اطبع هذه الصفحة


هل يأمن أطفالك على لعبهم؟ (متكأ تربوي)

حسين بن رشود العفنان
@huseenafnan

 

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

هل يأمن أطفالك على لعبهم؟ (متكأ تربوي)
 

(1)
***


هل يأمن أطفالك على لُعَبِهم؟ فإنّا قد سَمِعْنا بطفل يلعب بنعال أهله حين يرمونها مُقذّرة عند عتبة الباب ، ساعده في ذلك حرمان أسود حوَّل به الجمادات إلى سيارات صاخبة ، وفرسان يتقاتلون.
وحين يُكْتشف يُحقَّر وتُتلى على رأسه المواعظ الطويلة القاتلة : دراستك أولى ، والألعاب للأطفال فقط وأهل الفراغ والعَطَالة ، أنت تريد أن تجعلنا حديثا فاضحا بين الناس ، انظر إلى ابن عمك (فلان) رجل ثقيل لا يعرف طرقك الطفولية الهازلة!
 

(2)
***


هل يَأْمن أطفالك على لُعَبِهم؟ فإنّا قد سمعنا بطفل يتقاتل مع أخيه سنين طويلة على جهاز إلكتروني قديم ، وكم انتهى يومهم بجراح لا تَأْسو ، وأنين يُسهر العيون!
ولأمهم ـ التي تملك مالا حَفِيلا ووقتا عَرِيضا ـ قدرةٌ عظيمة في الدُّخول بينهما وبين صُراخِهما ، ولها سعة بال وصبر على الحوارات الحادّة الدامية ، لكنها لم تفكر لحظة بشراء جهاز آخر ، أو خلق بدائل تمتصُّ نشاطهم في داخل بيتها أو خارجه ، أو ترتيب جدول يُظهر العدل والرحمة ، ويطفئ الحقد الكبير في هاتين الرُّوحينِ الطاهرتين!
 

(3)
***


هل يأمن أطفالك على لعبهم ؟ فإنَّا قد سمعنا بطفل جعلته أمّه أبا صغيرا ، وحمّلته هما كبيرا ، وهو مازال في فجر حياته ، تُحذِّره قبل كل جَمْعة ألاّ يفرّط في ألعابه وأن يَحْفظها من الأطفال الغرباء الذين سيحضرون بعد ساعة مع أمهاتهم ، فيعيش الطفل في صراعات وعداوات وصراخ ودموع ، في وقت تغرق فيه أمُّه مع صديقاتها في ضَحِكها العالي وانشراحها الكبير!
 

(4)
***


هل يأمن أطفالك على لعبهم ؟ فإنّا قد سمعنا بطفل بُلِيَ بإخوة أخذوا سلطة بيته ، وقفزوا على مكان أبيه وأمّه ، وصاروا يديرون أيّامه بظلم وغيرة وحسد واضطراب ..
فلُعَبُه تُنزع أو تحطّم أو تُوهب لغريب زائر ، وعينه تنظر وقلبه يبكي.
فما أشدَّ هذا على طفل غِرٍّ بريء قد غفل عنه مُعينه من أب أو أمٍّ! ولن ينسى هذا الضعيف ـ وإن مشت فيه الحياة وشاب رأسه ـ سارقَ طفولته القصيرة التي لن تعود!
 

(5)
***


هل يأمن أطفالك على لعبهم ؟ فإنّا قد سمعنا بطفل يَتَطلّبُه أهله أن يقوم بأمور تعجز عنها الآلة البَاهِظة المُتقنة ، لا بدّ من درجات عاليات وأدب رفيع ونوم مبكر وسكون كسكون الحائط حتى تلعب.. حتى تمارس طفولتك !
نراه يركض خلف سيارة أهله وهي ذاهبة إلى الملاهي ، ودموعه مبحوحة وصوته كسير ، ونسأل :
ـ لِمَ تُركتَ هنا ؟
ـ حرموني الذهاب!
ـ السبب؟
ـ حصلت على 89% وهم يريدون أكثر!
ـ وذهبوا بمن ؟
ـ بابن أختي..
ـ كم حصّل؟
ـ 70%
ـ والسبب؟
ـ لا أدري!
 

(6)
***


هل يأمن أطفالك على لعبهم ؟ فإنَّا قد سمعنا بطفل لم يستمتع بلعبة جديدة في حياته قطُّ ، فهو لا يأخذ سوى بقايا أخيه الكبير وحُطامَه ، فنظامهم الذي يسيرون عليه منذ أن عقل أمر الدنيا أن الألعاب الجديدة للكبير فقط ، وحين تُعاف أو تُكسر أو يُتَضايق منها ، فإنها تنتقل دون تردد إليه!
ظنّ ذلك سنة ربّانيّةً !
 

(7)
***


هل يأمن أطفالك على لعبهم ؟ فإنَّا قد سمعنا بطفل يلعب دون انقطاع ، ودون عين تَرْقبه ، وعقل يفقهه ويفقه لعبته الساحرة ، يقطع الليل كله أمامها حتى إذا ظهر الفجر نام وتخلّف عن ركب الحياة ، لا يحضر جلسات الأسرة ولا طعامها ولا شرابها إلا في نادر الأيام ، عرف الكثيرين عبر (شاشتها الإلكترونية) ولقفَ أخلاطا من العادات واللفظات ، وكم أعتدي على جسده الصغير الطاهر ، وكم شُوِّهَ تصوّره عن دينه وفطرته!
لكن رحمة البيت الجاهلة تتركه على هواه المُهلك حتى لا يتعقد!
فاللهم إنا نعوذ بك من الغفة !


(8)
***


هل يأمن أطفالك على لُعبهم ؟ هل عقلك مغروسٌ بين أبنائك وإن أبعدك عنهم ركضك خلف لقمتهم؟ هل ترى حاجاتهم الصغيرة أمرا عظيما؟ هل نراك في محل الألعاب وأمام رفوفه قد لبست وجها رَزِينا ، غارقا في تفكير عميق ، وتقليبِ رأي ، حتى تخرج بِلُعَبٍ تحفظ بها طفولة أولادك ؟ هل يعرف أبناؤك ميزان عدلك بأنه لا يَحِيف ، وأن اللعبة تُشترى بعناية للصغير والكبير؟ هل بَنَيتَ فيهم القُنوع والرضا ، فلا ثورانَ أمام كلِّ شيء يرونه في يد غيرهم ؟ هل هم أحرار في لعبهم وفي التصرف بها ؟ هل قول " لا " كشرب الماء ؟ هل صنعت لهم مواقيت مرنة للّعب ، فلا فوضى ولا تسلُّط ؟
إذن أبشر بقرَارَتِهم النفسيّة ، وعافيتهم العقلية ، وقوتهم في حفظ حقوقهم ، وفي تعفُّفِهم عن أشياء غيرهم ، وكرمهم على أبنائهم وأقاربهم وأباعدهم ، وأبشر بنسلهم المنير فالحسنة تجرّ أختها ، وأبشر بضحكات ستعيش بعدك لا تعلمها لكنها ستكون ـ بفضل ربٍّ كريم ـ في ميزان حسناتك في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون !
 


 

حسين العفنان
  • عَرف قصصي
  • عَرف نثري
  • عَرف نقدي
  • عَرف مختار
  • واحة الأدب
  • الصفحة الرئيسية