من أقوال السلف في إثبات عذاب القبر ونعيمه

من أقوال السلف في إثبات عذاب القبر ونعيمه

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 
 بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فمن عقيدة أهل السنة والجماعة اثبات عذاب القبر ونعيمه, وشذ عن ذلك طوائف, قال الإمام الأشعري رحمه الله: واختلفوا في عذاب القبر, فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج, ومنهم من اثبته وهم أكثر أهل الإسلام.

للسلف أقوال في اثبات عذاب القبر ونعيمه جمعتُ بعضًا منها, أسأل الله أن ينفع بها

قال ابن مسعود, وأبو هريرة, وأبو سعيد الخدري, رضي الله عنهم, ومجاهد, والحسن البصري, وأبي صالح, والربيع,  رحمهم الله, في قول الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكًا﴾ [طه:124], قالوا: عذاب القبر.

وقال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكًا﴾ اختلف أهل التأويل في الموضع الذي جعل الله لهؤلاء المعرضين عن ذكره العيشة الضنك, والحال التي جعلهم فيها...وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هو عذاب القبر.

وقال الإمام ابن الجوزري رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكًا ﴾ [طه:124] للمفسرين في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال: أحدها: أنها عذاب القبر

قال الإمام القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكًا﴾....وقول رابع: وهو الصحيح أنه عذاب القبر.

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: قوله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكًا﴾ ومجموع ما ذكرنا هنا يرجح تفسير المعيشة الضنكى بعذاب القبر.

وقال البراء بن عازب رضي الله عنه, ومجاهد, وأبو عبيدة, رحمهما الله, في قول الله عز وجل: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾  [السجدة:21] قالا: عذاب القبر.   

وقال الإمام ابن عطية الأندلس رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾ قال مجاهد: عنى بذلك عذاب القبر.

وقال الإمام السيوطي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾ قال أبو عبيدة: عذاب القبر.

وقال العلامة السعدي رحمه الله: هذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر, ودلالتها ظاهرة, فإنه قال: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ ﴾ أي: بعض وجزء منه, فدلّ على أن ثمّ عذابًا أدنى قبل العذاب الأكبر,وهو عذاب النار.

وقال الإمام النووي رحمه الله: اعلم أن مذهب أهل السنة اثبات عذاب القبر, وقد تظافرت عليه دلائل الكتاب والسنة, قال الله تعالى: ﴿ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّا وَعَشِيًّا﴾ وتظافرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم, من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة.  

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور, وهي قوله تعالى: ﴿ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:46] 

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّا وَعَشِيًّا﴾ هذه الآية تدل على عذاب القبر, لأنه بين ما لهم في الآخرة فقال: ﴿ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ﴾ [غافر:46]

وقال العلامة ابن باز رحمه الله: عذاب القبر ونعيم القبر أمر قد أجمع عليه أهل السنة والجماعة, استقر إجماع أهل السنة على أن القبر إما روضة من رياض الجنة, وإما حفرة من حفر النار, وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وعن جماعة من الصحابة كثيرين, كلها تدل على أن القبر صاحبه إما معذب وإما منعم, وأن عذاب القبر شيء معجل لأهله, ونعيم القبر شيء معجل لأهله, ومما دل عليه من كتاب الله قوله عز وجل: ﴿ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ * ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّا وَعَشِيًّا﴾  [غافر:45_46] هذا هو عذاب القبر, ﴿ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر:46] هذا يوم القيامة, نسأل الله السلامة.

وقال العلامة الفوزان: عذاب القبر ونعيمه دلت عليه أدلة من الكتب والسنة, بل قال العلماء: إن الأحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن كذب بالأمر المتواتر يكون كافرًا. ومن أدلة عذاب القبر: قول الله عز وجل في قوم فرعون: ﴿ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّا وَعَشِيًّا وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر:46] فقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّا وَعَشِيًّا هذا في القبر.

وقوله تعالى: قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ﴾ [السجدة:21] العذاب الأدنى هو عذاب القبر, والأكبر هو عذاب يوم القيامة.

وقال الإمام أبو بكر الآجري رحمه الله: عن البراء بن عازب في قول الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ [إبراهيم:27] قال: نزلت في عذاب القبر.

وعن زاذان في قوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ﴾  [الطور:47] قال: عذاب القبر.

وقال علي بن عبدالله المديني رحمه الله: نؤمن بعذاب القبر, ونقول: إنه حق, وإن هذه الأمة تفتن في قبورها.

وقال الإمام ابن أبي عاصم رحمه الله في  كتاب " السنة ": باب عذاب القبر, ثم ذكر عدة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في إثبات ذلك.   

وقال الإمام الطحاوي رحمه الله: ونؤمن...بعذاب القبر لمن كان له أهلًا, وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه, على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعن الصحابة رضوان الله عليهم, والقبر روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النيران.

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب " الأبانة في أصول الديانة ": باب الكلام في عذاب القبر, وأنكرت المعتزلة عذاب القبر أعاذنا الله منه, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة, وروي عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين, وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده, فوجب أن يكون إجماعًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام ابن بطه العكبري رحمه الله في كتاب " الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" : الإيمان بعذاب القبر, وبمنكر ونكير, قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه البراء: (( استعيذوا بالله من عذاب القبر )) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يقعد الميت في قبره )) وقال: (( لو نجا أحد من ضمة القبر, لنجا سعد بن معاذ ))

وقال الإمام البربهاري رحمه الله في كتاب " شرح السنة": والإيمان بعذاب القبر...والإيمان بأن الميت يُقعد في قبره, ويرسل الله فيه الروح حتى يسأله مُنكر ونكير عن الإيمان وشرائعه, ثم يسُلُّ روحه بلا ألمٍ.

وقال الإمام قوام السنة الأصفهاني رحمه الله في كتاب " الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة" : فصل: في الرد على من أنكر عذاب القبر. ثم أورد عدة أحاديث في إثبات عذاب القبر.

وقال الإمام المزني رحمه الله في كتاب "شرح السنة": ثم هم بعد الضغطة في القبور مُساءلون

وقال الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب: "الاقتصاد في الاعتقاد": والإيمان بعذاب القبر حق واجب, وفرض لازم, رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب, وأبو أيوب, وزيد بن ثابت, وأنس بن مالك, وأبو هريرة, وأبو بكرة, وأبو رافع, وعثمان بن أبي العاص, وعبدالله بن عباس, وجابر بن عبدالله, وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, وأختها أسماء, وغيرهم.

وقال الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في كتاب " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ": سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير, وأن عذاب القبر حق, والإيمان به واجب.

وقال الإمام ابن البناء الحنبلي رحمه الله: في كتاب " الرد على المبتدعة ": باب الإيمان بعذاب القبر...ثم ذكر مجموعة من الأحاديث في اثبات ذلك

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة, وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وولإيمان بالقدر خيره وشره....ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت, فيؤمنون بفتنة القبر, وبعذاب القبر ونعيمه.

وقال أحمد بن قاسم _ صاحب أبي عبيد _ قلت: يا أبا عبدالله [أحمد بن حنبل]  تُقرّ بمنكر ونكير وما يُروى من عذاب القبر؟ فقال: سبجان الله ! نُقرُّ بذلك ونقوله.

وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا, وسؤال الملكين, فيجب اعتقاده ثبوت ذلك, والإيمان به....وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة, تنعم النفس, وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به

اعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ, فكل من مات وهو مستحق للعذاب للعذاب ناله نصيبه منه, قُبِرَ أو لم يُقبر, أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا, ونُسف في الهواء, أو صُلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور.

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: عذاب القبر ثابت بالقرآن، والسنة، والحسِّ.

وقال العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك: والإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه من الإيمان بالغيب, لأن الله ستر عن الخلق أحوال أهل القبور, وربما كشف لمن شاء بعض ذلك.

وقال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: يجب الإيمان...بما دل عليه النص من الكتاب والسنة من القبر يُعذب أهله فيه, ويُنعم أهله فيه, فما بين معذّّب ومنعم, وما بين معذّب دائمًا, وما بين منعم دائمًا, وهذا هو الأصل في الإيمان بعذاب القبر.

وختامًا فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه, أن رجلًا قال له: إن قومًا يكذبون بعذاب القبر, فقال: لا تجالسوهم.

فيا خسارة من كذب بعذاب القبر ونعيمه, قال الإمام الآجري رحمه الله, في كتابه "الشريعة ", بعد أن ذكر مجموعة من الأحاديث في إثبات عذاب القبر ونعيمه. قال: ما أسوأ حال من كذب بهذه الأحاديث, لقد ضلّ ضلالًا بعيدًا, وخسر خسرانًا مبينًا.


كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ