الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسوله ومصطفاه أما بعد:
ففي ليلة ٢١ من رمضان سنة ١٤٤٧ صلى بجانبي الشيخ عدنان عبدالقادر، وهو من
مشايخ الكويت ودعاتها المعروفين، وله عناية بمقاصد السور، فنبهني إلى مقاصد
سورة الكهف، فكتبت ما علق من كلامه مع توسع في الاستدلال .
أولا: قراءة الكهف كل جمعة تمنح قارئها نورا للجمعة التي تليها، والنور
يبدد ظلمات الفتن.
فقد صح في قراءة سورة الكهف حديث أبي سعيد الخدري قال: "من قرأ سورة الكهف
ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق". رواه الدارمي
(3407). صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (6471).
وفي حديث آخر "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين
الجمعتين". رواه الحاكم (2 / 399) والبيهقي (3 / 249). قال ابن حجر في
"تخريج الأذكار": حديث حسن، وقال: وهو أقوى ما ورد في قراءة سورة الكهف. "
فيض القدير " (6 / 198). وصححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (6470).
وفيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة
الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم
القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين". قال المنذري: رواه أبو بكر بن مردويه
في تفسيره بإسناد لا بأس به. " الترغيب والترهيب " (1 / 298).
قال ابن هانئ: وخرجت مع أبي عبد اللَّه ( الإمام أحمد) إلى مسجد الجامع،
فسمعته يقرأ سورة الكهف، ففهمت من قراءته: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ
ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}.
"مسائل ابن هانئ" (1964)
وكان الإمام أحمد - يقرأ الكهف في الطريق للجامع "المغني"٢/ ٦١٠
قال ابن تيمية رحمه الله: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ذكرها
أهل الحديث والفقه لكن هي مطلقة يوم الجمعة ما سمعت أنها مختصة بعد العصر
والله أعلم) مجموع الفتاوى (24/ 215).
ثانيا: أول سورة الكهف نجاة من فتنة الدجال.
فقد روى الإمام مسلم (809) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ،
قَالَ: (مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ
مِنَ الدَّجَّالِ). وروى مسلم (7560) وأبو داود عن النواس بن سمعان رضي
الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : (فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ
فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ) زاد أبو داود (4323) :
(فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ) وصححه الألباني في "سلسلة
الأحاديث الصحيحة" (582).
والجوار هو الأمان والحافظ . "مرقاة المفاتيح"(8/3457).
ثالثا: في سورة الكهف بيان العصمة من الفتن من أول السورة لآخرها، والفتن
المذكورة في سورة الكهف:
١- فتنة الظلم (أصحاب الكهف)
٢- فتنة مجالسة أهل الشرف بدلا عن الصالحين، (واصبر نفسك…)
٣- فتنة الشهوات (المال ونحوه) قصة صحاب الجنتين
٤- فتنة الفخر بالأنساب (فخر إبليس بأصله من نار.
٥- فتنة العلم (قصة الخضر)
٦- فتنة المنصب (قصة ذي القرنين)
فناسب أن قراءتها تعطي النور العاصم من الفتن، وأولها يعصم من فتنة الدجال.
والفتن ظلمات تغطي القلب، وسورة الكهف فيها من النور ما يبدد الظلمات،
ودليل كون الفتن ظلمات حديث عن حُذَيْفَة قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
يَقُولُ : ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا
عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ،
وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى
تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ : عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا
تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ
أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا
يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) .
رواه مسلم ( 144 ) .
مرباداً : الذي في لون رُبدة ، وهي بين السواد والغبرة .
كالكوز مجخياً : كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال .
قال النووي – رحمه الله - :
قال القاضي رحمه الله – أي : القاضي عياض - : شبَّه القلب الذى لا يعي
خيراً : بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه .
وقال " صاحب التحرير " – وهو محمد بن إسماعيل الأصبهاني - : معنى الحديث :
أن الرجل إذا تبع هواه ، وارتكب المعاصي : دخل قلبَه بكل معصية يتعاطاها :
ظلمةٌ ، وإذا صار كذلك : افتُتن ، وزال عنه نور الإسلام ، والقلب مثل الكوز
، فإذا انكب : انصب ما فيه ، ولم يدخله شيء بعد ذلك .
" شرح مسلم " ( 2 / 173 ) .
وقال ابن القيم – رحمه الله - :
والفتن التي تُعرض على القلوب هي أسباب مرضها ، وهي فتن الشهوات ، وفتن
الشبهات ، فتن الغي والضلال ، فتن المعاصي والبدع ، فتن الظلم والجهل ،
فالأولى : توجب فساد القصد والإرادة ، والثانية : توجب فساد العلم
والاعتقاد .
" إغاثة اللهفان " ( 1 / 12 ) .
وفي رواية لمسلم (763): " ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى،
فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ: اللهُمَّ اجْعَلْ فِي
قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ
يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي
نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا ، أَوْ
قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا.
قال الشيخ محمد بن علي بن آدم الإتيوبي، رحمه الله : "الأظهر عندي أنه ﷺ
كان يقول هذا الدعاء في سجوده، وعند فراغه من صلاته، وحينما يخرج إلى
المسجد، فبهذا تجتمع الروايات، واللَّه تعالى أعلم."البحر المحيط الثجاج"
(16/41).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.