|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فقد جرى نقاش
عن القول بنسبة قحطان لإسماعيل، فبينت أنه قول معتبر وله أدلته، فحررت ما
ذكرت في هذا المقال.
قال ابن عبد
البر الاندلسي « يشهد لقول من جعل قحطان وسائر العرب من ولد إسماعيل عليه
السلام قول رسول الله...» وذكر الحديث الذي في البخاري وسيأتي.
وجزم الأشعري
في كتابه بأن العرب من ولد إسماعيل مستدلًا بقول الله تعالى: «ملة أبيكم
إبراهيم».
وقال
القلقشندي: وأما قحطان عند أهل العلم فهو ابن *الهميسع بن يمن بن نبت بن
قيدرا بن إسماعيل* عليه السلام.
ويرى الإمام
أبو عبيدة: نسبة قحطان إلى إسماعيل عليه السلام.
ومن قالوا
بذلك استدلوا بما يأتي:
1)
من الأدلة التي استدلوا بها قوله تعالى:﴿وَجَاهِدُوا فِي
اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ
الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا
عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ
الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ٧٨﴾ [الحج:78] وهذا الخطاب في الآية موجه
(للمهاجرين والأنصار- القحطانيون) ، وهذا بيان واضح على إسماعيلية قحطان.
2)
وقد اشتهر رأي الإمام البخاري رحمه الله في نسب القحطانيين،
ففي صحيح البخاري (3507) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا
سَلَمَةُ رضي الله عنه قَالَ: ( خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ
أَسْلَمَ يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ فَقَالَ ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ
فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ لِأَحَدِ
الْفَرِيقَيْنِ، فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ؟
قَالُوا: وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ. قَالَ: ارْمُوا
وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ). وبوّب عليه البخاري بقوله: " بَابُ نِسْبَةِ
الْيَمَنِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ، مِنْهُمْ أَسْلَمُ بْنُ أَفْصَى بْنِ
حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنْ خُزَاعَةَ " انتهى.
وعلق صاحب
كتاب نسب الأساعدة على تبويب البخاري بقوله: وهو ما ذكره الزبير بن بكار في
كتابه (النسب) ومال إليه الحافظ ابن حجر، وذلك للحديث الصحيح أن النبي ﷺ مر
على قوم من بني أسلم –وهم كما يذكر أهل النسب من الأزد، والأزد من قحطان-وهم
يتناضلون فقال: ((ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً))، ولقول أبي
هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين مخاطباً الأنصار –وهم من الأزد لما
ذكر قصة هاجر أم إسماعيل-: (فتلك أمكم يا بني ماء السماء)، ولأدلة أخرى ليس
هذا موضعها.)
وقال الإمام
العيني عند حديث (*ارموا بني إسماعيل*): وفي الحديث دلالة على رجحان قول من
قال من أهل النسب إن اليمن من ولد إسماعيل وأسلم من قحطان.
وقال ابن حجر
العسقلاني عند حديث (ارموا بني إسماعيل): وزعم الزبير بن بكار إلى أن قحطان
من ذرية إسماعيل وأنه *قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل* عليه
السلام، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدم في قصة هاجر حيث قال وهو يخاطب
الأنصار «*فتلك أمكم يا بني ماء السماء*» هذا هو الذي يترجح في نقدي... ثم
قال: (( وذلك أن عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين قحطان
متقارب من عدد الآباء بين المشهورين من الصحابة وغيرهم وبين عدنان، فلو كان
قحطان هو هودا أو ابن أخيه أو قريبا من عصره لكان في عداد عاشر جد لعدنان
على المشهور أن بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة.
وقال: وقد
جمعت مما وقع لي من ذلك أكثر من عشرة أقوال، فقرأت في كتاب النسب لأبي رؤبة
على محمد بن نصر فذكر فيه فصلا في نسب عدنان فقال: «قالت طائفة هو :*ابن أد
بن أدد بن زيد بن معد بن مقدم بن هميسع بن نبت بن قيدار بن إسماعيل*». )).
وبيان ذلك أن
الأنباط عرب. ويذكر علماء اللغة والآثار أنّ النقوش النبطيّة اشتملت على
ألفاظ عربيّة كثيرة، ممّا يؤكّد أنّهم عرب. وحينما سئل عليّ رضي الله عنه
عن نسب قريش قال: "من كان سائلاً عن نسبتنا فإنّا نبط من كوثى". وقد رجّح
البخاريّ رحمه الله أنّ النبيّ ﷺ من ذرّيّة نابت بن إسماعيل، وهو الذي مال
إليه ابن إسحاق في السيرة. فالأظهر أنّ الأنباط من نابت بن إسماعيل،
وأنّهم استولوا على مملكة قيدار بعد أن كانوا ضمن رعاياها. والأزد من نبت
بن إسماعيل، وقد يتداخل نبت مع نابت من حيث أصول الكلمة، لكنّ الأرجح
أنّهما أَخَوَان من ولد إسماعيل، وليس اسمين لشخص واحد.
علما بأن
باليمن من ليس من ذرية قحطان وبالتالي ليس من ذرية إسماعيل. وكان أبو عمرو
بن العلاء يقول: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم
بعربيتنا". (طبقات فحول الشعراء ١/ ١١).
وإتماما
للبحث نشير للقول الأشهر وهو أن قحطان ليس من ذرية إسماعيل عليه السلام
مستدلين بما يأتي:
1)
رواه الإمام أحمد في "المسند" (43 / 307) عَنْ عَائِشَةَ: (
أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا رَقَبَةٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ
سَبْيٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ خَوْلَانَ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ
مِنْهُمْ، فَنَهَانِي النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ سَبْيٌ مِنْ مُضَرَ مِنْ
بَنِي الْعَنْبَرِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَعْتِقَ مِنْهُمْ ).
2)
وروى البخاري (2543) ومسلم (2525) عن جَرِير، عَنْ
عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ
ثَلاَثٍ، سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ
يَقُولُ: ( هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، قَالَ: وَجَاءَتْ
صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا،
وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا
فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ).
قال الحافظ
ابن حجر رحمه الله تعالى: " قوله: ( وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ
عَائِشَةَ )، أي: من بني تميم. والمراد بطن منهم أيضا. وقد وقع عند
الإسماعيلي من طريق أبي معمر عن جرير: ( وكانت على عائشة نسمة من بني
إسماعيل، فقدم سبي خولان، فقالت عائشة: يا رسول الله! أبتاع منهم؟ قال: لا.
فلما قدم سبي بني العنبر، قال: ابتاعي فإنهم ولد إسماعيل )...
وفيه الرد
على من نسب جميع اليمن إلى بني إسماعيل، لتفرقته ﷺ بين خولان وهم من اليمن،
وبين بني العنبر وهم من مُضر " "فتح الباري" (5/ 172 - 173).
وقال ابن حزم
رحمه الله تعالى: " وأما قحطان، فمختلف فيه من ولد من هو؟ فقوم قالوا: هو
من ولد إسماعيل عليه السلام. وهذا باطل بلا شك، إذ لو كانوا من ولد
إسماعيل، لما خص رسول الله ﷺ بنى العنبر بن عمرو بن تميم بن مرّ بن أدّ بن
طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان بأن تعتق منهم عائشة، إذ
كان عليها نذر عتق رقبة من بنى إسماعيل. فصحّ بهذا أنّ في العرب من ليس من
ولد إسماعيل. وإذ بنو العنبر من ولد إسماعيل، فآباؤه بلا شك من ولد
إسماعيل؛ فلم يبق إلاّ قحطان وقضاعة " "جمهرة أنساب العرب" (ص7).
قال ابن كثير
رحمه الله تعالى: " قيل: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم،
عليهما السلام والتحية والإكرام. والصحيح المشهور: أن العرب العاربة قبل
إسماعيل، وقد قدمنا أن العرب العاربة منهم؛ عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأميم،
وجرهم، والعماليق، وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله. وكل هؤلاء كانوا قبل
الخليل عليه الصلاة والسلام، وفي زمانه أيضا. فأما العرب المستعربة: وهم
عرب الحجاز، فمن ذرية إسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام. وأما عرب اليمن:
وهم حِمْيَر؛ فالمشهور أنهم من قحطان، واسمه مهرم. قاله ابن ماكولا… وقيل:
إن قحطان من سلالة إسماعيل عليه الصلاة والسلام، حكاه ابن إسحاق وغيره...
وقد ترجم البخاري في "صحيحه" على ذلك، فقال: "باب نسبة اليمن إلى إسماعيل
عليه السلام". حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن يزيد بن أبي عبيد، حدثنا سلمة
رضي الله عنه قال: ( خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق
فقال: ارموا بني إسماعيل، وأنا مع بني فلان - لأحد الفريقين - فأمسكوا
بأيديهم فقال: ما لكم؟ ! قالوا: وكيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ فقال: ارموا
وأنا معكم كلكم ) انفرد به البخاري... قال البخاري: وأسلم بن أفصى بن حارثة
بن عمرو بن عامر من خزاعة، يعني: وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ،
حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه، وكانت الأوس والخزرج منهم.
وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام: ( ارموا بني إسماعيل )، فدل على أنهم من
سلالته.
وتأوله آخرون
على أن المراد بذلك جنس العرب، لكنه تأويل بعيد؛ إذ هو خلاف الظاهر بلا
دليل. لكن الجمهور على أن العرب القحطانية، من عرب اليمن وغيرهم: ليسوا من
سلالة إسماعيل ". "البداية والنهاية" (3 / 100).
وفي كتاب
الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ قال ابن تيمية رحمه
الله: (والناس متفقون على أن عدنان من ولد إسماعيل، وأما قحطان فقال بعضهم
هم أيضا من ولد إسماعيل، والصحيح أنهم كانوا موجودين قبل إبراهيم بأرض
اليمن ومنهم جرهم الذين سكنوا مكة ومنهم تعلم إسماعيل العربية). والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين