وقفات مع بعض الآيات

عبدالسلام بن سعيد الشمراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الوقفة الأولى " قال تعالى :  وأن إلى ربك المنتهى .

قال ابن القيم الجوزية : " متضمن لكنز عظيم وهو أن كل مراد لم يُرد لأجله ويتصل به فهو مضمحل منقطع ، فإنه ليس إليه المنتهى ، وليس المنتهى إلا الذي انتهت إليه الأمور كلها ، فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه ، فهو غاية كل مطلوب وكل محبوب لا يحب لأجله محبته عناء وعذاب " وكل عمل لا يُراد لأجله فهو ضائع وباطل ، وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه ، فاجتمع ما يراد منه كله في قوله " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه " واجتمع ما يراد له في قوله " وأن إلى ربك المنتهى " .
فليس وراءه سبحانه غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى وتحت هذا أسر عظيم من أسرار التوحيد وهذا القلب لا يستقر ، ولا يطمئن ، ولا يسكن إلا بالوصول إليه وكل ما سواه مما يُحبُّ ويراد فمراد لغيره .
وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات إلى اثنين ، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما يكون إليه ، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعيمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد " .
" إن في القلب شعثاً إلا الإقبال على الله "وفيه وحشة : لا يزيلها إلا الانس به في خلوته وفيه حزن ، لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه وفيه نيران حسرات ، لا يطفئها إلا الرضا بامره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه وفيه طلب شديد / لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والاخلاص له ، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبداً وفيه مرض لا يشفيه إلا لقاء مولاه في يوم المزيد .

الوقفة الثانية / قوله تعالى :ـ

 ففرّوا إلى الله إني لكم منه نذير مبين  .
قيل " من صحَّ فراره صحَّ قراره مع الله " .
قال سيد قطب رحمه الله :
" والتعبير بلفظ الفرار عجيب حقاً ، وهو يوحي بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق التي تشدُّ النفس البشرية إلى هذه الأرض ، وتثقلها عن الإنطلاق ، وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال ، وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والإنشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود ومن ثمَّ يجي التهاف قوياً للإنطلاق والتخلص إلى الله من هذه الأثقال والقيود " أهـ.
ومن اللفتات الجميلة :
أن الله حين ذكر الدنيا قال : " فامشوا في مناكبها " وحين ذكر الذكر فيها قال : " فاسعوا إلى ذكر الله " .
وحين تكلم عن الجنة قال :ـ
 وسارعوا  و  وسابقوا  .
وحين تكلّم عن العليّ العظيم قال :  ففروا إلى الله  .
فبأي شيء يوحي إليك هذا الخطاب ؟

الوقفة الثالثة : قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  .

قال سيد قطب رحمه الله في الظلال :
" الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه ، ويتصلوا به ، الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا . الذين صبروا على فتنة النفس، وعلى فتنة الناس . الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب أولئك لن يتركهم الله وحدهم ، ولن يضيع إيمانهم ولن ينسى جهادهم . إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضاهم ، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم ، وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم ، وسينظر إلى جرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء ".
قال القشيري في كتابه لطائف الإشارات :ـ
من رفع إليهم خطوة نال منهم خطوة ومن ترك فيهم شهوة وجد منهم صفوة .
الذين زينوا ظواهرهم بالمجاهدات حسنت سرائرهم بالمشاهدات . الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف أوصلوا إلى سرائرهم اللطائف .
الذين قاسوا فيهم التعب من حيث الصلوات جازاهم بالطرب من حيث المواصلات .
ويقال :ـ
الجهاد فيه أولاً بترك المحرمات ، ثم يترك الشبهات ، ثم بترك الفضلات ، ثم بقطع العلاقات ، والتنقي من الشواغل في جميع الأوقات .

الوثيقة الرابعة : قوله تعالى :

 نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق إنهم فتية .... الآية  .
إنهم فتية أشداء في أجسامهم ن أشداء في إيمانهم ، أشداء في استنكار ما عليه قومهم ربط الله على قلوبهم فإذا هي ثابتة راسخة ، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت ، معتزة بالإيمان الذي اختارت " إذ قاموا " والقيام حركة تدل على العزم والثبات ، التفت هؤلاء الفتية إلى ما عليه قومهم فاستنكروه ، وفروا بدينهم ، واختاروا الكهف على زينة الحياة .
دروس من الآية :ـ
1) شدة الجسم مع شدة الإيمان مع شدة الاستنكار على أهل الباطل هي صفة المؤمن " المؤمن القوي " .
2) أن الثبات وربط القلب على الإيمان لا يأتي إلا بتلك الصفات .
3) الإطمئنان إلى الحق الذي عرفت "كيف نحن مع ما نعرف من حق " .
4) الاعتزاز بالإيمان الذي اختارت " هل نحن مثلهم " .
5) الفرار بالحق وتفضيله على كل شيء حتى لو كان ذلك مالك أو ولدك أو الدنيا كلها .
" هؤلاء اختاروا الكهف الموحش على زينة الدنيا وذلك لأن سعادتهم كانت في قلوبهم مستقرة معهم في أي مكانٍ عاشوا " .
وأنظر إلى الآية التي بعدها :
 وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا  .
قال سيد رحمه الله :
" وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة ، فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم ويهجرون ديارهم ، ويفارقون أجلهم ن ويتجردون من زينة الأرض ومتاع الحياة . هؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيق الخشن المظلم ، هؤلاء يتروحون رحمة الله ، ويحسون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدة ولفظة "ينشر" تلقي ظلال السعة والبحبوحة والإنفساح فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها ، وتمتد ظلالها ، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء ، إن الحدود الضيقة لتنزاح ، وإن الجدران الصلدة لترق ، وإن الوحشة الموغلة لتشف ، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق إنه الإيمان !!
وما قيمة الظواهر ؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية ، إن هنالك عالماً آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان المأنوس بالرحمن ، عالماً تظله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان " .
وقفة مع قوله تعالى  وإذا اعتزلتموهم  .
- العزلة عن غير الله توجب الصلة بالله ن بل وتحصل الوصلة بالله إلا بعد العزلة عن غير الله .
- ويقال : لما اعتزلوا ما عبد من دون الله وصدق رجوعه إلى الله في أحواله ، ولم يستعن بغير الله من أشكاله وأمثاله ، أواه إلى كنف أفضاله وكفاه جميع أشغاله ، وهيأ له محلاً يتفيؤ فيه في برد ظلاله بكمال إقباله .
وقفة مع قوله  وكلبهم باسط ذراعيه  .
يقول سيد حسين العفاني :
كلب خطا مع أحبائه خطوات ، فإلى يوم القيامة يتلى " وكلبهم باسط.... " الآية .
فهل ترى أن مسلماً يصحب أحبابه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردّهُ يوم القيامة خائباً ؟ !
ويقال :
كلب بسط يده على وصيد الأولياء ، فإلى يوم القيامة يقال : " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " فهل إذا رفعها مسلم إلى الله خمسين سنة ترى يردها خائبة ؟ هذا بكرمه لا يكون .
ويقال :
لما صحبهم الكلب ، لم تضره نجاسة صنعته ولا خساسة قيمته .

أخي /
إن كنت مع الأبرار وفي جوارهم مملوك إلى ديارهم كن في نواصيهن يصوّت بك صوت حاديهم .
حكم حب النبي صلى الله عليه وسلم واجب . عبدالله بن هشام :
1) حديث عمر .
2) حديث أبي هريرة " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إلى أحدكم من والده وولده ومن الناس أجمعين " .
3) عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : " لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليّ من أهله وماله والناس أجمعين".
قال تعالى في سورة التوبة :  قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ... الآية " .

ثمرات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم :ـ

في الدنيا:
1) من أسباب الحصول على حلاوة الإيمان لحديث أنس " ثلاث من كن فيه ... الحديث "
في الآخرة:
2) من أحبه كان معه في الآخرة ، عن أنس " قال متى الساعة ؟
عن عبدالله ابن مسعود " ما تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم قال : " المرء مع من أحب " البخاري ومسلم .
علامات حب النبي صلى الله عليه وسلم :
1) الحرص على رؤيته وصحبته " أبو بكر والهجرة " .خروجهم إلى المدينة في الشمس.
2) بذل النفس والمال دونه .
3) امتثال أوامره واجتناب نواهيه .
4) نصر سنته وشريعته .

* * *