نزاعات الشركاء؛ الوقاية والعلاج

نزاعات الشركاء؛ الوقاية والعلاج

كتبه المحامي د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر في 24/ 11/ 1447

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 

الشراكة في عالم الأعمال فيها نوع شبه من الزواج، ولذا يطلق عليه البعض بالزواج الاستثماري؛ فالشراكة تبدأ بتطلعات وردية وتوسع مدروس، لكنها قد تصطدم بواقع النزاعات التي قد تعصف بالكيان التجاري بأكمله.

الدور الأول: الدور الوقائي

يأتي دور المحامي في رحلة الاستثمار عبر الوقاية من النزاع، وتقليل آثاره بعد وقوعه، وأهم الأساليب الوقائية التي يعمل عليها المحامي كـ "طبيب استباقي" لحماية الشركة من النزاعات المستقبلية، وهي ركائز أساسية لأي عمل تجاري مستدام:

1)  اختيار نوع كيان الشركة

إن نظام الشركات وضع عددا من الأنواع، بحيث يختار الشركاء الملائم لهم، فالشركة ذات المسؤولية المحدودة تستخدم في الشركات ذات الأنشطة غير المعقدة، التي لا يتوقع فيها نزاعات قريبة، مثل الشركات العائلية ونحوها، وأما شركات المساهمة المبسطة فهو نوع رائع ابتكره النظام الجديد، ويتناسب مع التوسعات ويسهل التخارجات، كما أن للمساهمة المقفلة والمفتوحة وشركات التضامن وشركة التوصية البسيطة كل نوع منها له استخدامه، ويتناسب مع بعض الشركات دون بعض.

2)  التفصيل عند صياغة عقود تأسيس أو نظام أساس "حسب نوع الشركة" (Customized Articles)

إن أكبر خطأ يقع فيه الشركاء استخدام نماذج العقود الجاهزة، وهذا منتشر بين المحامين قليلي الأهلية، والذين يعتمدون على الوافدين البعيدين عن فهم الواقع القانوني والاستثماري السعودي، وكذا الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في صياغة العقود. إن المحامي المميز يتدخل لصياغة بنود خاصة تتناسب مع طبيعة النشاط، مثل:

-      الشروط الخاصة (الجعلية) التي سمح بها نظام المحاكم التجارية ونظام الإثبات ونظام المعاملات المدنية ونظام المرافعات السعودي، والتي تحمي من النزاعات وتسهل إجراءات حلها بعد وقوعها. وقد كتبت مقالا منشورا عن بعض تلك الشروط.

-      وضع آلية اتخاذ القرار: تحديد المسائل التي تتطلب إجماعاً والمسائل التي تكفي فيها الأغلبية.

-      توزيع المهام: صياغة وصف وظيفي قانوني لكل شريك لتجنب تداخل الصلاحيات.

-      توضيح آلية التخارج والتقييم.

3)  وضع "اتفاقية المساهمين" (Shareholders' Agreement)

مما يلجأ له المحامي وضع اتفاقية داخلية بين المساهمين، وهي اتفاقية جانبية أكثر تفصيلاً من عقد التأسيس أو النظام الأساس حسب نوع الشركة، وتتضمن حلولاً لمواقف حرجة قد تسبب نزاعات، مثل:

التأكيد على حق الشفعة:

بحيث يمنع دخول شريك غريب إلا بعد عرض الحصص أو الأسهم على الشركاء الحاليين، مع آلية تقييم عادلة للطرفين

التأكيد على حق السحب (Drag-along Right) – "حماية الأغلبية"

هذا الحق يمنح المساهم الأكبر (الأغلبية) القدرة على إجبار مساهمي الأقلية على بيع حصصهم معه إذا تلقى عرضاً لشراء الشركة بالكامل.

التأكيد على حق الدفع أو "الالتحاق" (Tag-along Right) – "حماية الأقلية"

هذا الحق يعمل لصالح صغار المساهمين (الأقلية). فإذا قرر المساهم الأكبر بيع حصته لطرف ثالث، يحق للمساهم الأصغر "الالتحاق" بالصفقة وبيع حصته بنفس السعر والشروط.

4)    هندسة "مخارج الطوارئ" (The Buy-Sell Provisions)

المحامي يضع نصوصاً قانونية في الحالات الطارئة للشركة:

-        وفاة أحد الشركاء أو عجزه أو نحو ذلك

-        رغبة أحد الشركاء في الانسحاب المفاجئ.

-        الجمود الإداري (Deadlock): وضع آلية قانونية ملزمة لكسر التعادل في التصويت (مثل تعيين مرجح أو خيار "المزايدة" بين الشركاء).

5)     حوكمة الإدارة والرقابة

يعمل المحامي على بناء نظام رقابي داخلي يمنع الشكوك بين الشركاء من خلال:

-        تحديد صلاحيات المدير المالية والإدارية بدقة (مثل سقف المبالغ التي يحق له صرفها دون رجوع للشركاء).

-        وضع آلية دورية واضحة لـ التقارير المالية وحق الاطلاع على السجلات.

6)    تنظيم العلاقة مع الأقارب (في الشركات العائلية)

إذا كانت الشركة عائلية، يقوم المحامي بصياغة "ميثاق العائلة" الذي يفصل بين العاطفة والعمل، ويحدد قواعد توظيف الأبناء وتوزيع الأرباح، مما يمنع انتقال الخلافات العائلية إلى أروقة الشركة.

7)    شرط التحكيم (Arbitration Clause)

يحرص المحامي على إدراج شرط لجوء للتحكيم بدلاً من القضاء ؛ لضمان سرعة الفصل في أي خلاف مستقبلي وبسرية تامة، مما يحافظ على سمعة الشركة واستمرار عملياتها دون تعطيل.

8)    دور "الخبير" في الحوكمة

المحامي لا يحصر دوره في الوقاية من النزاعات القانونية عند بداية الشركة فحسب، بل يستمر دوره التطويري بعد ظهور النزاعات بحيث يعيد هيكلة الشركة قانونياً لضمان عدم تكرار النزاع، وذلك من خلال تحديث لوائح الحوكمة الداخلية وتوضيح مسارات اتخاذ القرار بشكل يمنع التصادم مستقبلاً.

9)    آخر العلاج للنزاعات

في حالات الانسداد الكامل (Deadlock)، يتيح النظام خيارات قانونية مثل:

·      خيار الشراء (Buy-sell agreement): حيث يشتري أحد الشركاء حصة الآخر بناءً على تقييم عادل.

·      تصفية الشركة: وهو الخيار الجراحي الأخير في حال استمرار النزاع بما يعيق ممارسة النشاط.

الدور الثاني: الدور العلاجي للنزاعات

يتحول دور المحامي في نزاعات الشركاء من مجرد "مترافع" أمام القضاء إلى مهندس حلول ومخطط استراتيجي لحماية الكيان التجاري. ويمكن تلخيص أدواره الجوهرية في النقاط التالية:

1)    التشخيص القانوني وتحديد الموقف

أول خطوة يقوم بها المحامي هي فحص "الموقف القانوني" لكل طرف. يقوم بمراجعة عقد التأسيس، قرارات الجمعية العمومية، وسجلات المحاضر، ليحدد:

-        هل هناك مخالفة فعلية لنظام الشركات أو لعقد التأسيس أو النظام الأساس أو وثيقة ملزمة للشركاء؟

-        هل تجاوز أحد الشركاء صلاحياته ؟

-        ما هي نقاط القوة والضعف في موقف كل طرف قبل التصعيد؟

2)    تفعيل استراتيجية "التفاوض الوقائي"

المحامي الناجح هو من يمنع وصول النزاع إلى أروقة المحاكم. يعمل هنا كـ مفاوض محترف يسعى للوصول إلى تسوية ودية (Settlement) تضمن استمرار الشركة، أو تخارجاً هادئاً يرضي جميع الأطراف، مما يوفر على الشركاء سنوات من التقاضي ومصاريف قضائية باهظة.

3)    صياغة اتفاقيات التخارج (Exit Strategies)

في حال استحال الاستمرار، يقوم المحامي بصياغة اتفاقية "فض الشراكة" أو "بيع الحصص". هذا الدور بالغ الحساسية، حيث يضمن:

-        التقييم العادل للحصص.

-        نقل الملكية وإبراء الذمم بشكل قانوني سليم.

-        وضع بنود "عدم المنافسة" لحماية أسرار الشركة وعملائها بعد انفصال الشريك.

4)    الحماية القضائية والتدابير المستعجلة

قد يصل النزاع لطريق مسدود، وفي هذه الحال يمكن للمحامي طلب التدابير التحفظية، مثل:

-        طلب تعيين "حارس قضائي" لإدارة الشركة مؤقتاً ومنع الشريك المسيطر من العبث بالأصول.

-        إيقاف تنفيذ قرارات غير نظامية صادرة من مجلس الإدارة.

-        رفع دعاوى "المسؤولية" ضد المدير المقصر أو المتجاوز.

وختاما فإننا نوضح للقارئ الكريم الحقائق الآتية:

إن دور المحامي الوقائي هو تحويل "التوقعات الشفهية" بين الشركاء إلى "نصوص قانونية ملزمة" لا تقبل التأويل.

إن المحامي في نزاعات الشركاء هو صمام أمان؛ يحمي حصتك المادية، ويحافظ على سمعتك التجارية، ويضمن أن ينتهي النزاع بأقل قدر من الأضرار القانونية والمالية.

والنزاع بين الشركاء ليس نهاية المطاف، بل هو اختبار لمرونة الهياكل القانونية للشركة. إن التعامل مع هذه الخلافات بعقلية قانونية باردة، والتركيز على لغة الأرقام والنصوص بدلاً من العواطف، هو ما يفرق بين شركة تنهار وأخرى تخرج من الأزمة أكثر تنظيماً وقوة.