه لم يتغير، مع أنه بقي مائة سنة، فلم ييبس من شمس ولا رياح، والطعام لم ينتن، بل هو باق كما، كان أما الحمار فإنه قد مات و ذهب جلده ولحمه ولم يبق إلا عظامه، فقال الله تعالى: (وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً). فشاهد العظام ينشز الله بعضها ببعض بواسطة العصب، فلما تكاملت كساها الله لحماً فكان حماراً كاملاً، وهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته، وأنه على كل شيء قدير. والخلاصة أن في هاتين القصتين من آيات الله العظيمة ما هو ظاهر للمعتبر، وأن الجواب على سؤال السائلة- وهو: أن الميت لا يدري عن المدة التي تمر عليه-: أن الظاهر أن الميت كالنائم، ينطوي عليه الوقت ولا يدري عن سرعته.

***

196-   يقول: فضيلة الشيخ إمام وخطيب المسجد الجامع الكبير بعنيزة السلام عليكم، سؤالي ما يلي: كيف يتأذى الميت بدخول إنسان لا يصلى معه في القبر؟ ألم يكن كل واحد ذهب إلى مقعده: إن كان في الجنة فهو في الجنة، والثاني في النار فهو في النار؟ أم كيف يكون التأذي؟ أرجو من فضيلة الشيخ إجابة ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإجابة على هذا السؤال أن نقول: إنه لا يحل أن يدفن شخص لا يصلى مع شخص مسلم، بل ولا يحل أن يدفن وحده في مقابر المسلمين، والواجب أن يدفن من مات لا يصلى في مكان غير مقابر المسلمين؛ لأنه ليس منهم. هذا القول الراجح الذي رجحناه بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، وقد سبق لنا مراراً من هذا البرنامج ذكر الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة كفراًَ مخرجاً عن الملة، سواء كان مقراً بفرضيتها أم كان جاحداً بل إذا كان جاحداً، كفر وإن صلى، إلا أن يكون جاهلاً بأحكام الإسلام، كحديث عهد بالإسلام، فإنه يعرف ويبين له، فإن أقر بالوجوب و إلا كان كافراً. المهم أنه لا يجوز أن يدفن من لا يصلى مع شخص مسلم، ولا في مقابر المسلمين، بل إن المشروع ألا يدفن مسلم مع آخر في قبر واحد، وإنما يدفن كل واحد وحده في قبره. واختلف العلماء رحمهم الله: هل دفن الميت مع ميت آخر محرم لا يجوز إلا للضرورة، أو مكروه يجوز عند الحاجة إليه ولو بدون الضرورة، مع اتفاقهم على أن المشروع أن يدفن كل ميت وحده؟ وأما قول السائل: إنه يتأذى به، فهذا الأمر يحتاج إلى توقيف و إلى نص من الشرع أن الميت يتأذى بمن دفن معه إذا كان ممن يعذب في قبره، وهذا أمر لا أعلم عنه شيئاً من السنة، وإن كان بعض العلماء رحمهم الله يقولون: إن الميت قد يتأذى بجاره إذا كان يعذب، وقد يتأذى بفعل منكر عنده، ولكن لم أجد دليلاً من السنة يؤيد هذا. والله أعلم.

***

197-     المستمع عبد السلام محمود الطقش مصري يسأل ويقول: هل عذاب القبر يختص بالروح أم بالبدن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عذاب القبر ثابت بكتاب الله وسنة رسوله. أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ). وفي قوله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). وأما الأحاديث التي فيها عذاب القبر فهي كثيرة، ومنها الحديث الذي يعرفه الخاص والعام من المسلمين، وهو قول المصلى: (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال). وعذاب القبر في الأصل على الروح، وربما يتصل بالبدن أحياناً، ولا سيما حين سؤال الإنسان عن ربه ودينه ونبيه حين دفنه، فإن روحه تعاد إلى جسده، لكنها إعادة برزخية لا تتعلق بالبدن تعلقها به في الدنيا، ويسأل الميت عن ربه ونبيه ودينه، فإذا كان كافراً أو منافقاً قال: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.

***

198-   يقول: إن موت الإنسان يعني خروج الروح من الجسد، وعندما يدفن في القبر هل ترد الروح إلى جسده أم أين تذهب؟ وإذا كانت ترد الروح إلى الجسد في القبر فكيف يكون ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الميت إذا مات فإنها تعاد روحه إليه في قبره، ويسأل عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما الكافر أو المنافق فإنه إذا سئل يقول: ها ، ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. وهذه الإعادة- أعني إعادة الروح إلى البدن في القبر- ليست كحصول روح الإنسان في بدنه في الدنيا؛ لأنها حياة برزخية ولا نعلم كنهها، إذ إننا لم نخبر عن كنه هذه الحياة، وكل الأمور الغيبية التي لم نخبر عنها فإن واجبنا نحوها التوقف؛ لقول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(الإسراء:36)

***

199-   يقول: تنقسم حياة الإنسان إلى ثلاث: حياة الدنيا وهي التي نعيشها، ثانيا:ً حياة الآخرة معروفة، ثالثا:ً بين الحياة الدنيا وبين الآخرة حياة البرزخ، فما هي حياة البرزخ؟ وهل الإنسان يكون بجسده وروحه فيها؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حياة البرزخ حياةٌ بين حياتين، وهذه الأنواع الثلاثة للحياة تكون من أدنى إلى أعلى: فحياة البرزخ أكمل من الحياة الدنيا بالنسبة للمتقين؛ لأن الإنسان ينعم في قبره، ويفتح له بابٌ إلى الجنة، ويوسع له مد البصر. وحياة الآخرة- وهي الجنة التي هي مأوى المتقين- أكمل وأكمل بكثيرٍ من حياة البرزخ. وكذلك يقال بالنسبة للكافر، يقال: إن حياته في قبره أشد عذاباً مما يحصل له من عذاب الدنيا، وعذابه في النار التي هي مأوى الكافرين أشد وأشد، فحياة البرزخ في الواقع حياةٌ بين حياتين في الزمن وفي الحال، فحال الإنسان فيها بين حالين: دنيا وعليا، وكذلك الزمن كما هو معروف. أما سؤاله: هل تكون الحياة البرزخية بالروح والبدن؟ فهي قطعاً بالروح بلا شك، ثم قد تتصل بالبدن أحياناً إن بقي ولم تأكله الأرض، ولم يحترق ويتطاير في الهواء، وقد لا تتصل. هذا هو القول الراجح في نعيم القبر أو عذابه: أنه في الأصل على الروح، وقد تتصل بالبدن، لكن ما يكون عند الدفن فالظاهر أنه يكون على الروح والبدن جميعاً؛ لأنه جاء في الأحاديث ما يدل على ذلك، من أن الميت يجلس في قبره ويسأل، ويوسع له في قبره، ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه، وكل هذا يدل على أن النعيم أو العذاب عند الدفن يكون على البدن والروح.

***

200-     ما هو اعتقاد أهل السنة والجماعة في الحياة البرزخية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مذهب أهل السنة والجماعة في الحياة البرزخية أن الإنسان إذا دفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فأجلساه، وسألاه عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة- جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم- فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما المنافق فإنه يقول: ها ، ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. ثم يبقى المؤمن منعماً في قبره، والمنافق معذباً في قبره. والعذاب يكون في الأصل على الروح، ولهذا يحس بالعذاب ولو تمزق بدنه وأكلته السباع، وربما تتصل الروح بالبدن ويكون العذاب على الروح والبدن جميعاً. ومسائل الآخرة كلها أمور غيب لا نطلع على شيء منها إلا عن طريق الوحي، ولهذا لا ينبغي لنا أن نتعمق في السؤال عنها؛ لأننا سنصل إلى باب مسدود، ولن نصل إلى شيء من التفاصيل إلا عن طريق الكتاب والسنة. وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير). يعني: أنهما لا يعذبان في أمر شاق عليهما، بل هو أمر سهل. (أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة). يعني: بنقل الكلام كلام الناس بعضهم ببعض؛ ليفسد بينهم ويفرق بينهم . فأمر بجريدة رطبة فشقها نصفين، فجعل على كل قبر واحدة، فقالوا: لِمَ صنعت هذا يا رسول؟ الله قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). ففي هذا دليل واضح على ثبوت عذاب القبر، وأنه قد ينقطع وقد يخفف. أخذ بعض أهل العلم رحمهم الله من هذا أنه ينبغي أن يوضع على القبر جريدة رطبة، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذين القبرين، لكن هذا مأخذ ضعيف جدّاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يضع الجريدتين أو الجريدة الواحدة في كل من قُبر، لكن وَضَعها على هذين القبرين اللذين يعذبان، فوضع شيء من هذا على القبر يبرهن على إساءة الظن بصاحب القبر، وأنه الآن يعذب. وثُم هو بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئاً لسبب فإنه لا يقتضي أن يكون عامّاً في كل شيء، بل فيما ثبت في هذا السبب. ثم هذا السبب ليس أمراً معلوماً، بحيث نعلم أن هذا الرجل يعذب في قبره فنضع له الجريدة، بل هو مجهول، وهو عذاب القبر، فلهذا ينهى أن يوضع على القبر شيء من الزهور أو شيء من الأغصان أو شيء من الجريد؛ لأن ذلك كله من البدع، ومتى قصد به التخفيف من العذاب عن هذا القبر صار إساءة ظن بصاحبه.

***

201-    السائل إبراهيم من الرياض يقول: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في الحياة البرزخية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عقيدتهم في الحياة البرزخية ما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على أن الإنسان يعذب في قبره وينعم بحسب حاله، قال الله تبارك وتعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(غافر:46). وقال تعالى: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ). وقال الله تبارك تعالى: (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصلىةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)). وهذه الحياة التي يكون فيها النعيم أو العذاب حياة برزخية ليست كحياة الدنيا، فلا يحتاج فيها الحي إلى ماء ولا طعام ولا هواء، ولا وقاية من برد ولا وقاية من حر، حياة لا نعلم كيفيتها، بل هي من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله عز وجل، أو من وصل إليها وحصل له بها حق اليقين. ونحن نقرأ في صلواتنا: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.

***

202-     السائلة تقول في هذا السؤال: أرجو التحدث عن الحياة البرزخية كما جاء في سورة المؤمنون: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

فأجاب رحمه الله تعالى: الحياة البرزخية هي الحياة التي تكون بين موت الإنسان وقيام الساعة، والإنسان قد يقبر فيدفن في الأرض، وقد يلقى في البحر فتأكله الحيتان، وقد يلقى في البر فتأكله الطيور والوحوش، ومع ذلك فإن كل واحد من هؤلاء يناله من الحياة البرزخية ما يناله. وهي- أعني: الحياة البرزخية- من عالم الغيب، فلولا أن الله ورسوله أخبرانا بما يكون فيها ما علمنا عنها، ولكن الله تعالى أخبرنا في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم أخبرنا في سنته بما لا نعلمه عن هذا الأمر، فالحياة البرزخية يكون فيها العذاب ويكون فيها النعيم، إما على الروح وحدها أو تتصل بالبدن أحياناً، لكن هذا العذاب ليس من عالم الشهادة، ولهذا يعذب الإنسان في قبره، ويضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، أو يفسح له في القبر وينعم فيه، ويفتح له باب من الجنة يأتيه من روحها ونعيمها، ولو أننا كشفنا القبر لوجدنا الميت كما دفناه بالأمس لم تختلف أضلاعه، ولم نجد رائحة من روائح الجنة ولا شيئاً من هذا؛ لأن هذه الحياة حياة برزخية غير معلومة لنا وليست من عالم الشهادة. وأضرب مثلاً يقرب ذلك بأن الإنسان النائم نائم عندك، وهو يرى في منامه أنه يذهب ويجيء، ويبيع ويشتري، ويصلى، ويزور قريباً له ويعود مريضاً، وهو في منامه مضطجع عندك ما كأنه رأى شيئاً من ذلك، ومع ذلك هو يرى، هكذا أيضاً الحياة البرزخية: الميت يرى فيها ما يرى، وينعم فيها ويعذب، لكن في جانب الحس لا يشاهد شيئاً من هذا، وذلك أن النوم أخو الموت في الواقع، لكن الموت أشد وأعظم عمقاً في مثل هذه الأمور. والنفس لها تعلق بالبدن على وجوه أربعة: الأول: تعلقها بالبدن في حال الحمل، والثاني: تعلقها في حال الحياة الدنيا، وتعلقها في حال الحياة الدنيا يكون في حال اليقظة وفي حال النوم، ويختلف هذا عن هذا، والثالث: تعلقها بالبدن في البرزخ، والرابع: تعلقها بالبدن بعد البعث، وهذا الأخير هو أكمل التعلقات، ولهذا لا تفارق الروح البدن لا بنوم ولا بموت، إذ لا موت بعد البعث ولا نوم، وإنما هي حياة دائمة، حياة يقظة، لكن إما في نعيم دائم- أسأل الله أن يجعلني والمستمعين من هؤلاء- وإما في جحيم دائم والعياذ بالله: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ). وأما أهل النعيم فهم في نعيم دائم، فهذه أنواع تعلق الروح بالبدن، ولكل منها خاصية ليست في الأخرى.

***

203-    يقول السائل: كيف السؤال في القبر بعد ممات الإنسان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السؤال أنه يأتيه ملكان فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما المرتاب أو المنافق فهذا يقول: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين.

***

204-    يقول السائل م.ع: ما حقيقة عالم البرزخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أحيلك على نفسك: إذا كنت في البرزخ فسوف تعرف ما حال الإنسان! ولكن الذي بلغنا من ذلك أن الإنسان إذا دفن وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فسألاه عن ربه ودينه ونبيه. فأما المؤمن- نسأل الله أن يجعلنا منهم- فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. وأما المنافق المرتاب- والعياذ بالله- فإنه إذا سئل قال: ها. ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته- أعاذنا الله وإياكم منهم- فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله، أي: يدخل بعضها بعضاً من الضيق، ويفتح له بابٌ إلى النار- أجارنا الله وإياكم منها- ثم يبقى الإنسان على أمرٍ لا ندري عنه بالتفصيل، لكننا نؤمن بعذاب القبر ونعيم القبر.

***

205-  السائلة ن ع ع جدة تقول: أرجو أن تبينوا لنا عذاب القبر وأسباب النجاة منه، وهل عندما يدفنون الميت ثم يقولون له بعد الفراغ من دفنه: إذا سألك الملكان: من ربك؟ فقل: ربي الله. وما نبيك؟ وما دينك؟ هل صحيح أن الميت يسمعهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دفن الميت وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم فقد تم توديعه، وحينئذ يأتيه الملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فإن أجاب بالصواب فسح له في قبره، وفتح له باب إلى الجنة، ونادى منادٍ من السماء: أن صدق عبدي. وإن توقف وقال: لا أدري، فإنه يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي. ويفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها. والأسباب المنجية من عذاب القبر كثيرة، تنحصر في أن الأسباب الواقية من عذاب القبر هي القيام بطاعة الله، فيفعل ما أمر الله به ويترك ما نهى الله عنه. ومنها- أي: من الأسباب الواقية من عذاب القبر- التعوذ بالله من عذاب القبر، ولهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نتعوذ من عذاب القبر أمراً عامّاً فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، وأمرنا أن نتعوذ بالله من عذاب القبر أمراً خاصّاً بعد التشهد الأخير، حيث قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا تشهد أحدكم التشهد الآخر- أو قال: الأخير فليستعذ بالله من أربع، فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال). ومن أسباب عذاب القبر عدم التنزه من البول، والمشي بين الناس بالنميمة، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول- أو قال لا يستنزه من البول وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة). ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة، قالوا: لِمَ صنعت هذا يا رسول الله؟ قال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). فبين النبي صلى الله عليه وسلم سبب عذابهما بأن أحدهما لا يستبريء من البول، وأن الثاني كان يمشي بالنميمة. والنميمة هي نقل كلام الناس فيما بينهم على سبيل الإفساد، فيأتي للشخص ويقول: قال فلان فيك كذا، قال فلان فيك كذا؛ ليلقي العداوة بينهما. وبهذه المناسبة أود أن أنبه على شيء يفعله بعض الناس: إذا فرغ من دفن الميت وضع عليه غصناً أخضر من جريد النخل أو غيره، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث وضع الجريدة التي شقها نصفين على كل قبر واحدة، فإن هذا الذي يفعله بعض الناس بدعة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفعله على قبر كل ميت، وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله لسبب، وهو أن أصحاب القبرين يعذبان، فما يدري هذا الرجل أن صاحبه يعذب حتى يضع عليه هذا الغصن الأخضر؟ وأيضاً فإن وضع هذا الغصن الأخضر شهادة بالفعل على أن صاحب القبر يعذب، فيكون في ذلك إساءة ظن بصاحب القبر. لكن بعض الناس لا يتأملون ماذا يتفرع على أفعالهم من المفاسد، فتجدهم يأخذون بظاهر الحال ولا يتأملون حق التأمل، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

***

206-  يقول السائل: يقال: إن الكافر عندما يوضع في القبر ويأتيه منكر ونكير، يأتيانه في صورٍ مخيفة ومرعبة، فهل المؤمن يرى منكراً ونكيراً بنفس الصورة التي يراهما فيها الكافر؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أنه لا يستوي المؤمن والكافر فيما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه، وأن المؤمن ينعم في قبره، ويوسع له فيه، وينور له فيه، ويفتح له فيه بابٌ إلى الجنة، وأما الكافر فإنه يعذب في قبره، ويضيق عليه فيه حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله، ويفتح له بابٌ إلى النار. وأما المساءلة حين السؤال: فإن الميت يأتيه ملكان يسألانه عن ثلاثة أشياء: عن ربه ودينه ونبيه. فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. وأما المرتاب فيقول: ها ، ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. هذا أكثر ما عندي الآن حول الإجابة على هذا السؤال

***

207-  يقول المستمع م. ع. م. من المدينة المنورة: ورد في الحديث الصحيح أن الميت عندما يوضع في قبره يسأل عن ثلاث: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ بينما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ينتظر عند الميت بعد دفنه مقدار ما تنحر الجزور. السؤال: الأسئلة المذكورة أعلاه الثلاثة لا تستغرق سوى دقيقتين أو ثلاث دقائق، فهل هناك أسئلة أخرى تستغرق مقدار نحر الجزور؟ آمل إفادتي مشكورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يمكثون عند القبر بمقدار ما تنحر الجزور، وإنما جاء ذلك عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أما الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت). فالذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام أن نقف بعد دفن الميت إذا فرغنا من دفنه، أن نقف عليه وأن نقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم اغفر له، اللهم ثبته، ثلاث مرات ثم ننصرف، هذا هو الوارد فليقتصر عليه.

***

208-  المستمع مصري الجنسية يعمل بالعراق يقول: قرأت في كتاب يسمى دقائق الأخبار ما يفيد بأن الإنسان بعد الموت يدخل عليه في القبر ملك اسمه دومان، فيقول له: اكتب عملك. فيقول: أين قلمي وحبري وورقي؟ فيمسك سبابة يده اليمنى ويقول: هذا قلمك، ويشير إلى فمه: من هنا حبرك، ويقطع قطعة من جلد يده ويقول: هذا ورقك. وروى الكثير مما يحدث بعد الموت، مثل استئذان الروح من ربها بعد أسبوع وتعود إلى البيت الذي كانت تعيش فيه. هل هذا صحيح؟ وهل هناك ما يثبت ذلك من القرآن والسنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا غير صحيح بل هو باطل، والأمور الغيبية لا يجوز الاعتماد على شيء لم يثبت فيها عن الله ورسوله؛ لأن الأمور الغيبية لا يطلع عليها إلا الله عز وجل، أو من أطلعه الله عليه ممن اصطفاه من الرسل، قال الله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً(27)). وما ذكره مما يكون للإنسان بعد موته فهو باطل لا أصل له. وإني أحذر أخي السائل من قراءة مثل هذه الكتب، وما أكثر أنواعها في الوعظ والترغيب والترهيب، فإن كثيراً من الكتب المصنفة في الوعظ والترغيب والترهيب فيها أحاديث لا زمام لها، وإنما يقصد واضعوها أن يقووا رغبة الناس أو رهبتهم، وهذا خطأ، خطأ أرجو الله أن يعفو عنهم إذا كان صادراً عن حسن النية، و الحذر الحذر فالحذر الحذر من مثل هذه الكتب، وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه كفايتنا عن هذه.

***

209-    يقول السائل: كيف النجاة من فتنة القبر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النجاة من فتنة القبر أن يموت الإنسان على الإسلام، فإنه إذا مات على الإسلام أنجاه الله؛ لأنه إذا سئل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فسيجيب بالصواب، وحينئذ ينجو، فإن مات على نفاق- نسأل الله أن يعيذنا وإخواننا من النفاق- فإنه لن يجيب إذا سئل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ قال: ها. ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فهذا لا ينجو من الفتنة، ويعذب في قبره والعياذ بالله.

***

210-  يقال: إنه إذا قامت القيامة فإن المسلمين الذين هم مؤدون للشريعة الإسلامية والمؤمنون بوجود الله ويوم القيامة وغير مؤدين بدين الإسلام فستأتيهم ريحٌ فيموتون، إلا الكفار فهم يرون أهوال يوم القيامة والأشياء التي تحصل حين قيام الساعة. ما مدى صحة ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هذا بصحيح، بل إذا قامت الساعة فإن جميع الناس مسلمهم وكافرهم يشاهدون هذا اليوم العظيم، وينالهم ما ينالهم من شدائده وهمومه وكروبه وغمومه، ولكن الله تعالى ييسره على المسلم، كما قال الله تعالى: (وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً). وقال تعالى: (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ). فاليوم عسير وشديد، وعسره وشدته على الجميع، ولكن هذا العسر والشدة ييسر على المؤمنين، ويكون غير شاقٍ عليهم، بخلاف الكافرين.

***

211-    كيف يقوم الناس من قبورهم يوم القيامة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقوم الناس من قبورهم حفاةً عراةً غرلاً بُهماً. أما حفاةً فمعناه: أنه ليس في أقدامهم نعالٌ ولا خفاف ولا جوارب، وأما عراة فمعناه: أنه ليس عليهم ثياب، العورات بادية، كما خرجوا من بطون أمهاتهم يخرجون من بطون الأرض، كما قال الله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ). غرلاً أي: غير مختونين، أي: إن القلفة التي تقطع في الختان في الدنيا- وهي الجلدة التي على رأس الذكر- تعاد يوم القيامة، حتى يخرج الناس من قبورهم كما خرجوا من بطون أمهاتهم غير مختونين، وأما بُهماً فمعناه: أنه ليس معهم مال يعرفون به، فلا درهم ولا دينار ولا متاع ولا شيء ما هي إلا الأعمال الصالحة، هكذا يخرج الناس من قبورهم لرب العالمين جل وعلا.

***

212-    هل صحيح أن يوم القيامة يخفف على المؤمن حتى يصير كأنه وقت قصير جدّاً؟ أرجو بهذا إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن المؤمن يخفف عنه ذلك اليوم حتى يكون يسيراً جدّاً، ودليل ذلك في كتاب الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: (وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً). وقال تعالى: (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ). وقال تعالى: (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ). وكل هذا يدل أن هذا اليوم يكون يسيراً على المؤمنين، وبقدر ما يكون الإيمان عند العبد يكون اليسر في ذلك اليوم؛ لأن الجزاء من جنس العمل، نسأل الله أن ييسر علينا وعلى إخواننا المسلمين أهوال ذلك اليوم.

***

213-   هذه رسالة وصلت من إحدى اخواتنا المستمعات محافظة واسط العزيزية العراق تقول في رسالتها بأنها فتاة مؤمنة بالله تعالى، تحاول جاهدة أن تلتزم بتعاليم الإسلام السمحة، تقول: كثيراً ما يراودني أفكار كثيرة عن مصيري والحساب يوم القيامة، حيث يبعث الله الخلائق ويحاسب الإنسان بما عمل. سؤال يا فضيلة الشيخ وهو الذي يحيرني هو أن يوم القيامة الذي يتم فيه الحساب هل هو يوم واحد أخير لا غير، يتم فيه حساب كافة الخلائق أم ماذا؟ أو لا يجوز لنا التفكير في ذلك نرجو بهذا إفادة مأجورين ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال المقدم عن هذه المرأة فيه إشكال يحتاج إلى الجواب كما قالت. وفيه أن المرأة أثنت على نفسها خيراً بكونها مؤمنة بالله تعالى، وتحاول جاهدة تصديق الشريعة الإسلامية، وهذا الثناء على النفس إن أراد به الإنسان أن يتحدث بنعمة الله عز وجل، أو أن يتأسى به غيره من أقرانه ونظرائه فهذا لا بأس به، وإن أراد به الإنسان تزكية نفسه و إدلاله بعمله على ربه عز وجل فإن هذا فيه شيء من المنّة، وقد قال الله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وأما إذا كان المراد به مجرد الخبر فلا بأس به، لكن الأولى تركه، فالأحوال إذاً في مثل هذا الكلام الذي فيه ثناء المرء على نفسه أربع: الحال الأولى: أن يريد بذلك التحدث بنعمة الله عليه فيما حباه من نعمة الإيمان والثبات، الثانية: أنه يريد بذلك تنشيط أمثاله ونظرائه على مثل ما كان عليه، فهاتان الحالان محمودتان؛ لما تشتملان عليه من هذه النية الطيبة. الحال الثالثة: أن يريد بذلك الفخر والتباهي والإدلال على الله عز وجل بما هو عليه من الإيمان والثبات، وهذا غير محمود؛ لما ذكرناه من الآية. الحال الرابعة: أن يريد بذلك مجرد خبر عن نفسه لما هو عليه من الإيمان والثبات، فهذا جائز ولكن الأولى تركه أما المشكلة التي ذكرت في سؤالها وتريد الجواب عنها، وهي أن يوم الحساب يوم واحد أو أكثر؟ فجوابها: أن يوم الحساب يوم واحد، ولكنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، كما قال الله تعالى:(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)) أي أن هذا العذاب يقع للكافرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صاحب ذهب و لافضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى به جبينه وجنبه و ظهره، كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد). وهذا يوم طويل، وهو يوم عسير على الكافرين، كما قال تعالى: (وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً). وقال تعالى: (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ). ومفهوم هاتين الآيتين أنه على المؤمن يسير وهو كذلك، فهذا اليوم الطويل بما فيه من الأهوال والأشياء العظيمة ييسره الله تعالى على المؤمن، ويكون عسيراً على الكافر، أسأل الله أن يجعلني وإخواني المسلمين ممن ييسره الله عليهم يوم القيامة. والتفكير والتعمق في مثل هذه الأمور الغيبية هو من التنطع الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون). ووظيفة الإنسان في هذه الأمور الغيبية التسليم، وأخذ الأمور على ظاهر معناها، دون أن يتعمق أو يحاول المقايسة بينها وبين الأمور في الدنيا، فإن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا، وإن كانت تشبهها في أصل المعنى وتشاركها في ذلك، لكن بينهما فرق عظيم. وأضرب لك مثلاً بما ذكره الله سبحانه وتعالى في الجنة من النخل والرمان والفاكهة ولحم الطير و العسل والماء واللبن والخمر وما أشبه ذلك، مع قوله عز وجل: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ). وقوله في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). فهذه الأسماء التي لها مسميات في هذه الدنيا لا تعنى أن المسمى كالمسمى، وإن اشترك في الاسم وفي أصل المعنى، فكل الأمور الغيبية التي تشارك ما يشاهد في الدنيا في أصل المعنى لا تكون مماثلة له في الحقيقة، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه القاعدة، وأن يأخذ أمور الغيب بالتسليم على ما يقتضيه ظاهرها من المعنى، وأن لا يحاول شيئاً وراء ذلك. ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحض- أي: العرق- وصار يتصبب عرقاً، وذلك لعظم السؤال في نفسه، ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة التي كانت ميزاناً لجميع ما وصف الله به نفسه، قال رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فالسؤال المتعمق في مثل هذه الأمور بدعة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم- وهم أشد منا حرصاً على العلم وعلى الخير- لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأسئلة، وكفى بهم قدوة. وما قلته الآن بالنسبة لليوم الآخر يجري بالنسبة لصفات الله عز وجل التي وصف الله بها نفسه، من العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك، فإن مسميات هذه الألفاظ بالنسبة لله عز وجل لا يماثلها شيء مما يشاركها في هذا الاسم بالنسبة للإنسان، فكل صفة فإنها تابعة لموصوفها، كما أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له في ذاته فلا مثيل له في صفاته. وخلاصة الجواب الآن: أن اليوم الآخر يوم واحد، وأنه عسير على الكافرين، ويسير على المؤمنين، وأن ما ورد فيه أنواع الثواب والعقاب أمر لا يدرك كنهه في هذه الحياة الدنيا، وإن كان أصل المعنى فيه معلوماً لنا في هذه الحياة الدنيا.

***

214-  محمد عبد الجبار مصطفى من بغداد العراق يقول: ما حكم الشرع في نظركم يا فضيلة الشيخ في حكم الطفل الذي يولد متخلفاً عقليا؟ً وهل ورد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى ذلك؟ وهل هناك تفسير لآياتٍ قرآنية كريمة تتعلق بذلك؟ وهل يحاسب يوم القيامة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المولود وهو متخلفٌ عقلياً حكمه حكم المجنون ليس عليه تكليف، فلا يحاسب يوم القيامة، ولكنه إذا كان من أبوين مسلمين أو أحدهما مسلم فإن له حكم الوالد المسلم، أي: إن هذا الطفل يكون مسلماً فيدخل الجنة، وأما إذا كان من أبوين كافرين: فإن أرجح الأقوال أنه يمتحن يوم القيامة بما أراد الله عز وجل، فإن أجاب وامتثل أدخل الجنة، وإن عصى أدخل النار. هذا هو القول الراجح في هؤلاء، وهو- أي: هذا القول- منطبق على من لم تبلغهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، كأناسٍ في أماكن بعيدة عن بلاد الإسلام، ولا يسمعون عن الإسلام شيئاً، فهؤلاء إذا كان يوم القيامة امتحنهم الله سبحانه وتعالى بما شاء، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. قد يقول قائل: كيف يمتحنون وهم في دار الجزاء، وليسوا في دار التكليف؟ فجوابنا على هذا: أولاً: أن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، فله أن يكلف عباده في الآخرة كما كلفهم في الدنيا، ولسنا نحن نحجر على الله عز وجل. ثانياً: أن التكليف في الآخرة ثابت بنص القرآن، كما قال الله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ(42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(43)). فدل هذا على أن التكليف قد يقع في الآخرة. إذاً هذا الذي ولد متخلفاً عقلياً فحكمه حكم المجانين، وليس عليه تكليف، وحكمه حكم أبويه إن كانا كافرين، وإن كانا مسلمين أو أحدهما فهو مسلم. وبهذا الجواب يتبين حكم هذا المولود المتخلف عقلياً، وما ذكرناه فإنه مقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ.

فضيلة الشيخ: هل هناك تفسير لآيات قرآنية كريمة تتعلق بذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القرآن كما قلت قبل قليل والسنة، كلٌ منهما يدل على أن المجنون ومن في حكمه ليس عليه تكليف.

فضيلة الشيخ: في فقرةٍ له يقول: وهل وجود طفل متخلف في العائلة هو عقوبة للوالدين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المصائب التي تصيب الإنسان تارةً تكون عقوبة، وتارةً تكون امتحاناً، تارةً تكون عقوبة إذا فعل الإنسان محرماً أو ترك واجباً، فقد يعجل الله له العقوبة في الدنيا، ويصيبه بما شاء من مصيبة، وقد يصاب الإنسان بمصيبة لا عقوبة على ترك واجبٍ أو فعل محرم، ولكن من باب الامتحان يمتحن الله بها الإنسان؛ ليعلم عز وجل أيصبر أو لا يصبر؟ وإذا صبر كانت هذه المصيبة منحة لا محنة، يرتقي بها هذا الإنسان إلى المراتب العالية وهي مرتبة الصابرين؛ لأن الصبر لا يحصل إلا بشيءٍ يصبر عليه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوعك- يعني: يمرض- كما يوعك الرجلان منا، أي: يشدد عليه في الوعك؛ لأجل أن ينال بذلك أعلى درجات الصابرين عليه الصلاة والسلام.

***

215-  ما مصير الأطفال الذين يموتون دون البلوغ والتكليف، سواءٌ كانوا مسلمين أو غير مسلمين، من ناحية مصيرهم في الآخرة؟ وهل الحديث الذي معناه: (كل مولودٍ يولد على الفطرة) ينطبق حتى على أطفال غير المسلمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مصير أطفال المؤمنين الجنة؛ لأنهم تبعٌ لآبائهم، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). وأما أطفال غير المؤمنين، يعني الطفل الذي نشأ من أبوين غير مسلمين، فأصح الأقوال فيهم أن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، فهم في أحكام الدنيا بمنزلة آبائهم، أما في أحكام الآخرة فإن الله أعلم بما كانوا عاملين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله أعلم بمآلهم). هذا ما نقوله، وهو في الحقيقة أمر لا يعنينا كثيراً، إنما الذي يعنينا هو حكمهم في الدنيا، وأحكامهم في الدنيا- أعني: أولاد المشركين الذين من أبوين كافرين، أحكامهم في الدنيا- أنهم كالمشركين، بمعنى: أنهم لا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابرنا.

***

216-    ما مصير أطفال المشركين أو الكفار الذين يموتون؟ هل هم في النار أم في الجنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أطفال المشركين والكفار: إذا كان الأم والأب كلاهما كافراً فإن هؤلاء الأولاد لهم حكم الكفار في الدنيا، فلا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين. أما في الآخرة فأصح أقوال أهل العلم في ذلك أنهم لا يعلم مصيرهم، وأن علمهم إلى الله عز وجل؛ لأنهم ممتحنون في يوم القيامة بما أراده الله، فإن امتثلوا وأطاعوا دخلوا الجنة، وإلا فهم في النار.

***

217-    هل التائب من الذنوب لا يحاسب على ذنوبه الماضية إذا تاب توبة صادقة؟ وهل مرتكبو الكبائر إذا تابوا تقبل منهم توبتهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا تاب الإنسان توبة نصوحا فإن الله تعالى يقبل منه مهما عظم الذنب دليل ذلك قوله تبارك وتعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وهذه عامة ليس فيها تفصيل، أن مَنْ تاب من أي ذنب فإن الله يتوب عليه، وقال تعالى في التفصيل: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً). فالذنب مهما عظم إذا تاب الإنسان منه توبة نصوحاً غفره الله عز وجل، فهنا تجد أن الله تعالى ذكر الشرك وقتل النفس بغير حق والزنى، وكلها عدوان عظيم: الأول عدوان في حق الخالق عز وجل، والثاني عدوان على النفس في حق المخلوق، والثالث عدوان على العرض في حق المخلوق، ومع ذلك إذا تاب الإنسان وآمن وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات. ألم تر إلى قوم كانوا مشركين مضادين لدعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهداهم الله وتابوا وصاروا من قادة الأمة الإسلامية؟ ولكن إذا كانت المعصية في حق مخلوق فلابد من إيصال الحق إلى أهله، فلو سرق الإنسان مال شخص وتاب من السرقة تاب الله عليه، لكن لابد أن يعيد المال إلى مالكه؛ لأنها لا تتم التوبة فيما يتعلق بحق المخلوق إلا برد الحق إلى أهله.

***

218-    سائل يقول في هذا السؤال: ما الفرق بين الكوثر والحوض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفرق بينهما أن الكوثر نهرٌ في الجنة أعطاه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأما الحوض فإنه في عرصات القيامة، يصب عليه ميزابان من الكوثر، هذا الحوض عظيم طوله شهرٌ وعرضه شهر، يرِده المؤمنون من أمة محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جعلنا الله وإياكم ممن يرده ويشرب منه,ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وطعمه أحلى من العسل، وريحه أطيب من ريح المسك، وآنيته كنجوم السماء في حسنها وكثرتها.

***

219-    سائل يسأل عن الحوض المورود ما هو؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحوض المورود حوض يكون في عرصات القيامة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته كنجوم السماء في الكثرة والجمال، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، يصب عليه ميزابان من الكوثر الذي في الجنة الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ). أما أثره: فمن شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه، اللهم اجعلنا ممن يشرب منه يا رب العالمين.

***

220-  بالنسبة لحديث الحوض والذي يَردِ فيه الناس والذي يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قائماً عليه، من هم هؤلاء الناس الممنوعون من الشرب؟ أهم أصحاب البدع؟ وهل للبدع أنواع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الممنوع من الشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة كل من أحدث في دين الله ما ليس منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك. وكلما كان الإنسان أقوى في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام كان وروده أضمن، ولهذا قيل: من ورد على شريعته فشرب ورد على حوضه فشرب، ومن لا فلا، ولكلٍ درجات مما عملوا. وأما قول السائل: هل البدع أنواع؟ فنعم البدع أنواع متعددة كثيرة، منها ما يوصل إلى الكفر، ومنها ما دون ذلك.

***

221-  محمد عبد الحميد حاتم الحليفي يمني مقيم بمكة المكرمة يقول: نعرف أن الصراط حق لا ريب، وأنه لابد من العبور عليه، ولكننا سمعنا حديثاً عن صفته يقول بأن طوله مسيرة مائة عام في الاستواء، ومائة عام في الطلوع، ومائة عام في الهبوط، وأنه على متن جهنم. فهل هذا الحديث صحيح؟ وإن لم يكن كذلك فما هي حقيقته؟ ومتى يؤذن لمن تجاوزه بدخول الجنة؟ وما حكم من أنكر وجوده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصراط كما ذكر السائل حق، واعتقاد وجوده واجب، وهو مما يعتقده أهل السنة والجماعة. والصراط عبارة عن جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف، وأما كون طوله كما ذكر السائل فإني لا أعلم في ذلك حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الصراط يعبر الناس عليه على قدر أعمالهم: منهم السريع، ومنهم البطيء، على حسب سيرهم على صراط الله المستقيم في هذه الدنيا، فمن كان مستقيماً على الصراط في هذه الدنيا مسابقاً إلى الخيرات كان مستقيماً على صراط الآخرة سابقاً فيه، ومن كان دون ذلك كان دون ذلك، وربما يمر بعض الناس به فيلقى في جهنم ويعذب فيها بقدر عمله ثم ينجو، وأما الكافرون فإنهم لا يعبرون على هذا الصراط، وإنما يحشرون إلى جهنم ورداً، كما قال الله عز وجل، بدون أن يعبروا على ذلك الصراط؛ لأنهم لم يكونوا عابرين على الصراط في هذه الدنيا، فيكون جزاؤهم أن يحشروا إلى النار بدون أن يعبروا على هذا الصراط. وأول من يجوز بأمته محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بعد هذا الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ويقتص لبعضهم من بعض، ثم يدخلون الجنة بعد أن يشفع النبي عليه الصلاة والسلام إلى ربه في فتح أبواب الجنة، فيشفع إلى الله عز وجل أن تفتح أبواب الجنة فتفتح، ويكون أول من يدخلها محمدٌ صلى الله عليه وسلم.

فضيلة الشيخ : ويقول: ما حكم من أنكر وجوده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم من أنكر وجوده: إن كان جاهلاً فإنه يعلَّم حتى يتبين له، فإذا بلغ بالأحاديث الواردة في ذلك فإنه يجب عليه أن يعتقده، فإن أنكره- مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به- كان مرتداً كافراً؛ لتكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

***

222-    يقول السائل: ما صفة الصراط عند المرور عليه؟ وهل ورد له صفة معينة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصراط هو جسر يوضع على النار، يعبر منه المؤمنون إلى الجنة- جعلنا الله وإياكم منهم- يمر الناس به على قدر أعمالهم: إما كلمح البصر، أو كالبرق، أو كالريح، أو كالفرس الجواد، أو كالإبل، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يكردس في نار جهنم ويعذب بقدر ذنوبه. أما صفته فقد ورد أنه أحدُّ من السيف وأدق من الشعر، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طريقٌ واسع، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنه دحض ومزلة)، وهذا لا بد أن يكون واسعاً يسلكه الناس. وليس المهم أن نعرف هل هو واسع أو ضيق، المهم أن نعرف كيف يسير الناس عليه، ولماذا اختلف سير الناس عليه، فبعضهم كلمح البصر، وبعضهم كالبرق، وبعضهم يزحف، وبعضهم يلقى في النار. والجواب: أن هذا على حسب أعمالهم في الدنيا وتلقيهم لشريعة الله، فمن كان مسرعاً لتلقي شريعة الله مسارعاً في الخيرات كان عبوره على الصراط يسيراً خفيفاً سريعاً، ومن كان متباطئاً في شريعة الله وقبولها صار سيره على الصراط كعمله جزاءً وفاقاً.

***

223-     أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ ذكر بعض المتحدثين بأن الصراط طوله ثلاثة آلاف سنة، فهل هذا ثابت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس بثابت.

***

224-   بارك الله فيكم فضيلة الشيخ يقول: من صلى في المسجد النبوي ثمانين صلاة متتابعة، مع الحضور قبل الصلاة ليلحق تكبيرة الإحرام، ويشفع له الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فهل هذا صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا أعرف عن صحته شيئاً، ولكن شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لها أسبابٌ أخرى كثيرة، منها: أن من أجاب المؤذن، ثم بعد فراغه صلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسأل الله له الوسيلة، فإنها تحل له- أو: تجب له- شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

***

225-     من السودان السائل أبو محمد يقول: هل الأطفال الذين يموتون وهم صغار يشفعون لوالديهم يوم القيامة؟ أفيدونا مأجورين؟

 فأجاب رحمه الله تعالى: إذا مات للإنسان أطفال فصبر واحتسب، فإنهم يكونون له حجاباً من النار وستراً من النار، ويدخل بهم الجنة، أما إذا لم يصبر ولم يحتسب فإنه سيفوته من الأجر بقدر ما فاته من الصبر.

***

226-     بارك الله فيكم فضيلة الشيخ يقول: هل يشفع الابن الصالح والولد الصالح لوالديه في الآخرة؟ وكيف؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأولاد الصغار الذين ماتوا وهم صغار: فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم يكونون ستراً وحجاباً من النار لوالديهم، وأما البالغون فيشفعون لآبائهم في الحال التي يؤذن لهم فيها، ومن الشفاعة الدعاء للميت، فإن الدعاء للميت شفاعةٌ له؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من رجلٍ مسلمٍ يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه). وهذا يدل على أن الدعاء للغير شفاعةٌ له، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له). فذكر الدعاء؛ لأن الدعاء شفاعةٌ للمدعو له. فأنا أحث إخواننا على كثرة الدعاء لوالديهم أحياءً أم أمواتاً؛ لأن ذلك طريق الأولاد الصالحين الذين امتثلوا قول الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).

***

227-   المستمعة أشواق إلياس سليمان العراق محافظة التأمين تقول: وضعت طفلاً ميتاً بعد رمضان العام الماضي، وقد صمت الشهر كله ولله الحمد. سؤالها تقول: هل يأتي يوم القيامة كبيراً، كما سمعت من بعض النساء؟ هل لي أجر حمله تسعة أشهر وساعات ولادته العسيرة؟ وضحوا لنا ذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الطفل الذي ذكرته السائلة أنه مات، وتسأل: كيف يأتي يوم القيامة؟ جوابي على هذا: أننا لا نعلم كيف يأتي هذا الطفل يوم القيامة، ولكن قد ثبت أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، كما قال الله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ). فالحفاة ليس عليهم نعال ولا خفاف، والعراة ليس عليهم ثياب، والغرل جمع أغرل، وهو الذي لم يختن، أي: إن جلدة الختان تعود يوم القيامة. وأما سؤالها: هل لها أجر على ما حصل لها من المشقة على حمله والتعب في وضعه؟ فجوابه أن نقول: إن لها أجراً في ذلك، فإنه لا يصيب المرأة، بل لا يصيب الإنسان، من هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله عنه، حتى الشوكة إذا أصابته وحصل فيها ألم فإنه يكفر به عنه من سيئاته، وإذا صبر واحتسب الأجر من الله كان له مع تكفير السيئات زيادة في حسناته على صبره، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).فالمصائب التي تصيب الإنسان تكفير، ومع الصبر عليها و احتساب الأجر تكون مع التكفير زيادة في الحسنات.

***

228-   المستمعة حصة. م. أ. الرياض تقول في رسالتها: كما نعلم يا فضيلة الشيخ من القرآن الكريم والسنة المطهرة مآل المشركين في الآخرة، سؤالي هو عن أطفالهم الصغار إذا ما ماتوا، ما حكم ذلك يا فضيلة الشيخ؟ أرجو إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا مات أطفال الكفار وهم لم يبلغوا سن التمييز فيُسلموا، وكان أبوه وأمه كافرين، فإن حكمه حكم الكفار في الدنيا، أي: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين؛ لأنه كافر بأبويه، هذا في الدنيا. أما في الآخرة: فالله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أن الله سبحانه وتعالى يختبرهم يوم القيامة بما يشاء من تكليف، فإن امتثلوا أدخلهم الله الجنة، وإن أبوا أدخلهم النار. وهكذا نقول في أهل الفترة ومن لم تبلغهم الرسالات: إنهم إذا كانوا لا يدينون بالإسلام حكمهم في الدنيا حكم الكفار، وأما في الآخرة فالله أعلم بما كانوا عاملين، يختبرون ويكلفون بما يشاء الله عز وجل وما تقتضيه حكمته، فإن أطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار.

***

229-   يقول: جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يشفع للعبد، يقول: يا رب إلى آخره، فكيف الجمع بين ذلك وبين أن القرآن كلام الله غير مخلوق، والحديث فيه أن القرآن يقول: يا رب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث إذا صح- لأن بعض أهل العلم ضعفه، لكن إذا صح هذا الحديث- فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يكون هذا القرآن الكريم يمثل جزاؤه وأجره، يمثل بشيء يتكلم فيتكلم، كما أن الموت- وهو معنى من المعاني- يمثل يوم القيامة على صورة كبش، فيذبح بين الجنة والنار، يشهده أهل الجنة وأهل النار. فالمعنى- الذي هو عمل الإنسان، وهو قراءته، وثواب الإنسان على هذه القراءة- قد يجعله الله شيئاً ينطق ويتكلم ويقول: يا رب، هذا إن صح الحديث.

***

230-     أحسن الله إليكم هل صحيح أن الإنسان الذي يموت يكون إما في سجين وإما في عليين، جزاكم الله خيراً؟

 فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هكذا جاءت به السنة أن الله سبحانه وتعالى يقول في الرجل الفاجر: (اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السابعة السفلى). وإذا كان من الأبرار قال: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين). وهكذا في الآخرة: الناس إما في سجين وإما في عليين، إما في الجنة وإما في النار، قال الله تبارك وتعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ). وقال الله تبارك وتعالى: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ). وإنني بهذه المناسبة أنبه على مسألة يقولها بعض الناس وهم لا يشعرون، وهي أنهم إذا تحدثوا عن شخص مات قالوا: ثم نقل إلى مثواه الأخير، يعنون بذلك القبر، وهذا غلط واضح؛ لأن القبر ليس هو المثوى الأخير، بل المثوى الأخير إما الجنة وإما النار، أما القبر فإن الإنسان يأتيه ثم ينتقل عنه، وما مجيئه في القبر إلا كزائر بقي مدة ثم ارتحل. وقد ذكر أن بعض الأعراب سمع قارئاً يقرأ قول الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ). فقال هذا الأعرابي: والله لنبعثن؛ لأن الزائر ليس بمقيم. ولهذا يجب الحذر من إطلاق هذه الكلمة- أعني: القول بأنه انتقل إلى مثواه الأخير- لأن مضمونها إنكار البعث وأنه لا بعث، ونحن نعلم أن المسلم إذا قالها لا يريد هذا المضمون، لكنها تجري على لسانه تقليداً لمن قالها من حيث لا يشعر، فالواجب الحذر منها والتحذير منها.

***

231-   السائل حميد أحمد من اليمن يقول في هذا السؤال: لدينا طلاب متفقهون في الشرع، ويقولون بأن الله عز وجل سيرى يوم القيامة، فهل هذا صحيح؟ مع الدليل من الكتاب والسنة ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: رؤية الله تعالى يوم القيامة صحيح ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف. فمن أدلة ذلك في كتاب الله قول الله تبارك وتعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فناضرة الأولى بمعنى حسنة، وناظرة الثانية من النظر بالعين، ولهذا أضيف النظر إلى الوجوه التي هي محل الأعين. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين: 15) يعني في ذلك الفجار، وهذا دليل على أن الأبرار يرون الله عز وجل؛ لأن الله تعالى لما حجب هؤلاء في حال سخط كان المفهوم أن الله تعالى لا يحجب هؤلاء في حال الرضا، أعني: الأبرار. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى، وهي الآية الرابعة: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) فإن المزيد ينبغي أن يفسر بما فسرت به الزيادة في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) والذي فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بمراد الله تعالى في كلامه. وأما السنة: فالأحاديث في ذلك متواترة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرى بالعين يوم القيامة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا). والصلاة التي قبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر، والتي قبل غروبها هي صلاة العصر، وهاتان الصلاتان أفضل الصلوات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (من صلى البردين دخل الجنة). وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى تصريحاً بالغاً من أقوى التصريحات فقال: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة عياناً بأبصاركم، كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب). وأمَّا إجماع السلف: فهو أمر مشهور لا يخفى على أحد. ولهذا صرح بعض العلماء بأن من أنكر رؤية الله في الجنة فهو كافر؛ لأنه كذب القرآن والسنة، وخالف إجماع السلف، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً). ولولا أننا نفضل الدعاء للمنكرين على الدعاء عليهم لقلنا: نسأل الله تعالى أن يحتجب عن من أنكروا رؤيته في الآخرة، ولكننا لا نفضل ذلك، بل نقول نسأل الله تعالى الهداية لمن التبس عليه الأمر، وأن يقر ويؤمن بما جاء في الكتاب والسنة. والعجب أن من الناس من ينكر رؤية الله في الآخرة بشبه يأتي بها من القرآن والسنة، أو بشبه عقلية لا أساس لها من الصحة. فمنهم من قال: إن رؤية الله تعالى غير ممكنة في الآخرة؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي). وقرروا دليلهم ذلك بأنّ (لن) تفيد التأبيد والتأبيد، يقتضي أن يكون هذا عامّاً في الدنيا والآخرة، فيكون قوله: لن تراني، أي في الدنيا وفي الآخرة. ولا شك أن هذا لبس وإلباس وتخبيط؛ لأن موسى إنما سأل الله الرؤية في تلك الساعة، بدليل أن الله تعالى قال له: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). وسؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها، إذ لو لم تكن ممكنة عقلاً ما سألها موسى عليه الصلاة والسلام، لكن الإنسان في الدنيا لا يستطيع أن يرى الله عز وجل، وذلك لقصوره وضعفه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا). ويدل لهذا أن الله تعالى لما تجلى للجبل اندك الجبل وهو الحجر الأصم، فكيف يمكن لجسم ابن آدم الضعيف أن يثبت لرؤية الله عز وجل في هذه الدنيا؟ أما في الآخرة فشأنها غير شأن الدنيا، وفي الآخرة من الأمور ما لا يمكن إطلاقاً في الدنيا: دنو الشمس قدر ميل يوم القيامة، لو حدث ذلك في الدنيا لاحترقت الأرض ومن عليها. كون الناس في الموقف يختلفون، يعرقون فيختلفون في العرق: منهم من يصل إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، هذا أمر لا يمكن في الدنيا، لكنه في الآخرة ممكن. كون الناس يمشون على الصراط، وهو كما جاء في مسلم بلاغاً (أدق من الشعر وأحد من السيف) أمر لا يمكن في الدنيا، ويمكن في الآخرة. كون الناس يقفون خمسين ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، حفاة عراة غرلاً، هذا لا يمكن في الدنيا وأمكن في الآخرة. فإذا كانت رؤية الله في الدنيا لا تمكن فإنه لا يلزم من ذلك ألا تمكن في الآخرة، وأما دعواهم أن (لن) تفيد التأبيد فدعوى غير صحيحة، فإن الله تعالى قال في أهل النار: إنهم لن يتمنوا الموت أبداً بما قدمت أيديهم، قال ذلك في اليهود، وقال عن أهل النار يوم القيامة: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) أي: ليهلكنا ويمتنا حتى نستريح، فهنا تمنوا الموت وسألوا الله تعالى أن يقضي عليهم، ولكن لا يتسنى لهم ذلك:( قال إنكم ماكثون). ولهذا قال ابن مالك رحمه الله في الكافية:

ومن رأى النفي بلن مؤبدا            فقوله اردد وسواه فاعضدا

والمهم أن من العقيدة عند السلف الواجبة أن يؤمن الإنسان بأن الله تعالى يرى يوم القيامة، ولكن متى يرى؟ يرى في الجنة إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ، فإن الله تعالى يكشف لهم كما شاء ومتى شاء وكيف شاء، فيرونه في عرصات القيامة، لا يراه الكافرون، يراه المؤمنون والمنافقون، ثم يحتجب الله تعالى عن المنافقين. والخلاصة: أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله تعالى يرى يوم القيامة رؤية حق بالعين، فإن قال قائل: وإذا رئي هل يدرك كما يدرك الرائي وجه مرئيه؟ قلنا: لا,لا يمكن أن يدرك؛ لأن الله تعالى قال: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). والعجب أن المنكرين لرؤية الله في الآخرة استدلوا بهذه الآية على أنه لا يرى، وهو استدلال غريب، فإن الآية تدل على أنه يرى أكثر مما تدل على أنه لا يرى، بل إنه ليس فيها دلالة إطلاقاً على أنه لا يرى؛ لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك أخص من الرؤية، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، بل إنما يقتضي وجود الأعم، فنفي الإدراك دليل على وجود أصل الرؤية، ولهذا جعل السلف هذه الآية من الأدلة على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة، وهو استدلال صحيح واضح.

***

232-   السؤال من أحد الإخوة السودانيين مقيم بالمملكة منطقة الباحة يقول: يذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بأن مصير الموحدين إلى الجنة في نهاية المطاف، وجاء في الحديث: (أنه لا يدخل الجنة قاطع رحم). وأيضاً جاء: (لا يدخل الجنة نمام). فهل الموحدون من هاتين الفئتين لا يدخلون الجنة كما هو ظاهر هذه النصوص؟ أم كيف يكون الجمع بينها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه النصوص وأمثالها من أحاديث أو من نصوص الوعيد هي التي أوجبت بطائفة الخوارج والمعتزلة أن يقولوا بخلود أهل الكبائر في النار؛ لأنهم أخذوا بهذه العمومات ونسوا عمومات أخرى تعارضها، وهي ما ثبت في أدلة كثيرة من أن الموحدين، أو من في قلبه إيمان ولو مثقال حبة من خردل فإنه لا يخلد في النار، كما أن عمومات الأدلة الدالة على الرجاء، وأن المؤمن يدخل الجنة، حملت المرجئة على ألا يعتبروا بنصوص الوعيد، وقالوا: إن المؤمن ولو كان فاسقاً لا يدخل النار، فهؤلاء أخذوا بعمومات هذه الأدلة، وأولئك أخذوا بعمومات أدلة الوعيد، فهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الوسط الذي تجتمع فيه الأدلة، وهو: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان، وأنه مستحق للعقوبة، ولكن قد يعفو الله عنه فلا يدخله النار، وقد يدعى له فيعفى عن عقوبته، وقد تكفر هذه العقوبة بأسباب أخرى، وإذا قدر أنه لم يحصل شيء يكون سبباً لتكفيرها فإنه يعذب في النار على قدر عمله، ثم يكون في الجنة، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. وعلى هذا: فأحاديث الوعيد المطلقة أو العامة كما في الحديثين اللذين أشار إليهما السائل: (لا يدخل الجنة قاطع رحم )،(لا يدخل الجنة نمام) تحمل على أن المعنى لا يدخلها دخولاً مطلقاً، أي: دخولاً كاملاً بدون تعذيب، بل لابد أن يتقدم ذلك التعذيب، إن لم يوجد ما يمحو ذلك الإثم من عفو الله أو غيره، فيكون معنى (لا يدخلون الجنة) أي: الدخول المطلق الكامل الذي لم يسبق بعذاب، وبهذا تجتمع الأدلة.

***

233-   يقول هذا السائل: هل السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة هؤلاء إيمانهم يكون كاملاً, ومن هم الذين يعذبون في النار ويدخلون الجنة؟والذين يبقون في النار خالدين فيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الناس الذين يبقون في النار خالدين فيها فهؤلاء الكفار الذين ليس لهم حسنات، كما قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً). وقد ذكر الله تعالى خلود الكافرين الأبدي في القرآن في ثلاثة مواضع: الأول في النساء في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) والثاني في الأحزاب في قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً). والثالث في سورة الجن في قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وأما أهل المعاصي من المؤمنين فهؤلاء مستحقون لدخول النار والعذاب فيها بقدر ذنوبهم، ولكن قد يغفر الله لهم فلا يدخلون النار، وقد يشفع لهم فلا يدخلون النار. وهناك أناس يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (لا يَسْتَرْقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) .

***

234-     أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، الدليل من الكتاب والسنة على دخول الرجل المسلم العاصي النار ومن ثم خروجه إلى الجنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدليل على هذا أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وردت كثيراً بأن عصاة المؤمنين يدخلون النار، يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، ومنهم من يخرج بالشفاعة قبل أن يستوفي ما يستحقه من عقوبة، ومنهم من يغفر الله له بفضله ورحمته فلا يدخل النار، فعصاة المسلمين ثلاثة أقسام: قسم يغفر الله له ولا يدخل النار أصلاً، وقسم آخر يدخل النار ويعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج، وقسم ثالث يدخل النار ويعذب، ولكن يكون له الشفاعة، فيخرج من النار قبل أن يستكمل ما يستحقه من العذاب.

***

235-     بارك الله فيكم يقول السائل: هل يخلد صاحب الشرك الأصغر في النار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يخلد صاحب الشرك الأصغر في النار؛ لأن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، والذي يخلد به الإنسان في النار- أعاذنا الله منها- هو الشرك الأكبر؛ لقول الله تبارك وتعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). ولكن هل يكون الشرك الأصغر داخلاً تحت المشيئة كسائر الذنوب، أو لابد فيه من توبة؟ هذا يحتمل أن يكون قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) عامّاً للشرك الأصغر والأكبر، أي إنه لا يغفر، لكن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار. ويحتمل أن يقال: إن المراد بالشرك في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الشرك الأكبر، فيكون الشرك الأصغر داخلاً تحت قوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وفضل الله سبحانه وتعالى أوسع مما نتصور، فنرجو أن يكون الشرك الأصغر داخلاً تحت المشيئة. وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى مسألة حول هذه الآية، أعني قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فإن بعض المتهاونين بالمعاصي إذا نهوا عن المعصية قال: إن الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). فجميع المعاصي داخلة تحت مشيئته، فيتهاون بالمعصية من أجل هذا الذي ذكره الله تعالى فيما دون الشرك. فنقول له: أنت على كل حال مخاطر، فهل تعلم أن الله تعالى يشاء أن يغفر لك؟ إنك لا تدري، فربما تكون من الذين لا يشاء الله أن يغفر لهم، فأنت مخاطر، والخطر أمر منهي عنه. ثم إن هناك أدلة أخرى محكمة ليس فيها اشتباه، وهي: وجوب التوبة إلى الله عز وجل، فقد قال الله تبارك وتعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

***

236-   بارك الله فيكم هذا السائل عبد الله العتيبي الطائف الحوية يقول: فضيلة الشيخ هل أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يخلدون في النار أم لا؟ وهل تحل لهم الشفاعة أم لا؟ وكيف يكون ذلك؟ أرجو منكم الإفادة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أهل الكبائر التي دون الكفر لا يخلدون في النار؛ لقول الله تبارك تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وهم من أهل الشفاعة الذين يشفع فيهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وهذا لا يعني أن الإنسان يتهاون بالكبائر، فإن الكبائر ربما توجب انطماس القلب حتى تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة المطففين: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين َ* الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّين ِ* وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فهذا يشير إلى أن القلوب قد يران عليها فترى الحق باطلاً، كما ترى الباطل حقّاً. فعلى الإنسان أن يستعتب من كبائر ذنوبه قبل ألا يتمكن من ذلك، وأن يتوب إلى الله عز وجل.

***

237-   المستمعة من الرياض تقول: هل المسلم إذا دخل الجنة يتعرف على أقاربه الذين في الجنة؟ وهل يذكر أهله بعد موته ويعرف أحوالهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الشق الأول من السؤال، وهو: إذا دخل أحد الجنة هل يتعرف على أقاربه؟ فجوابه: نعم يتعرف على أقاربه وغيرهم من كل ما يأتيه سرور قلبه؛ لقول الله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). بل إن الإنسان يجتمع بذريته في منزلةٍ واحدة إذا كانت الذرية دون منزلته، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). وأما الشق الثاني من السؤال، وهو: معرفة الميت ما يصنعه أهله في الدنيا؟ فإنني لا أعلم في ذلك أثراً صحيحاً يعتمد عليه، ولكن بعض الوقائع تدل على أن الإنسان قد يعرف ما يجري على أهله، فقد حدثني شخص أنه بعد موت أبيه أضاع وثيقةً له، وصار يطلبها ويسأل عنها، فرأى في المنام أن أباه يكلمه من نافذة المجلس ويقول له: إن الوثيقة مكتوبة في أول صفحة من الدفتر الفلاني، لكن الورقة لاصقةٌ بجلدةٍ في الدفتر، فافتح الورقة تجد الوثيقة في ذلك المكان. ففعل الرجل ورآها كما ذكر أبوه، وهذا يدل على أن الإنسان قد يكون له علم بما يصنعه أهله من بعده.

***

238-     أحسن الله إليكم هذا سائل عبد المنعم عثمان من السودان يقول: هل الرجل يتعرف على أولاده في يوم القيامة إذا كانوا سعداء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الأولاد سعداء والأب من السعداء فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) يعني: أن الإنسان إذا كان له ذرية، وكانوا من أهل الجنة، فإنهم يتبعون آباءهم وإن نزلت درجتهم عن الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ) أي: ما نقصنا الآباء (مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) بل الآباء بقي ثوابهم موفراً، ورفعت الذرية إلى مكان آبائها، هذا ما لم يخرج الأبناء عن الذرية بحيث ينفردون بأزواجهم وأهليهم، فيكون هؤلاء لهم فضلهم الخاص ولا يلحقون بآبائهم؛ لأننا لو قلنا: كل واحد يلحق بأبيه ولو كان له أزواج أوكان منفرداً بنفسه، لكان أهل الجنة كلهم في مرتبة واحدة؛ لأن كل واحد من ذريته من فوقه، لكن المراد بالذرية الذين كانوا معه ولم ينفردوا بأنفسهم وأزواجهم وأولادهم، هؤلاء يرفعون إلى منزلة آبائهم ولا ينقص الآباء من عملهم من شيء.

***

239-     حفظكم الله هذه رسالة وصلت من مستمع للبرنامج لم يذكر الاسم، في حالة دخول الزوجين الجنة هل يلتقيان مرة ثانية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم، إذا دخل الرجل وزوجته الجنة فهي زوجته لا تتعداه، وهو أيضاً لا يتعداها إلا فيما أعطاه الله تعالى من الحور العين، أو من نساء الجنة اللاتي ليس لهن أزواج في الدنيا. وإذا كان للمرأة زوجان ودخلا الجنة فإنها تخير بينهما، فمن اختارت فهو زوجها، وفي الحديث أنها تختار أحسنهما خلقاً.

***

240-   رسالة من المستمع ح. م. ص. من جدة بعث بعدة أسئلة، في سؤاله الأول يقول: هل صحيحٌ أن الزوجين إذا كانا صالحين وتوفيا وكانا من أهل الجنة أنهما يكونان زوجين حتى في الجنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا صحيح أنه إذا مات رجل وزوجته وكانا من أهل الجنة فإنها تبقى زوجةً له، قال الله تعالى: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). والذرية شاملة لذرية الزوج والزوجة، فإذا كان الله يلحق بالمؤمنين ذرياتهم فمعنى ذلك أن الزوج والزوجة يكونان سواءً، ويلحق الله بهما ذريتهما، وهذا من كمال النعيم الذي في الجنة، فإنها فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهذا من كمال النعيم كما قلت.

***

241-   فضيلة الشيخ محمد وردتنا الرسالة من المستمع إبراهيم محمد ش. يقول في رسالته لقد عرفنا مصير الرجال في الجنة أن لهم زوجات حوراً عيناً، ويقصد الرجال من المسلمين، ولكن ما مصير النساء في الجنة؟ ألهن أزواجٌ أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله تبارك وتعالى في نعيم أهل الجنة: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)). ويقول تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ومن المعلوم أن الزواج من أبلغ ما تشتهيه النفوس، فهو حاصلٌ في الجنة لأهل الجنة ذكوراً كانوا أم إناثاً، فالمرأة يزوجها الله تبارك وتعالى في الجنة، يزوجها بزوجها الذي كان زوجاً لها في الدنيا، كما قال الله تعالى: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وإذا كانت لها زوجان في الدنيا فإنها تخير بينهما يوم القيامة في الجنة، وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله تعالى يزوجها ما تقر به عينها في الجنة، فالنعيم في الجنة ليس قاصراً على الذكور، وإنما هو للذكور وللإناث، ومن جملة النعيم الزواج. ولكن قد يقول قائل: إن الله تعالى ذكر الحور العين وهن زوجات، ولم يذكر للنساء أزواجاً؟ فنقول: إنما ذكر الزوجات للأزواج؛ لأن الزوج هو الطالب وهو الراغب في المرأة، فلذلك ذكرت الأزواج للرجال في الجنة، وسكت عن الأزواج للنساء، ولكن ليس معنى ذلك أنه ليس لهن أزواج، بل لهن أزاج من بني آدم.

***

242-     بارك الله فيكم هذا السائل أحمد صالح يقول: هل المرأة الصالحة في الدنيا تكون من الحور العين في الآخرة؟ أرجو منكم الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة الصالحة في الدنيا- يعني: الزوجة- تكون خيراً من الحور العين في الآخرة، وأطيب وأرغب لزوجها، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن أول زمرة تدخل الجنة على مثل صورة القمر ليلة البدر.

فضيلة الشيخ : هل الأوصاف التي ذكرت للحور العين تشمل نساء الدنيا في القرآن ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي أن نساء الدنيا يكن خيراً من الحور العين حتى في الصفات الظاهرة والله أعلم، ونحن نقول لأخينا السائل: هذه أسئلة لا وجه لها، أنت إذا كنت من أهل الجنة ودخلت الجنة فستجد فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ستجد فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذه التساؤلات في أمور الغيب هي من التنطع في دين الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون). اصبر يا أخي حتى تدخل الجنة، فستجد ما لا يخطر لك على بال.

***

243-   تقول السائلة ر ق ع في هذا السؤال: ما منزلة المرأة في الجنة مع وجود الحور العين؟ وماذا بالنسبة لزوجها؟ وهل المرأة تصبح زوجة للشهداء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الزوجات يكن مع أزواجهن في الآخرة، يقول الله عز وجل في دعاء الملائكة للمؤمنين: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). ولا شك أن الزوجة مع زوجها في الجنة لها مقام عظيم عالٍ، حتى إن بعض العلماء قال في دعاء الميت: (وأبدلها زوجاً خيراً من زوجها) أن المعنى: أبدلها زوجاً خيراً من زوجها، أي: اجعل زوجها لها في الجنة خيراً مما هو عليه في الحياة الدنيا. ثم إن قول الله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) شامل لكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فليس فيها كدر ولا نصب، ولا هم ولا غم، فلتبشر النساء بالخير، ولتعلم أن الجنة ليس فيها ما في الدنيا من الغيرة والتأذي.

***

244-   وعد الله عز وجل الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم الجنة والحور العين، أرجو أن تعرفونا هل هذا خاص للرجال فقط بالنسبة للحور العين؟

 فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  للرجال و للنساء، وليقرأ السائل قول الله تعالى في سورة الأحزاب: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ) إلى قوله تبارك وتعالى: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).وقوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ). فما ثبت للرجال من الأجور على الأعمال الصالحة فهو ثابت للنساء، وما ثبت من الأوزار على الرجال فهو ثابت للنساء، لكن هناك أحكام تختص بالرجال وأحكام تختص بالنساء بدليل من الكتاب والسنة، فإذا كان هناك دليل يدل على اختصاص الرجال بحكم أو اختصاص النساء بالحكم فليكن هذا على مقتضى الدليل.

***

245-   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يقول: نحن نعلم بأن الله سبحانه وتعالى قد أعد الحور العين لعباده المؤمنين يوم القيامة في الجنة، فإذا كانت هنالك امرأة مؤمنة وأدخلها الله سبحانه وتعالى الجنة برحمته، أما زوجها فلسوء سعيه في الدنيا لم يدخل الجنة، فمن يكون زوجها يومئذٍ؟ أفيدونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: وعلى السائل السلام ورحمة الله وبركاته. والجواب على سؤاله هذا يؤخذ من عموم قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)). ومن قوله تعالى:(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج،؟ أو كان زوجها ليس من أهل الجنة، فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال، وهم- أعني: من لم يتزوجوا من الرجال- لهم زوجات من الحور، ولهم زوجات من أهل الدنيا إذا شاؤوا وشغل ذلك أنفسهم، وكذلك نقول، بالنسبة للمرأة إذا لم تكن ذات زوج، أو كانت ذات زوج في الدنيا ولكن زوجها لم يدخل مع أهل الجنة: إنها إذا اشتهت أن تتزوج فلا بد أن يكون لها ما تشتهيه؛ لعموم هذه الآيات، ولا يحضرني الآن نص خاص  في هذه المسألة. والعلم عند الله تعالى.

***

246-   أحسن الله إليكم هذا سؤال من المستمع سالم غانم عاشور العراق الموصل يقول: قرأت في كتاب للشيخ الإمام الغزالي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الشفاعة، فيمن أخرجهم الله من النار بشفاعته صلى الله عليه وسلم، حين يقول الله تعالى: فرغت شفاعة الملائكة والنبيين وبقيت شفاعتي، فيخرج من النار أقواماً لم يعملوا حسنة قط، فيدخلون الجنة فيكون في أعناقهم سمات، ويسمون عتقاء الله عز وجل. فما مدى صحة هذا الحديث؟ وما معناه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث متفق عليه بمعناه، يعني: أنه قد روى البخاري ومسلم معنى هذا الحديث، إلا أن فيه كلمة منكرة في هذا السياق الذي ذكره الأخ، وهي قوله: (فتبقى شفاعتي). فإن هذه اللفظة منكرة، واللفظ الذي ورد في الصحيحين: (ولم يبق إلا أرحم الراحمين). وإنما كانت اللفظة التي ذكرها السائل منكرة لأن قوله: (وتبقى شفاعتي) عند من يشفع؟ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يشفع إليه، وليس يشفع إلى أحد سبحانه وتعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى).ومعنى هذا الحديث: أن الله سبحانه وتعالى يأذن للرسل والملائكة والنبيين، وكذلك لصالح الخلق، أن يشفعوا في إخراج من شاء من أهل النار، فيخرج من أهل النار من شاء الله، حتى إذا لم يبق أحد تبلغه شفاعة هؤلاء، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، أخرج الله سبحانه وتعالى بهذه الرحمة من شاء، وجعل في رقابهم خواتم على أنهم عتقاء الله سبحانه وتعالى، فيدخلون الجنة، ومعنى قوله: (لم يعملوا حسنةً قط) أنهم ما عملوا أعمالاً صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل، آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيراً قط، وإما أن يكون هذا الحديث مقيداً بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر كالصلاة مثلاً، فإن من لم يصل فهو كافر ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، وهو مخلد في النار أبد الآبدين والعياذ بالله. فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل، فماتوا فور إيمانهم، فما عملوا خيراً قط، وإما أن يكون هذا عامّاً، ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لابد أن يعمل كالصلاة، فإنه لابد أن يصلى الإنسان، فمن لم يصل فهو كافر، لا تنفعه الشفاعة ولا يخرج من النار.

***

247-   الشياطين مخلوقة من نار، أي: نار السموم، وعدهم الله بنار الحميم، فكيف يكون عذابهم وهم خلقوا من نار هل النار التي سيعذبون بها غير التي نعرفها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النار التي يعذب بها الشياطين هي النار التي يعذب بها الكفار من بني آدم، ولا فرق بينهما، والإنسان إذا خلق من الشيء لا يلزم أن يكون هو الشيء، أرأيت نفسك أيها السائل: خلقت من طين، فهل أنت طين؟ من المعلوم أن الجواب: لا، ليس الإنسان بطين، هكذا الشياطين خلقت من نار ولكنها ليست ناراً، وإذا لم تكن ناراً فإنها أجسام لها خصائصها التي خصها الله بها، وإذا كان يوم القيامة فإنها تعذب بالنار.

***