اَلِاسْتِقَامَةُ بَعْدَ رَمَضَانَ

اَلِاسْتِقَامَةُ بَعْدَ رَمَضَانَ ([1])

 

محمد بن ابراهيم بن سعود السبر

  

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالِاسْتِقَامَةِ، وَبَشَّرَ مَنِ اسْتَقَامَ بِالسَّلَامَةِ، وَعَدَمِ الْخَوْفِ فِي الدُّنْيَا وَالْحُزْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقوا اللَّهَ -مَعَاشِرَ المُؤمنينَ- وَاعْتَبَرُوا فِي سُرْعَةِ مُرُورِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهَا بِمُرُورِهَا تَأْخُذُ مِنْ أَعْمَارِكُمْ، وَتُطْوَى بِهَا صَحَائِفُ أَعْمَالِكُمْ، وَهَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدِ انْصَرَمَ، ذَهَبَتْ أَيَّامُهُ الْمُبَارَكَةُ وَلَيَالِيهِ الشَّرِيفَةُ، وَفَازَ فِيهِ مَنْ فَازَ، وَخَسِرَ مَنْ خَسِرَ، وَسَبَقَ فِيهِ إِلَى الْخَيْرَاتِ مَنْ سَبَقَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْكَرَامَاتِ بَعْدَ رَمَضَانَ: لُزُومَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالِاجْتِهَادَ فِي التَّقَرُّبِ إِلَى الْمَلِكِ الدَّيَّانِ؛ فَرَبُّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ بَاقِي الشُّهُورِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَيُدَاوِمَ عَلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَيَتَحَرَّزَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الظُّلُمَاتِ وَوَحَلِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.

عِبَادَ اللهِ: لقد بَشَّرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُسْتَقِيمِينَ عَلَى طَاعَتِهِ بِالْجِنَانِ، وَأَمَّنَهُمْ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالنِّيرَانِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: طُوبَى لِمَنِ اسْتَقَامَ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَتَمَسَّكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ، طُوبَى لِمَنِ اجْتَهَدَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَ أَوْقَاتَهُ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَصُنُوفِ الطَّاعَاتِ، خَاصَّةً فِي أَزْمِنَةِ الْفِتَنِ وَالْمُهْلِكَاتِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِمَّا يُعِينُ الْعَبْدَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى: الدُّعَاءَ، فَلْيُدَاوِمِ الْعَبْدُ عَلَى دُعَاءِ رَبِّهِ أَنْ يَرْزُقَهُ الثَّبَاتَ عَلَى الْهُدَى، وَلْيَسْأَلْ مَوْلَاهُ الْإِعَانَةَ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْحِفْظِ مِنَ الرَّدَى؛ قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَمِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى لُزُومِ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى دِينِ اللهِ: التَّصَبُّرُ وَالتَّعَفُّفُ عَنِ الْحَرَامِ، قَالَ النَّبِيُّ: «مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ ‌يَتَصَبَّرْ ‌يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَاجِهَ الْمُهْلِكَاتِ بِالتَّصَبُّرِ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَأَنْ يَتَعَفَّفَ عَنِ الْحَرَامِ، وَلَا يُقَارِبَ حِمَاهُ فَيَقْتَحِمَهُ، وَلَا يَتَسَاهَلَ مَعَ مُقَدِّمَاتِهِ حَتَّى لَا تُهْلِكَهُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

وَإِنَّ مِمَّا يُعِينُ الْعَبْدَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ أَنْ يُرَاقِبَ اللهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَيَجْتَهِدَ فِي عِبَادَاتِ السِّرِّ وَالْخَفَاءِ، فَهِيَ مِنْ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ وَالشَّيْطَانَ وَالْهَوَى، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللهِ تَعَالَى؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

فَاتَّقُوا اللَّهَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَاسْتَقِيمُوا عَلَى دِينِكُمْ، فَرَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ دِينُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الَّلهُمَّ عَلَيْكَ تَوَكُّلُنَا وَاعْتِمَادُنَا، فَثَبِّتْنَا عَلَى نَهْجِ الْاِسْتِقَامَةِ، وَأَعِذْنَا مِنْ مُوجِبَاتِ النَّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ يَاذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطبةُ الثَّانية

الحمْدُ للَّهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ؛ فَاتَّقَوْا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَبْذُلُونَ أَسْبَابَ الِاسْتِقَامَةِ وَقَبُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْهُمْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ فَاللهَ اللهَ بِدِينِكُمْ، تَمَسَّكُوا بِهِ، وَاحْذَرُوا مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَائِرِ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ كُنْ لَنَا وَلَا تَكُنْ عَلَيْنَا، وَانْصُرْنَا وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْنَا، وَامْكُرْ لَنَا وَلَا تَمْكُرْ عَلَيْنَا، وَاهْدِنَا وَيَسِّرِ الْهُدَى لَنَا، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَدِمْ نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِي بِلَادِنَا، اللَّهمَّ وَفِّقْ خَادَمَ الحَرَمينِ الشَريفينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي رِضَاكَ، يارَبِّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ: أُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

 

(1) خطبة الجمعة 8/10/1447هـ للشيخ محمد السبر https://t.me/alsaberm