|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فقد تخفف الناس من العزائم والولائم مع حث الشرع عليها.
فقد صح عن عبد الله بن عمرو؛ أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي
الإسلام خير؟ قال ((تطعم الطعام. وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف))
أخرجه البخاري 28 ومسلم (39)
وعن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم انجفل الناس
عليه، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان
أول شيء سمعته يقول: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا
والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.أخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجة (1334)،
وأحمد (23784) واللفظ له.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اعبدوا
الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)) قال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (1855) واللفظ له، وأحمد (6587)
ومع ارتفاع الأسعار، نذكر المحبين للأعمال الصالحة بقول ابن تيمية النميري
-رحمه الله- :-
(( جَمْعُ النّاسِ لِلطَّعامِ فِي العِيدَيْنِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ
سُنَّةٌ ، وهُوَ مِن شَعائِرِ الإسْلامِ الَّتِي سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
لِلْمُسْلِمِينَ )). مجموع الفتاوى [٢٩٨/٢٥].
فهنيئا لأهل الكرم، والمبادرين بجمع الأحباب والأصحاب.
ولا سرف في إطعام الطعام:
فقد صح عن حمزة بن صهيب عن أبيه رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه
لصهيب: "أيٌّ رجلٍ, أنت لولا خصالٍ, ثلاث فيك!
قال: وما هُنّ؟
قال: اكتنيتَ وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سَرَفٌ
في الطعام - أي تكثر من إطعام الطعام-.
قال صهيب: أمّا قولك: اكتنيتَ ولم يولد لك، فإنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم كنّاني أبا يحيى.
وأمّا قولك: انتميت إلى العرب وأنت من الروم، فإنّي رجل من النّمر بن
قاسط، فسبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام قد عرفت نسبي.
وأمّا قولك: فيك سرفٌ في الطعام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: خياركم من أطعم الطعام". السليلة الصحيحة للألباني رحمه الله (44).
والتكلف للضيف مشروع للقادر، فيشرع إكرام الضيف حسب حال المضيف وقدرته، وهو
حق من حقوقه لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ
كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ رواه
البخاري(6018)، ومسلم (47).
وإكرام الضيف يكون بحسب قدرة المضيف وملاءته المالية وسعة وقته، فقد أكرم
إبراهيم عليه السلام ضيوفه بحجل سمين حنيذ، قال الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ
فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ* فَرَاغَ إِلَى
أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا
تَأْكُلُونَ الذاريات/24– 27.
وقال الله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
هود/69.
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
" في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه [القرى هو ما يقدم للضيف] ،
فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جِدَة، ولا يتكلف
ما يضر به ""تفسير القرطبي" (11/159).
وقال ابن بطال رحمه الله تعالى:
" التكلف للضيف، لمن قدر على ذلك: من سنن المرسلين، وآداب النبيين، ألا ترى
أن إبراهيم الخليل ذبح لضيفه عجلا سمينًا " "شرح صحيح البخاري" (9/311).
وقد ضرب رجال الأنصار أروع الأمثلة على الإكرام والإيثار فقد ثبت أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ لَيْلَةٍ
- فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ
بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ،
قَالَ: وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي
أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا ، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ
الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ
الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ
يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ
إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ
قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا
مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ
وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ ، فَذَبَحَ لَهُمْ،
فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا..." رواه
مسلم (2038).
وبوب البخاري في "الصحيح" بابا: " بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ
لِلضَّيْفِ".
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" وترجم المصنف في الأدب باب: " صنع الطعام والتكلف للضيف "، وأشار بذلك
إلى حديث يروى عن سلمان في النهي عن التكلف للضيف ، أخرجه أحمد وغيره بسند
لين.
والجمع بينهما: أنه يقرب لضيفه ما عنده، ولا يتكلف ما ليس عنده، فإن لم يكن
عنده شيء، فيسوغ حينئذ التكلف بالطبخ ونحوه""فتح الباري" (4/211).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
" وقد روى عن السلف كراهة التكلف للضيف لما ذكرناه - والله أعلم - لما عليه
فيه مشقة، فأما بما قدر عليه : فمن السنن، قد ذبح إبراهيم لأضيافه عجلا
""إكمال المعلم" (6/ 511).
وقال النووي رحمه الله تعالى:
" وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف ، وهو محمول على ما يشق على صاحب
البيت مشقة ظاهرة ، لأن ذلك يمنعه من الإخلاص ، وكمال السرور بالضيف، وربما
ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف ، وقد يُحضِر شيئا يعرف الضيف من حاله
أنه يشق عليه ، وأنه يتكلفه له ، فيتأذى الضيف لشفقته عليه، وكل هذا مخالف
لقوله ﷺ: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)؛ لأن أكمل إكرامه
إراحة خاطره وإظهار السرور به ""شرح صحيح مسلم" (13/213).
والتكلف بالتسلف والتكثير بالتبذير والإسراف مذموم بلا خلاف.
روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (13/126) بإسناده عن سلمان: " أنه أضافه قوم
فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لاَ تكَلَّفُوا لِلضَّيْفِ ؛
لتكلفنا لكم".
ورواه الإمام أحمد في "المسند" (39/136) بلفظ: " لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ
اللهِ ﷺ نَهَانَا، أَوْ لَوْلَا أَنَّا نُهِينَا، أَنْ يَتَكَلَّفَ
أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ ؛ لَتَكَلَّفْنَا لَكَ".
وقال محققو المسند: "حديث محتمل للتحسين بمجموع طرقه".
وقال الشيخ الألباني: " الحديث قوي بمجموع طرقه، ولاسيما ويشهد له عموم
حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ )
أخرجه البخاري""السلسلة الصحيحة" (5/570).
ورواه الحاكم في "المستدرك" (4/123)، بإسناده عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ:
" دَخَلْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي عَلَى سَلْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فَقَرَّبَ إِلَيْنَا خُبْزًا وَمِلْحًا ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﷺ نَهَانَا عَنِ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفْتُ لَكُمْ.
فَقَالَ صَاحِبِي: لَوْ كَانَ فِي مِلْحِنَا سَعْتَرٌ ؟!
فَبَعَثَ بِمِطْهَرَتِهِ إِلَى الْبَقَّالِ ، فَرَهَنَهَا ، فَجَاءَ
بِسَعْتَرٍ ، فَأَلْقَاهُ فِيهِ .
فَلَمَّا أَكَلْنَا قَالَ صَاحِبِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَنَعَنَا
بِمَا رَزَقَنَا.
فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْ قَنَعْتَ بِمَا رُزِقْتُ ، لَمْ تَكُنْ
مِطْهَرَتِي مَرْهُونَةً عِنْدَ الْبَقَّالِ!" .
وقال الحاكم: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ،
وَلَهُ شَاهِدٌ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ"، ووافقه الذهبي.
وترك التكلف للضيف طاعة للنبي ﷺ-، فإن التكلف للضيف ولغيره مذموم في كتاب
الله، قال تعالى: وما أنا من المتكلفين. ومذموم في سنة وسول الله ﷺ ، فقد
تقدم قول سلمان رضي الله عنه:
* نَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَتكلَّفَ للضَّيفِ* صححه الألباني رحمه الله
في السلسلة الصحيحة: 5/512. وخير الهدي هديه ﷺ.
والتكلف هو عمل الشيء بكلفة، كمن يقترض أو يضيق على نفسه واهله أو يشق
على نفسه وأهله
ليظهر كريما أمام الآخرين.
قال سعيد بن جبير: «صنعت لابن عباس وأصحابه ألوانا من الطعام والخبيص..
فقال لي: يا سعيد إنا قوم عرب، فاصنع لنا مكان هذه الألوان: الثريد، ومكان
هذه الأخبصة: الحيس، ولولا أنك رجل منا أهل البيت ما قلت لك». «الجوع»
لابن أبي الدنيا (262).
قال البيهقي: «هذا يدل على ترك التصنع مع الناس، وعلى استعمال الصدق معهم
في الضيافة وغيرها، خلاف ما عليه بعض الناس من التصنع بالكذب، وإعداد ذلك
من جملة العشرة، وبالله التوفيق والعصمة». «شعب الإيمان» ٩٤/١٧.
وروى البخاري في «الأدب المفرد» -وغيره من الأئمة- بسند صحيح عن ابن سيرين
قال: «كانوا يقولون: لا تكرم صديقك بما يشق عليه».
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين