صيد الفوائد saaid.net
                                                                             
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • المكتبة الصوتية
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات
  • - القصص
  • مقالات
  • - فتاوى
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    سلسلة { اعترافات فتاة } (5)

     
    سلسلة { اعترافات فتاة } (1)
    سلسلة { اعترافات فتاة } (2)
    سلسلة { اعترافات فتاة } (3)
    سلسلة { اعترافات فتاة } (4)
     

    - 29 -

    حتى هي .. كانت تتألم

    - ماذا تريدين أن تطلبي..؟
    - آآآ .. لا أعرف.. وجبة برغر دجاج.. كلا.. كلا.. برغر لحم..


    - .. بدون جبن؟
    - ممم.. لحظة.. كلا.. لا أريد برغر لحم.. أريد قطع الدجاج..


    - يووووه.. هيفاء!! هيا بسرعة نريد أن نطلب الآن..
    - طيب.. اصبري شوي.. خليني أفكر...


    - أففففف.. استغفر الله.. الطلب معك مأساة..
    - لماذا تصرخين علي هكذا ..؟ لم أقل شيئاً..


    فصرخت أريج بقوة وهي تمسك بسماعة الهاتف:
    - وأنا أيضاً لم أقل شيئاً.. هيا اطلبي.. ذبحتينا.. ألا يكفي أنني سأشتري لك على حسابي وأيضاً (تنفخين)؟!


    شعرت بالكره لنفسي وأنا أهان لهذه الدرجة..
    - خلاص.. لا أريد شيئاً.. تمنين بهذه الوجبة.. لا أريدها.. اهنئي بها.. لا أريد منك شيئاً..


    اشتد الصراخ بيننا وخرجت غاضبة من غرفتها.. دائماً تنتهي لحظاتنا السعيدة بسرعة.. وتحل مكانها الشجارات والإهانات وجروح القلب العميقة..

    كانت أريج تكبرني بعامين فقط..
    وكان من المفترض أن نكون صديقتين.. لكن بدلاً من ذلك أجدنا نتحول لندتين على الدوام..


    كانت أريج ذات شخصية قوية باهرة.. فهي دائماً في مركز القوة..
    في المدرسة.. كانت دائماً الأكثر تفوقاً..
    وفي الاجتماعات الأسرية.. كانت محط الأنظار بحديثها.. وبالكلمات التي تلقيها والمسابقات التي تعدها..
    بل وحتى بالأطباق اللذيذة التي تعدها..


    أمام أريج.. كنت لا شيء..
    كنت الأخت الصغيرة التي تظل دوماً طفلة مقارنة بأختها الناضجة..
    حتى قي المدرسة..
    أينما أذهب كان شبح أريج يلاحقني..
    ما أن تدخل الفصل إحدى المعلمات في أول أيام الدراسة.. حتى تبادر بسؤالي: أخت أريج؟؟
    لا يتم تعريفي بهن إلا بأخوة (أريج) المتفوقة..
    حتى لو فكرت أن أكون متفوقة وحاولت بقدراتي – المختلفة عن قدرات أريج – أن اجتهد.. فأنا لا شيء مقارنة بأريج..
    لو حاولت أن أظهر في الإذاعة المدرسية وألقي موضوعاً بشكل عادي كما تفعل البنات.. فسأبدو ركيكة ومضحكة مقارنة بأريج ذات الإلقاء المبهر..


    ضعفت شخصيتي يوماً بعد يوم تحت ثقل شخصية أختي..
    حتى أصبحت أكره الاجتماعات الأسرية.. أكره المدرسة..
    أكره أي مكان تتواجد فيه أريج..
    وذات مرة قررت أن آخذ دورة في معهد للغة الانجليزية..
    كنت فقط أريد أن أجرب الحياة في مكان لا توجد فيه أريج.. وشبحها الذي يحطمني..
    وافقت أمي.. وكذلك أبي..
    وبدأت في الدراسة خلال الصيف..
    كانت المعلمة لطيفة.. ومجموعة الطالبات متناسقة رغم اختلاف أعمارهن..
    بدأت أنسجم وأحب المكان.. وبدأ نجمي بالبزوغ بين هذه المجموعة..
    كنت أعلاهن مستوى.. وكانت المدربة تحفزني كثيراً..
    اعتبرتني نجمة الفصل.. وعينتني مساعدة لها كي أساعد الطالبات على فهم بعض المعاني..
    وكانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أشعر بها بأنني مميزة.. و.. فتاة جيدة..
    لاحظت أمي تغير نفسيتي.. وفرحتي بالمعهد والدراسة فيه..
    لكنها لم تكن لتعرف السبب.. ولا لتشعر به أصلاً..


    وذات يوم فوجئت بأريج تدخل علي في غرفتي فرحة.. وتخبرني أن والدي وافق على أن تسجل هي أيضاً معي!!!
    نزل الخبر على رأسي كالزيت الحار..
    لاااا.. حتى هذا!.. حتى المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالتميز ستأتي لتنافسني فيه.. ليس هناك فراغ واحد في حياتي يخلو منها؟؟!!
    هل سيلاحقني شبحها حتى هناك..
    رددت عليها بابتسامة صفراء باهتة.. دون أن أقول لها شيئاً..
    لم يكن هناك من داع لأن أتكلم..
    فأنا أعلم أنها هي أيضاً لا دخل لها بما يحصل.. فهي والحق يقال طيبة.. وأنا أعرف ذلك جيداً.. لكني سئمتها.. تعبت من المقارنة بها.. تعبت من محاولة الوصول لمستواها..
    لا أحد يهتم بي حين تكون موجودة.. ولا أحد يحادثني باهتمام حين تتحدث..
    فماذا أفعل..
    أقفلت غرفتي علي وبدأت أبكي.. وأبكي..
    أبكي لأن أحداً لا يشعر بي.. ولا يهتم بمشاعري
    أنا.. لا أمي.. لا أبي.. لا أخوتي.. ولا معلماتي.. أنا أمامهم لا شيء..
    لقد تعبت من التحطيم.. من التهميش.. إلى متى.. إلى متى يستمر ذلك..
    سمعت طرقاً للباب.. وبغضب صرخت..
    - من؟


    - هيفاء.. ممكن تفتحين؟

    - لا أريد أحداً.. أنت بالذات لا أريدك.. اذهبي.. أيتها الأفعى..!

    سكتت أريج تماماً..

    لا أعرف كيف خرجت تلك الكلمات من فمي عليها.. كنت أشعر بالغضب الشديد وأشعر أنها هي السبب في تعاستي.. كنت أتخيلها كأفعى تلتهم كل أشيائي الجميلة..

    ساد الصمت.. حتى اعتقدت أنها ذهبت..
    فإذا بصوتها ينساب من خلف الباب بأسى..
    - خلاص.. خلاص يا هيفاء.. أنا لن أسجل في الدورة..


    يا إلهي.. هذا معناه أنها سمعت بكائي قبل قليل.. وسمعت كلامي وتذمري.. مسكينة...
    لكنني لم أحاول أن أتراجع أو أبدي أي انكسار.. فتحت الباب لها بقوة.. ووجهي أحمر.. والدموع لا يزال أثرها على وجهي..
    - ماذا تريدين؟


    - هيفاء أنا آسفة.. لم أعتقد أن تسجيلي سيضايقك..

    - ما شاء الله؟! الآن.. الآن فقط أحسست بذلك؟.. للتو تحسين بنفسك وأنت تلاحقيني طوال عمري..؟!

    فجأة رأيت الدموع في عينيها..
    - حرام عليك يا هيفاء.. لماذا تعاملينني هكذا؟.. لماذا أنت قاسية علي؟.. دائماً أشعر أنك تكرهينني.. تحتقرينني.. كل الناس يحبونني إلا أنت.. دائماً تشعرينني بنظراتك بأن من العيب أن أكون متفوقة أو نشيطة.. نظراتك الحادة دائماً تربكني وتشعرني أني تافهة وغبية.. حتى أمام زميلاتي.. كثيراً ما أحرج حين أحادثك في المدرسة فأجدك تردين علي بكل برود ولا مبالاة.. لماذا تعاملينني بكل هذه القسوة.. أنا.. أنا .. لم أفعل شيئاً لك..
    كانت دموعها وعبراتها تسبقها وهي تتحدث..


    شعرت بعطف شديد عليها.. هل فعلاً كنت أعاملها بقسوة وكأنها تافهة جداً؟.. نعم.. لقد كنت أفعل ذلك.. لكن لم أعرف أنها تشعر بذلك.. مسكينة..
    جلست تبكي على سريري وقد وضعت رأسها بين كفيها.. فاقتربت منها ومسحت على كتفها..
    - لا بأس.. يمكنك أن تسجلي في المعهد..


    نظرت إلي باستغراب.. وابتسمت..
    - أي معهد أي بطيخ.. لقد نسيته أصلاً..


    فابتسمت وضحكت..

    منذ ذلك اليوم قررنا أن نبدأ صفحة جديدة من علاقتنا ببعضنا.. وتحولنا من ندتين إلى صديقتين.. أصبحت أصارحها بكل ما أشعر به تجاهها وهي كذلك.. ولم تعد هناك الكثير من الآلام المحبوسة في القلوب.. ولا تلك الرسميات والمشاعر الحساسة..

    - ماذا ستطلبين؟
    - برغر دجاج.. كلا لحم..
    - بسرعة ذبحتينا..
    - طيب.. خلاص.. وجبة قطع دجاج..
    - حرام عليك هذه الوجبة غالية.. تعرفين أني سأدفع..
    - لا بأس ادفعي.. فأنا أشتهيها اليوم.. لن يضيع المال الذي تضعينه في بطن أختك..
    - يااااااااالله تستاهلين ولا يهمك.. لكن ترى إذا نقصت الفلوس تدفعين.. طيب؟



    **
    مجلة حياة العدد (61) جمادى الأول 1426هـ
     



    - 30 -


    لا شيء ينتهي.. وبابه مفتوح


    كان يوماً صيفياً حاراً.. وريح السموم على أشدها في الرياض..
    فتحت جود نافذة الغرفة..
    - أفف " اختنقنا" من المكيف!
    قفزت بسرعة لأغلق النافذة..
    - هييييييييه! ماذا تريدين أن تفعلي .. هل جننت؟ تفتحين النافذة في هذا الحر؟
    سكتت ومطت شفتيها ثم رمت بنفسها على سريري بتثاقل..
    - أفففف.. ملل.. ما كنها عطلة.. الناس مسافرة ومستانسة.. وحنا.. هنا.. طفش..
    كنت على وشك أن أتكلم.. لكني آثرت الصمت وأنا أقلب الكتاب الشيق الذي بين يدي..
    أخذت تتقلب في ملل.. ثم قفزت فجأة..
    - فطوم! ما رأيك أن نذهب لبيت عمتي لنملأ المسبح ونسبح مع البنات؟ ما رأيك؟
    مددت شفتي للأمام.. فلم تكن الفكرة تعجبني..
    - كلا .. لا أحب.. تعرفين.. بيتهم مليان شباب.. ولا أضمن أن لا يتلصصون علينا..
    - أفففف.. أنت معقدة ..!
    نظرت إليها بهدوء وقلت وأنا أبتسم..
    - حبيبتي.. كم مرة قلت " أففف" منذ دخلت الغرفة؟!
    - أففففف.. حتى الـ" أفففف" صارت محسوبة علينا!
    وخرجت غاضبة من الغرفة..
    كانت جود أصغر فرد في عائلتنا.. ورغم أن فارق السنوات بيننا لا يتجاوز الست سنوات.. إلا أن الفارق في الشخصية كبير جداً.. والفجوة بيننا واسعة..
    منذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نرى أسرتنا مثالا للأسرة الصالحة المحافظة ولله الحمد..
    أمي إنسانة تخاف الله وربتنا منذ طفولتنا على الأخلاق الفاضلة.. وكذلك أبي .. فرغم انشغاله إلا أن تربيته الصارمة والمحبة في نفس الوقت كان لها أثر كبير على استقامتنا ولله الحمد..
    لكن الحال مع جود كان مختلفاً.. فلكونها آخر العنقود كان والداي يدللانها ويعاملانها معاملة خاصة جداً..
    فهي الوحيدة التي كان لها الحق في السهر لساعات متأخرة حتى في أوقات المدارس.. كما أنها استطاعت ببكائها وشكواها المستمرة أن تقنعهما بإدخالها مدرسة خاصة.. وحتى لباسها للأسف.. كانت أمي تنصاع لها وتسمح لها بارتداء ما لم يكن يسمح به لنا..
    غضبنا أنا وأخواتي واعترضنا كثيراً، لكن دون جدوى للأسف.. فقد بدا واضحاً حجم الاختلاف الكبير بيننا.. ففي الوقت الذي نستمتع فيه بسماع أشرطة المحاضرات كانت جود لا تستطيع المذاكرة إلا مع سماع الأغاني ..
    وما يحرق فؤادي هو رضا أمي عنها وعدم معارضتها لها.. حتى والدي كان دائماً يعتبرها طفلة ومسكينة وبريئة..
    والحقيقة هي أن جود كانت بالفعل قادرة على الاستحواذ على قلبيهما.. فهي دائمة الالتصاق بهما.. وتخدمهما بشكل متواصل.. وتدللهما في الكلام.. وتشتري لهما الهدايا.. كانت ماكرة.. أو حنونة.. جداً ..
    حاولت كثيراً أن أنصحها.. أن أوجهها.. لكني يأست منها.. فقد كانت دائماً تصد عني .. وتعتبرني " عقدة" .. ولا تريديني أن أنصحها بأي كلمة..
    وذات يوم طلبت جود من أمي أن تذهب لمدينة الألعاب بصحبة صديقاتها.. وأخذت تلح عدة أيام حتى وافقت لها أمي .. وحين علمت بذلك عارضت كثيراً..
    - أمي كيف تسمحين لها.. ستذهب مع فتيات لا تعرفين أخلاقهن.. أرجوك.. كيف تسمحين لها؟
    لكن أمي كانت تهدئني .. وتقول أن الأمر عادي.. والمكان نسائي ..
    - لكن يا أمي .. هي لا تزال في المرحلة المتوسطة.. كيف تذهب لوحدها؟
    - اذكري الله يا ابنتي .. لا تكوني هكذا.. الأمر بسيط كل البنات يذهبن لوحدهن..
    - أمي أنا رأيت صديقاتها حين ذهبت لمدرستها ذات يوم.. والله يا أمي لو رأيتهن لما ارتحت لمنظرهن.. حتى العباءة لا يعترفن بها.. بل يخرجن شبه كاشفات مع سائقيهن.. كيف تتركينها تخرج معهن..
    - وما دخلها بهن..؟ فاطمة .. خلاص أنهي الموضوع.. " كلها" ساعتين وسوف ترجع بإذن الله.. لم القلق؟
    حاولت وحاولت.. لكن عبثاً..
    فاستسلمت.. وسكتُ على مضض وقلبي يشتعل من الألم.. لأني بدأت أشعر أن أختي ستضيع من بين يدي إن استمر هذا التهاون.. إن لم يكن الآن ففي المستقبل القريب..
    وذهبت.. وهي تضرب الأرض بكعبها وتحدجني بنظرة كلها تحدي وانتصار.. ذهبت وهي ترتدي تلك التنورة الجنز القصيرة ذات الحزام المعدني المتدلي.. والمكياج يملأ وجهها الطفولي ..
    حشرت نفسها في عباءتها الضيقة وخرجت تتمايل..


    **

    كنا جالسين نتناول عشاءنا الخفيف المفضل الخبز واللبن.. حين نظرت والدتي للساعة..
    - غريبة! الساعة تسعة ونصف.. وجود لم ترجع..
    التفت والدي نحوها وقال..
    - لماذا؟.. متى قالت أنها ستعود؟
    - قالت قبل العشاء.. يعني في الثامنة تقريباً..
    - اتركيها فربما استمتعت وتريد اللعب أكثر..
    كنت أنظر لهم وأنا صامتة تماماً.. فقد قررت أن لا أسأل عنها ولا أتدخل بها أبداً..
    صمت والدي قليلاً ثم سأل..
    - مع من قالت أنها سترجع..؟
    - تقول أنها ستعود مع صديقتها.. لديها سائق..
    شعر بأن والدي بدأ يشعر بأن هناك خللاً في الموضوع..
    - الله يهديك يا أم عبد الله.. لماذا لم تقولي لي من قبل.. كيف ترضين أن تعود مع سائق لوحدها.. وهي لا تزال فتاة صغيرة..
    - لا أدري كيف أقنعتني أصلحها الله..
    مضت عقارب الساعة بسرعة مخيفة نحو العاشرة.. ثم الحادية عشرة وجود لم تعد..
    بدأ القلق يتسرب لبيتنا بشكل مخيف..
    وبدأ أبي يصرخ..
    - كيف تتركينها تذهب دون أن تأخذي منها رقم جوال صديقتها.. رقم أهل صديقتها.. أو على الأقل اسم صديقتها..؟؟
    وكادت أمي تبكي وهي تقول..
    - لماذا لم تسألها أنت..؟ ما دخلي..؟ لا تصرخ علي.. يكفيني ما بي الآن..
    أتى أخوتي كلهم.. حتى أخي عبد الله المتزوج تم استدعاؤه من بيته..
    ذهبوا لمدينة الألعاب فوجدوها قد أغلقت أبوابها.. جن جنون أبي وارتفع عليه السكر وانهار.. ونقل للمستشفى ..
    الكل كان يبحث عنها دون جدوى..
    وعند الساعة الواحدة ليلاً.. قام أخي بإبلاغ الشرطة.. لكننا لم نكن نملك خيطاً واحداً يدلنا عليها..
    لا اسم صديقتها.. لا جوال.. لا رقم سيارة.. ولا أي شيء.. فكيف نعرف أين تكون؟ وماذا يفعل الشرطة لنا؟
    بقينا كلنا في البيت نبكي ونصلي وندعو الله.. ولا نعرف ماذا نفعل.. جود مختفية.. وأبي في المستشفى ..
    وعند الساعة الرابعة فجراً.. فوجئنا برقم غريب يتصل على جوال أخي عبد الله..
    وحين رد.. كانت الطامة التي لم نتوقعها..
    كان أحد الأخوة من الهيئة يتصل بأخي ليبلغه بأن أختي قد وجدت مع شاب في سيارة لوحدهما ليلة أمس.. وأنها قد انهارت وأغمي عليها من شدة الصدمة ولم تفق إلا قبل قليل لتعطيهم الرقم..
    حين أغلق أخي الخط.. جلس على الأرض ولف وجهه بشماغه وأخذ يبكي..
    صرخت أمي ..
    - ماذا؟ .. تكلم؟ وجدوها ميتة في المستشفى؟ حادث.. تكلم .. تكلم!
    ومن بين الشهقات أجاب وصوته الرجولي يهتز بقوة مؤلمة.. ولحيته مخضلة بالدموع..
    - يا ليت يمه.. يا ليت..
    كنت أعرف ماذا قالوا له.. كنت أشعر به.. قبل أن يخبرني .. لكني سكت..
    أسرعت أمسك أمي وأذكرها بالله.. وهي تنتفض بقوة بين يدي..
    أسرعت أغسل وجهها فيختلط الماء بالدموع..
    وبعد قليل.. ذهب عبد الله ليستلمها.. بعد أن أقسمت عليه أمي أغلظ الأيمان أن لا يقتلها..
    بعد سويعات..
    دخلت.. وجهها شاحب كالموت.. وقد تركت الدموع خيوطها على وجنتيها..
    كانت ترتجف.. حين رأتنا أسرعت ترمي نفسها عند قدمي أمي ..
    - يمه سامحيني .. والله ما سويت شيء.. والله العظيم.. والله..
    رفستها أمي برجلها بقوة.. وصرخت فيها بقوة..
    - اذهبي لغرفتك.. اذهبي لا أريد أن أرى وجهك يا " ..." .. أبوك يحتضر في المستشفى بسببك.. ليتك مت ولم نر فيك هذا اليوم يا خائنة الأمانة..
    كنا جميعاً نشعر بتقزز غريب منها.. لا نريد أن نكلمها أو حتى نرى وجهها أو نشم رائحتها..
    وفي الغد أخذتها أمي كشيء مكروه لتقوم بعمل تحليل حمل لها.. وهي تبكي وتصيح.. وتقسم بأنها لم تفعل شيئاً.. لكن أمي كانت تريد إذلالها فقط وأن تشعرها بدناءة فعلها الشنيع ونظرتنا لها..
    بقي أبي في المستشفى أياماً وحالته غير مستقرة.. لذا لم نخبره بأمرها بل قلنا له أن حادثاً قد حصل لها.. لكنه عرف.. عرف ذلك من وجوهنا الملطخة بالعار.. ومن بكائنا الذي يحمل رائحة القلوب المجروحة..
    وحين استعاد صحته وخرج.. تأكد تماماً من ذلك حين شاهد كيف أصبحنا نعاملها.. وكيف أصبحت شبه محبوسة في غرفتها.. فلم يعد هو الآخر يحادثها بحرف واحد..
    كنت أشاهد أشياء كبيرة في أبي وقد تحطمت.. كبرياؤه.. رجولته.. فخره بأبنائه..
    لم يعد يخرج.. ولا يجتمع مع الآخرين.. أصبح يفضل الجلوس مع أمي صامتاً على الخروج لأي مكان..
    حزن كبير كان يسود بيتنا.. حتى أخواتي المتزوجات لم يعدن يزرننا كثيراً.. وكأنهن يخشين من مواجهة الحزن والكآبة..


    وذات يوم..
    أحسست أن علي أن أفعل شيئاً.. أن أرفع هذا الحزن المقيت الذي يجثم فوق قلوبنا.. وأن أصلح شيئاً..
    دخلت غرفتها بهدوء.. وجدتها صامتة على سريرها.. جلست قربها.. نظرت إليها..
    - لأول مرة.. هل تسمحين لي أن أسألك..
    لماذا؟
    سكتت طويلاً..
    وحين رأت إصراري بالنظر إليها ابتسمت بحزن هازئة..
    - كنت أعتقد أنه يحبني ..
    - ثم؟
    - حين بدأ رجال الهيئة بملاحقة السيارة فوجئت به يقف بسرعة ويصرخ بي كي أنزل بل أخذ يدفعني بقوة.. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أقف في منتصف الشارع لوحدي وقد هرب وتركني.. النذل..
    - هل سبق وخرجت معه من قبل؟
    - مرة واحدة فقط.. أخذني من المدرسة وتغدينا ثم أعادني ..
    نظرت إليها طويلاً ثم قلت..
    - .. وما شعورك الآن؟
    - شعوري؟ .. أكرهه.. وأكره نفسي..
    وفجأة.. أخذت تبكي بحرقة وتشهق.. حتى أثارت حزني.. اقتربت منها.. وضممتها لأول مرة منذ شهرين.. ومسحت على شعرها الخفيف الذي تساقط أكثره منذ فترة..
    شعرت بعطف شديد عليها.. ضممتها وأخذت أبكي معها..
    - لا تكرهي نفسك يا حبيبتي .. لا تكرهيها.. باب التوبة مفتوح.. والله سبحانه وتعالى ينتظرك.. ينتظر توبتك ويفرح بها..
    اهتزت بين يدي كحمامة صغيرة وهي تبكي..
    - لكنكم تكرهوني .. خلاص.. لا تريدوني.. لا أحد يريدني حتى لو تبت..
    أمسكت رأسها ورفعته فشاهدت في عينيها جود الطفلة الصغيرة..
    - كلنا سنحبك.. وسننتظرك.. فقط انسي الماضي.. وابدئي من جديد..
    ثم تابعت بهدوء..
    - أنا لا أريدك أن تنسي الماضي من أجلنا.. كلا.. أريدك أن تنسيه من أجلك أنت.. أن تفتحي صفحة بيضاء جديدة مع ربك.. مع خالقك.. إنها علاقتك به.. أصلحي ما بينك وبينه.. وسيصلح كل شيء بينك وبين الآخرين..
    ارتجف صوتها..
    - لكن.. سمعتي .. انتهت..
    ابتسمت لها..
    - من قال ذلك؟ لا شيء ينتهي طالما باب الكريم الرحمن مفتوح.. فقط ندي يديك إليه.. وسترين كرمه ورحمته..
    نظرت إلي لأول مرة في حياتها بتأثر.. ثم ابتسمت وعيناها لا تزالان غارقتان بالدموع..



    **
    مجلة حياة العدد (62) جمادى الآخرة 1426هـ

     


     

    - 31 -

    قصة / شائعة العفيصان

    رائحة الندى



    أمسكت ديمة بيد أستاذة سمر الأخصائية النفسية وقالت وهي تبكي..
    (بربك أي عدل هذا الذي تحدثيني عنه؟! بعد ثمانية عشر عاماً تخبريني..؟! بعد أن بدأت جراحي تلتئم تفتحينها وتؤلميني؟! لماذا في هذا الوقت بالذات؟)


    مسحت دموعها عن خدها..
    (هل تعلمون ما الذي نعانيه؟! هل تعلمون الآلام التي نعيشها؟!)


    تنهدت بحرقة وهي تقول..
    (أعرف أننا لديكم مجرد أرقام وحالات وملفات تدرسونها اجتماعياً ونفسياً! أما آلامنا.. جراح قلوبنا التي لم تذق طعم الحب والحنان فلا تعرفون عنها شيئاً)


    حاولت سمر مقاطعتها والتعليق على كلامها لكنها لم تستطع.. فلاذت بالصمت..

    اقتربت ديمة من المكتب وأمسكت صورة أطفال الأستاذة وقربتها من وجه الأستاذة وهي تقول بهدوء..
    (انظري..
    انظري لصورة أطفالك..
    انظري لعيونهم..
    وقارني بينها وبين عيوننا..
    عيا قارني..
    لتعلمي أن الفرق بيننا كبير.. وشاسع..
    عيون مشبعة بالدفء.. وأخرى محرومة ضائعة تبكي بلا دموع..)
    رفعت عينيها نحو سقف الغرفة بهدوء.. وقالت بهمس..
    في كل ليلة..
    كل ليلة.. أتأمل وجهاً من صنع خيالي..
    أرسم التفاصيل لوجه حبيب وأخط له أجمل عيون.. وأجمل أنف وفم.. أمنحها صوتاً رخيماً دافئاً..
    أجلس في أحضانها.. وأقبلها.. وأتركها تمسح بيدها على شعري..
    تلك الأم.. التي تخلت عني..
    تنهدت ثم أكملت بخيبة أمل.. وهي تنظر للأرض..
    (حقاً لا أحد يعرف ظروفها.. لكن.. لا عذر لها..)
    وفجأة داهمتها موجة غضب وصرخت..
    (لا عذر لها أن ترميني في الدار أتعذب بلا أم أو أب كل تلك السنوات.. لا عذر لها أن تترك فلذة فؤادها بين المربيات المستأجرات.. تقاسي الأمرين.. تتسول من أعينهن نظرة حنان أو حب فلا تجد.. يتغيرن سنة بعد سنة.. فلا تثق في حب مربية خوفاً من فقدانها وذهابها..)


    (لا تكوني قاسية هكذا يا ديمة.. فأنتم ولله الحمد نحظون بالرعاية والعناية والمسؤولون يقومون بزيارتكم و..)

    رفعت ديمة يدها مقاطعة.. وقالت باستخفاف..
    (نعم.. نعم.. يقومون بزيارتنا مرة أو مرتين في السنة، لكن كضيوف شرف ومعهم الإعلاميون لتسجيل الزيارة.. وبالطبع قبل قدومهم يتم تنظيم الأمور حتى يبدو الوضع بلا مشاكل أمامهم!!


    (لا يا ديمة.. لا تتحدثي بهذا الأسلوب السوداوي.. تفاءلي واحمدي الله..

    أكملت ديمة بهدوء غير آبهة بما قالته سمر..
    (في صغرنا.. كنا نعلم أننا أيتام فقط.. كانت لنا كرامة بعض الشيء.. هه.. كان الجهل نعمة لنا.. رغم الألم والحرمان واليتم.. كنا غارقين في عالم الطفولة البريء..
    أما الآن فقد تغير كل شيء.. بدأت مشاكلنا في الظهور.. وكل باحثة أو دارسة نفسية تأتي إلينا تبدأ في إظهار قدراتها وتتعامل معنا كفئران تجارب حتى تثبت صحة نظرياتها!
    نظرت نحو البعيد تسترجع ذكريات قديمة..
    (لا أنسى ذلك اليوم الحزين الذي عرفت فيه حقيقتي وكان عمري اثنا عشر عاماً فقط..
    طبقت علينا إحدى الباحثات النفسيات نظريتها حتى تستكشف رد الفعل.. فشرحت لنا وضعنا الاجتماعي ونحن في ذلك السن..
    حقيقتنا المرة.. أننا.. لقطاء.. أطفال غير شرعيين..
    أي حقيقة أكثر ألماً من هذه؟.. قولي لي..!)
    وانكفأت على وجهها باكية بحرقة..


    لم تعرف سمر ماذا تقول لها.. وأخذت تفكر في هذه النظرية التي وجدت ترحيباً من المسؤولين والمهتمين كدراسة تطبيقية. ولكن إنسانياً.. ألم يفكروا في ألمها؟ ألم يتخيلوا كيف تحطم أنفس هؤلاء الأيتام وأرواحهم الشفافة وهم في ذلك السن الخطر؟ ما جرمهم.. ما ذنب هؤلاء الأبرياء حتى يسقوا العلقم..؟

    قامت ديمة ووقفت أمام سمر.. وأكملت بتلعثم..
    (عندما علمنا بحقيقتنا أول الأمر كنا نلعن تلك الأم التي تخلت عنا.. وعندما هدأت براكين الغضب.. بدأنا نفكر بهدوء.. لم يعد في أعيننا سؤال سوى.. من نكون؟ من أمهاتنا؟ من هي هذه الأم التي رمت بقطعة قلبها في الشارع لتمسح فعلتها الدنيئة؟.. أين هي الآن؟ هل هي موجودة وحية؟ هل تفكر بنا كما نفكر بها؟ أم أنها قد نستنا تماماً؟ هل تحس بما نتعرض له من ألم كل يوم بسببها؟ هل.. هل تحبنا؟
    فيما بعد.. لم نعد نكرهها.. لأننا لم نعرف الحب.. فكيف نكره؟!
    كم تعرضنا في حياتنا للظلم والقسوة... فأي خطأ نرتكبه ولو كان بسيطاً يفسر ألف تفسير وتفسير.. فنحن.. مختلفون عن الأطفال الأسوياء.. نحن.. موطن شك وريبة..
    لم تستطع أن تتماسك فانهارت بالبكاء مرة أخرى..


    اقتربت منها الأخصائية وضمتها إليها ومسحت على رأسها وهي تقول..
    (كل هذه المشاعر تخفينها يا حبيبتي؟)..
    هدأت نفسها وتذكرت السبب الذي من أجله استدعتها الأخصائية.. فقالت..
    (حسناً.. أوافق أن أقابلها يا أستاذة سمر.. لكن بشرط.. أن أراها دون أن تراني.. أريد أن أسمع صوتها.. أرجوك أريد أن أسمع صوتها وقصتها كاملة وبعدها أقرر وأخبرك بموافقتي على لقائها أو لا..)
    قالت سمر (من حقك يا ديمة اتخاذ القرار ولن نجبرك على شيء.. ستأتي صباح الغد بإذن الله.. اذهبي الآن إلى غرفتك.. وخذي حماماً منعشاً ونامي جيداً وسأرسل لك قبل مجيئها صباحاً)..
    حين خرجت من غرفة الأخصائية اتجهت إلى غرفتها فوجدت أخواتها من أسرتها تجمعن هناك.. ارتمت على صدر أختها هناء باكية.. فقالت صباح بتهكم.. (احمدي الله يا ديمة.. فبدل أن تفرحي بهذا الأمر تتأزمين وترفضين؟ حقا أنت غريبة!)
    ثم أتبعت (ليتني في مثل وضعك لرضيت وقنعت.. ولكن هيهات أنا أعلم بوضعي كله.. !)
    ووقفت وهي تؤدي حركات استعراضية.. وتشير بيدها كالمهرج..
    (أنا ابنة السنيورة!.. الجميلة! حاوية القمامة.. القبيحة..!).. وقهقهت ضاحكة بمرارة.. وابتعدت راكضة بعيداً عن المجموعة تكاد تحرقهم بنظراتها الغاضبة..
    نظرن إلى بعضهن نظرات كسيرة.. نعم إن لكل واحدة قصة لا ناقة لها بها ولا جمل.. فهن مجرد ضحايا..


    * * *

    استيقظت ديمة على يد تهزها برفق وصوت يناديها..
    - ديمة.. ديمة.. انهضي حان الموعد ستأتي..!
    أفاقت بعينين ناعستين ذبلت رموشها من كثرة البكاء طوال الليل.. وابتسمت لهناء رفيقة دربها.. السمراء الحنونة..
    - أحقاً يا هناء؟! ستأتي هي بنفسها..؟
    - نعم.. هي ستأتي بعد قليل.. هيا يا كسولة بسرعة.. هيا..
    قامت ديمة بتثاقل فهي لا تملك حيوية هذه الجوهرة السمراء هناء..
    لبست ديمة ملابسها بكل عناية.. ورفعت شعرها الطويل بشكل مرتب.. وارتدت صندلاً خفيفاً.. وبدت رقيقة وجميلة..
    سارت في الممر الطويل المؤدي إلى المكتب الخاص للأخصائية سمر بالقرب من الحديقة الصغيرة..
    لم تكن تشعر بأي مشاعر.. طرقت الباب بكل أدب ثم دخلت.. باغتتها سمر..
    - هيا بسرعة! أخرجي من الباب الخلفي وسأفتح الشباك حتى تسمعي كل ما يدور بنفسك..
    وقفت ديمة خلف الشباك وأحست بحركة وسمعت عبارات ترحيب.. فبدأ قلبها يخفق بشدة.. يكاد يقفز من بين أضلاعها.. فتماسكت ودعت الله أن يعينها..
    وبيدين مرتجفتين سحبت جزءاً من الستارة.. لكنها لم تر شيئاً فالضيفة قد أعطتها ظهرها من الخلف ولم تميزها لأن العباءة تغطيها من أعلى رأسها لأخمص قدميها..
    سمعت سمر تتحدث للمرأة.. ثم سمعت المرأة لأول مرة تتحدث.. بدأت تبكي وتقول..
    (أرجوك يا أستاذة سمر أنا متأكدة أنها ابنتي الحبيبة.. لديها شامة مدورة بحجم الريال المعدني وأنا لدي واحدة بذراعي مثلها..
    رفعت ديمة كم بلوزتها.. وأخذت تنظر للشامة وكأنها تنظر إليها للمرة الأولى وهي ترتعش من التأثر والقلق..
    أخذت الضيفة ترجو سمر أن تراها وتقابلها.. وتقول..
    (أرجوك.. لم يعترف لي والدي إلا منذ فترة بسيطة قبل وفاته.. فاجأني بطلبه السماح مني قائلاً أنه كان يحترق ألماً علي لكنه لم يرد إخباري.. لقد قال لي والدي أن ابن عمي صادق في أنه لم يختطف ابنتي أو يقتلها.. وأعطاني والدي حقيبة سوداء قال أن كل الحقائق موجودة فيها.. قال والدي.. أنه تخلص هو من ابنتي لأنه لم يتحمل أن يترك ابنة من خان الأمانة تعيش معه..
    قال والدي بكل حسرة وندم.. أنه لم ولن يسامح ابن أخيه الذي انتهك عرضي.. عرض ابنته الوحيدة.. لذا أراد أن يتخلص من هذه الطفلة البريئة التي كانت ستلطخه بالعار.. فوضعها أمام دار حضانة الأطفال الأيتام مع رسالة تفيد بأن اسمها ديمة عبد الله..)
    تنهدت قليلاً ثم أكملت..
    (أخبرني والدي أنه كان يزور الدار كل أسبوع ليراها حين كانت طفلة.. كان يزورها بصفة أنه متبرع وفاعل خير.. ألا تعرفينه.. إنه الشيخ أبو محمد الزائر الدائم للأطفال..)
    ترددت ثم قالت بعاطفة شديدة..
    أرجووووك يا أستاذة سمر.. أرجوووك أريد أن أراها الآن.. لم أعد أحتمل.. أريد أن أرى ابنتي)
    وحاولت أن تنهض فلم تستطع فوقعت على الأرض من على كرسيها المتحرك..
    صرخت ديمة من شدة التفاعل مع أمها التي لم تتخيل يوماً أن تكون معاقة.. وأطلت من النافذة.. التفتت الأم إلى مصدر الصوت.. فكأنها تنظر لصورتها في شبابها..
    (إنها ابنتي!!.. ابنتي) قالتها شاهقة.. وأخذت تزحف نحو النافذة بكل ما تستطيع..
    أقبلت ديمة مسرعة من الباب تصرخ (يمه.. يمه).. ومدت يديها نحو أمها تعانقها وتقبلها وتشم رائحتها التي افتقدتها طوال حياتها ولم تعرفها إلا هذا الصباح مع رائحة الندى..
    (عذراً يا أمي لم أكن أعلم بحقيقة قصتك، وحالتك الصحية.. سامحيني لأني لم أوافق على رؤيتك سامحيني)
    صمتت الأم طويلاً إلا من شهقات البكاء ثم قالت..
    (والله يا بنيتي لم يكن لي يد في ما جرى لك.. لقد حملت بك كما علمت بسبب اعتداء من ابن عمي.. وفوجئت باختفائك بعد ولادتك بساعات.. كان قلبي يحترق ألماً طوال ثمانية عشر عاماً وأنا لا أعرف مصيرك المجهول)
    أخذت ديمة تقبل يدي أمها وتمسح بها دموعها.. عاجزة عن الكلام..
    (كلانا يا ديمة ضحية.. فنحن وجهين لعملة واحدة...)..



    **
    مجلة حياة العدد (63) رجب 1426هـ
     



    - 32 -


    شيء جديد.. على وجهي!
     


     

    وقفت وأنا مترددة أمامها..
    - يمه..
    - نعم..
    ردت أمي باقتضاب وهي تمسح مرآة غرفة نومها..
    ابتلعت ريقي وتشجعت لأقول..
    - أريد أن أشتري فستاناً جديداً لزواج خالي فهد.. لو سمحت..
    كانت مستمرة في المسح دون أدنى اهتمام..
    تشجعت مرة أخرى ودقات قلبي تتسارع.. وقذفت قنبلتي:
    - وأتمنى أن أشتري حذاء وحقيبة سهرة صغيرة..!
    نظرت إلي بحدة.. وقالت باستهزاء..
    - لماذا لا تشترين السوق بأكمله؟ هاه؟.. من يسمعك لا يصدق أنك قد اشتريت فستاناً فخماً الصيف الماضي فقط..
    - لكن.. يا أمي.. فستان الصيف الماضي لبسته لأربع مناسبات متتالية.. وزواج خالي لا يعتبر مناسبة عادية.. فأنا ابنة أخت المعرس.. وأحتاج لفستان جديد.. الله يخلييييييييك..
    مطت شفتها بغضب..
    - يا لصغر عقولكن.. من أجل ساعتين فقط.. تردن صرف خمسمائة ريال على فستان جديد.. بنات آخر زمن.. فستانك من أروع ما يكون ولا تحتاجين لفستان جديد..
    ثم عادت للمسح دون اكتراث.. وكأن الأمر مفروغ منه..
    وتمتمت بهدوء..
    - قسط الإيجار والفواتير كلها تراكمت على والدك هذا الشهر.. لا نستطيع..
    بدأت الدموع تلمع في عيني..
    - أمي أرجوك.. لا يمكن أن أحضر الزواج بذلك الفستان.. لا يمكن.. سيكون ذلك مضحكاً! لقد صبرت بما فيه الكفاية.. أنا أحرم نفسي من كل شيء من أجل ميزانيتكم.. والله لقد تعبت من نظرات بنات أعمامي وعماتي.. تعبت من تحمل ذلك..
    كلهن يرتدين فساتين جديدة في كل مناسبة.. وأنا.. دائماً ملابسي مكررة وقديمة.. ورخيصة أيضاً.. !
    بدأت أبكي بحرقة..
    - (لماذا تفعلون بنا ذلك.. إذا لم نلبس ونستمتع في هذا السن فمتى بالله نستمتع ونلبس ما نريد؟ ألا يكفي أنني أحرم نفسي من شراء المكياج الفاخر ولا أشتري إلا من المحلات الرخيصة.. ألا يكفي أني لا أشتري إكسسواراتي إلا من أبو ريالين وشاكلته بينما بنات عماتي لا يشترين إلا أرقى الماركات!!
    إلى متى نعيش في هذا الحرمان؟ إلى متى؟)
    واتجهت مسرعة إلى غرفتي.. متجنبة نظراتها.. وأنا أبكي على حالي رغم أنني كنت أعلم جيداً أن وضعنا المادي لا يسمح.. وأنني كنت أبالغ في كلامي..


    * * *

    منذ صغرنا.. كنت أشعر بأنني لا أستطيع الحصول على ما يرغب به أغلب الأطفال.. فالألعاب لا نشتريها إلا في الأعياد.. وكذلك الملابس والأحذية من النادر أن نشتري الجديد منها دون مناسبة هامة..
    كنت أشعر بكبت شديد.. لكني رغم طفولتي كنت أقدر ذلك لوالديّ فلا أطالبهما بما يرهق كاهلهما.. وكنت أحبس أحلامي ورغباتي الصغيرة في صدري..
    فيما عدا ذلك كنا أسرة متماسكة ولله الحمد.. ولم تكن هناك الكثير من المشاكل سوى ذلك الألم الذي يغتالني بسبب إحساسي أن والديّ ضعيفان ومسكينان وغير قادرين على توفير ما أحتاجه.. كنت أشعر أن سعادتي ناقصة..
    فقد كانت عبارة.. (ما نقدر)، (ما عندنا فلوس!)، (بابا مسكين ما يقدر يشتري لك هذا).. كانت هذه العبارات تغتال فرحتي الطفولية بل وتغتال حتى أحلامي الصغيرة..
    حتى حين كنت أستلقي على السرير.. وأتخيل ما أحلم به من ألعاب وحلوى كثيرة.. كنت أسمع صوت أمي يتردد من بعييييد (ما نقدر)، (ما عندنا فلوس).. فتتهدم قصور أحلامي وتتساقط أراجيح أمنياتي..
    وحين كبرت.. بدأت أشعر بالفرق بيني وبين زميلاتي وقريباتي.. وبدأت النظرات الشامتة تأخذ طريقها للملابس الرخيصة والساعات المقلدة التي أرتديها.. كانت مشكلتي الكبرى هي أن معظم من حولي هم من فئة المقتدرين أو الأغنياء مادياً.. وكنت أشعر بالألم يعتصرني حين تتحدث بنات أعمامي وعماتي عن ماركات ملابسهن كأحذيتهن.. ومكياجهن وعطورهن الفاخرة.. بينما أذوب أنا خجلاً فأشغل نفسي عن حديثهن بمداعبة طفل صغير أو تقليب جريدة قديمة..
    كنت أعتبر نفسي أقل منهن.. فلا أستطيع محادثتهن ولا عقد صداقة قوية معهن تذلك السبب..-


    * * *

    وذات يوم.. سكن جيران جدد في الدور الذي يعلونا مباشرة..
    كانوا أسرة من باكستان.. أم مع ابنتيها إحداهما في سني تقريباً.. وتهم ابنين في باكستان.. أما الأب فيغيب معظم اليوم في العمل..
    ولعدم وجود رجل لديهم في البيت معظم اليوم كنت أستمتع كثيراً بزيارتهم.. وهم كذلك.. فكنت أقضي وقتاً ممتعاً لديهم.. دون ممانعة أمي.. وكنت أتخاطب مع الفتاتين – نسرين وفايزة- بخليط من العربية والانجليزية المكسرة.. ورغم هذا نشأت صداقة قوية بيننا..
    كنت أشعر بشي غريب لديهم..
    فرغم ضعف حالتهم المادية.. ورغم بساطة بيتهم الشديدة.. وعدم وجود الأثاث في بعض الغرف.. لكن بيتهم كان يرفل بسعادة غريبة.. ما شاء الله.. كانت الأم دائماً تحمد الله وكانت تفرح بي إذا رأتني.. وكانت الفتاتان سعيدتين جداً بحياتهما.. ولا يبديان أي تذمر من حالتهما المادية..
    بعد فترة عرفت أنهما كانا يعيشان في وضع مختلف قبل قدومهما.. لذا فهما تشعران أن هذا البيت واسع عليهم.. لكن في نفس الوقت كانت نسرين تتحدث عن بلدها وعن أقاربهم هناك بفرح شديد وتصف لي السعادة التي كانوا يعيشون فيها هناك..
    تعلمت مع نسرين.. أن أفرح بكل ما حولي.. وأحمد الله..
    وحين كنت أشاهد غرفتها.. كانت تعجبني تلك البساطة الرائعة.. وتلك الأشياء الصغيرة الرخيصة في ثمنها الغالية في معناها.. كانت تحتفظ بلعب طفولتها القديمة مصفوفة بترتيب على رفها.. كما كان لديها صندوق معدني ملون جميل تحتفظ فيه برسائلها مع ابنة خالتها.. وكان لديها ألبوم صور تحتفظ فيه بقصاصات من أوراق الصحف والمجلات.. فيه صور جميلة وقصائد..
    حين كنت أدخل غرفتها كنت أشعر أني أدخل عالماً آخر.. غني بأشياء كثيرة.. لذا كنت أفرح..
    وذات يوم زارتني... وشاهدت غرفتي لأول مرة.. فتحت درجي فشاهدت الأعداد الكبيرة من الأكسسوارات التي لدي.. بهتت وقالت..
    - واااو غادة.. عندك كثيييير Jewels ما شاء الله!!
    - إنها مقلدة ليست مجوهرات..
    - أعرف.. لكنها كثيرة.. وجميلة..
    وأخذت تقلب أكسسواراتي واحداً بعد الآخر.. وهي معجبة جداً بها..
    وحين فتحت لها دولابي.. بهرت بالفساتين التي لدي.. وقالت..
    O my Ghada !
    you r a princess..!
    you have wonderful dresses..
    (أوه غادة! أنت أميرة! لديك فساتين رائعة)
    شعرت أن كلماتها أصابت صميم قلبي..
    فساتين أميرة؟!! فساتيني أنا؟!
    معقولة؟!!
    شعرت بالخجل وحاولت أن أقول لها أنها كلها فساتين قديمة ورخيصة.. لكن لم أستطع..
    حين نظرت إليها وهي منبهرة بفساتيني.. شعرت بشيء غريب.. خليط من الخجل والرحمة في نفس الوقت..
    كنت أعلم أن وظيفة والد نسرين كانت جيدة..
    لكن نظراً لكونه يصرف على ولديه اللذين يدرسان الطب.. مع والديه الكبيرين في السن.. وأخته الأرملة.. لذا كان وضعهم المادي فيه شيء من الصعوبة..
    وحين نظرت نسرين لحقيبة مكياجي وأخذت تقلب محتوياتها كانت عيناها تشعان بفرح.. وهي تقول.. أن لدي عدة مكياج مبهرة..
    تلمست مفرش سريري.. وقالت أنه يبدو من النوعية الفاخرة..
    بدت مبهورة بكل ما لدي..
    وقالت.. ما شاء الله يبدو أنكم أغنياء يا غادة.. !
    أمسكت زمام ضحكتي.. لكن بعد قليل شعرت أنها تقول شيئاً هاماً..
    قلت لها نحن أغنياء؟؟ لسنا كذلك.. لكن الحمد لله..
    وقبل أن تخرج فكرت أن أهديها أحد فساتيني القديمة التي أعجبتها.. أمسكته وقدمته لها.... لكنها رفضت تماماً.. وقالت كلا لا يمكن.. الحمد لله لسنا بحاجة لفستان جديد..
    حاولت إقناعها بشتى الوسائل لكنها رفضت بشدة وشكرتني..
    وفي تلك الليلة أخذت أفكر بصدق.. هل نحن أغنياء حقاً كما قالت نسرين؟
    الحمد لله نعيش في بيت يأوينا.. ولدينا ملابس تسترنا.. وطعام يغذينا.. وشراب يروينا.. وحلي تزيننا.. فماذا نريد أيضاً؟
    سبحان الله.. يبقى الإنسان طماعاً ولا يملأ فمه إلا تراب القبر..
    نحن فقط لدينا الحق في أن نقيم أنفسنا كفقراء أو أغنياء.. ونحن من يوحي للآخرين بذلك بتصرفاتنا..
    ومنذ ذلك اليوم قررت أن أعتبر نفسي غنية وأحمد الله وأشكره بدلاً من التذمر..
    وفي زواج خالي فهد.. ارتديت فستاناً من فساتيني القديمة..
    لم يكن علي من شيء جديد سوى قرط فضي متدل..
    وملامح سعادة وقناعة وفخر تطل من وجهي لأول مرة.. وبشكل أثار إعجاب الجميع..



    **
    مجلة حياة العدد (64) شعبان 1426هـ

     


    - 33 -


    لم أهرب هذه المرة..


    ألقيت جسمي على الكرسي المتهالك.. وأخذت أتنفس
    بعمق وأنا أرتجف من شدة الانفعال.. وقطرات العرق
    تتصبب على وجهي..
    آآآآآآآه.. يا الله..
    فتحت قارورة الماء البارد التي كانت معي وأخذت أصبه
    على رأسي كالمجنونة..
    شششششششششششش.. باااااارد..
    ضحكت..
    أخذ الماء يتصبب على جوانب وجهي وصدري.. ويبلل
    ملابسي..
    بينما دموعي تنهمر خلف نظارتي السوداء..
    نظرت إلى الساعة كانت التاسعة والربع.. تصبح
    الجامعة خاوية تقريباً هذا الوقت.. الكل في قاعاته..
    وأنا هنا.. وحدي..
    آه يا ربي.. كم من الألم أتحمل وحدي..
    رفعت قدمي وجلست على الكرسي..
    رفعت ركبتي لأعلى ووضعت رأسي بينهما..
    ألم.. ألم حارق يغرس أنيابه في قلبي.. ورئتي..
    وشراييني.. ويفترس حتى أطراف أصابعي..
    هل كانت هي السبب..؟
    لا أعتقد.. شجاري معها كان فقط القشة التي قصمت
    ظهر البعير.. لقد انفجرت لأصب جام غضبي
    عليها..
    فتدفقت آلامي المترسبة..
    ليست الدكتورة سميرة المتعجرفة هي السبب.. كانت
    مجرد دبوس فجر بالونة همومي القديمة..!
    أخذت أبكي بحرقة ولا أعرف لماذا.. أشعر بالألم..
    الضيق..
    أشعر أن كل شيء ضدي.. منذ طفولتي..
    والداي المنفصلان منذ الطفولة..
    أبي البعيد اللامبالي.. أمي المشغولة بنفسها دائماً..
    جدتي المتسلطة..
    مدرساتي القاسيات..
    درجاتي السيئة ورسوبي المتكرر..
    وحدتي الدائمة.. وعدد شعور أحد بي..
    صديقاتي الغادرات.. ناكرات الجميل..
    حتى.. هو.. طعنني وذهب..
    هو .. الذي أحببته من كل قلبي..
    وسهرت الليالي الطويلة أحادثه.. وأراسله..
    تركني إليها..
    صديقتي..
    لماذا؟
    كنت أعتقد أنه يحبني.. وأنني كل شيء في حياته..
    لكنه ذهب..
    تركني وحيدة.. أتخبط بين هذا وذاك للتسلية وقضاء
    الوقت على الهاتف والنت.. أبحث عن السعادة..
    تمر فتاتان.. ينظران إلي باستغراب.. هه.. يبدو أنني
    بالغت اليوم قليلاً..
    أتلمس الحلق الطويل الذي يتدلى من أذني اليسرى..
    وخصلة شعري الوردية على وجهي.. وأبتسم..
    هـه.. لتنظرا.. لتحدق هاتان الغبيتان.. لا يهمني
    أمرهما.. مسكينتان تعتقدان أنهما تحرجانني
    بنظراتهما!!
    غبيتان.. أنا أتعمد فعل ذلك لتنظرا إلي.. أريد أن
    أحرق أعصابهما.. حسناً؟!
    حتى الغبية سميرة.. تعتقد أني سأخاف من سجل
    حضورها أو من صرخاتها الخرقاء.. أنا لا يهمني
    أحد..
    لا أحد.. طالما أن أحداً لم يهتم بي في حياتي..
    أخرج مسجل الهيد فون الخاص بي.. وأضع شريط
    مطربي المفضل..
    أجد نفسي أزداد ضيقاً وحزناً.. وأتمنى أن أموت..
    فهذه الدنيا ليس فيها سوى الآلام والوحدة..
    أغلق الشريط .. وأفكر في أن أسمع قناة موسيقية..
    أحرك مؤشر الراديو يمنة ويسرة.. يتهادى إلى سمعي
    صوت قرآن من إذاعة القرآن..
    قشعريرة تسري في جسدي.. أشعر بالخوف.. لا
    أعرف لماذا..
    كأن شيئاً عظيماً يحيط بي.. شيء أهرب منه دائماً..
    أغير المؤشر بسرعة.. ودقات قلبي تتسارع..
    لماذا أخاف من سماع القرآن الكريم؟
    لماذا أمر على المصلىّ بسرعة ولا ألتفت تجاهه وكأني
    مذنبة هاربة تخشى من العقاب؟!
    ضممت ركبتي إلى صدري.. وكأني أحتضن أماً لم
    أشعر بحنانها في حياتي..
    كنت متوترة.. خائفة.. بحاجة لمن أهرب إليه..
    وبحركة لا شعورية.. أمسكت مسجلتي وفتحت على
    الإذاعة مرة أخرى..
    وكمن يستلذ بتعذيب نفسه..
    أخذت أسمع القرآن..
    وعرفت لماذا أخاف وأهرب.. وأرتبك إذا سمعته..
    لأني بعيدة.. بعيدة جداً عن إلهي..
    وأخشى مواجهته..
    شيء مخيف فعلاً.. لقد ابتعدت كثيراً.. بالغت في
    ذلك..
    لم أركع ركعة واحدة لله منذ سنوات.. أغويت
    الكثيرين..
    استهزأت.. وسخرت.. وعبثت.. و..
    لقد ابتعدت كثيراً..
    لكن.. كيف أعود.. الطريق بعيد.. من يمسك بيدي؟
    لا أحد يجرؤ حتى على الاقتراب مني.. أو دعوتي..
    وأنا.. لا أعرف كيف أعود..
    أشعر بانكسار..

    * *

    بقيت أياماً حائرة..
    أشعر بعطش شديد.. لشيء لا أعرفه..
    سئمت الأغاني.. سئمت الأفلام والمسلسلات..
    سئمت جلسات البالتوك طوال الليل..
    سئمت الهاتف وكل شيء..
    نفسي الضائعة الضجرة تبحث عن شيء ما.. لا أريد
    الاعتراف به..
    يرن جوالي..
    إنه هو.. أففف..
    حتى هذا الأخير أصبح مملاً..
    أغلقت الخط في وجهه..
    ماذا أريد..؟ يا ربي..
    أشعر بأني أكاد أختنق..
    وبهدوء.. أسحب مذياعي.. وأستمع للإذاعة..
    صوت القرآن عذب..
    رغبة الهروب والخوف بدأت تقل.. لكنها لازالت
    تساورني..
    أسترخي على سريري..
    يا الله.. كم أريد أن أتوب.. أن أعود إليك..
    لكن.. أخشى..
    ألا تقبلني..
    أخشى أن يكون ذلك صعباً..
    ماذا سيقلن عني؟ أحلام صارت مطوعة!!
    سيضحكن علي.. سيهزأن بماضيي..
    سـ..
    كلا.. لا أستطيع..
    كيف أترك كل ما حولي من متع؟

    * *

    أسير في الجامعة وحدي..
    منذ غدرت بي فايزة وأخذته مني..
    وأنا أكره الصديقات.. أكرههن.. وأكره كل من حولي..
    هذه الأيام.. لم أعد أهتم بلفت الأنظار..
    أشعر أن أشياء كثيرة تتحطم في داخلي..
    وأني مشغولة بالبحث عن نفسي الهاربة منذ زمن..
    أسمع إحداهن تهمس لزميلتها..
    - انظري!!.. أحلام أزالت خصلتها الفوشية والوشم
    المخيف الذي على رقبتها!!
    - فعلاً.. ولم تعد ترتدي أساورها الجلدية الغريبة!
    أرمي جسدي على الكرسي.. بينما عقلي يجول في
    أماكن كثيرة..
    والفكرة تراودني..
    هل أتوب.. لكن.. صعب..
    لقد مللت.. تعبت.. ماذا لو أجرب..؟
    كلا.. سيضحكن علي.. أعرف ذلك!
    كنت مشتتة تماماً.. ولا أعرف ماذا أفعل..

    * *

    بعد المحاضرة.. وجدت نفسي أسير.. إلى حيث لا
    أعرف.. إلى حيث سارت بي قدماي..
    ووجدت نفسي أمام مكتبها.. المعيدة أسماء.. التي
    سبق ودرستني في سنتي الأولى..
    وقفت صامتة أمام مكتبها المفتوح..
    نظرت إلي وأغلقت سماعة الهاتف.. كانت مستغربة..
    - أهلاً.. أحلام.. كيف حالك؟
    هي الوحيدة التي لا أشعر أنها تكرهني على الأقل..
    - تريدين شيئاً؟
    - آآآه.. ممم.. كلا.. آسفة..
    وهممت بالخروج من الغرفة..
    - أحلام.. لحظة تعالي..
    اقتربت منها.. وأنا متوترة..
    - نعم..؟
    - أشعر أن لديك شيئاً..
    - أنا؟.. لا.. لا شيء..
    - حسناً اجلسي معي قليلاً.. ما رأيك بشرب فنجان
    من القهوة؟
    شعرت بالراحة.. وجلست.. كنت أشعر أنها تفهمني..
    نوعاً ما..
    كانت تصب لي القهوة من البراد حين قالت..
    - شكلك تغير يا أحلام!
    - أنا؟
    - نعم.. لا أعرف.. لبسك أصبه أهدأ من السابق..
    ألا تلاحظين ذلك؟
    - أهدأ؟ لماذا هل كان يصرخ؟ هه..
    - أعني.. حتى عيناك.. شيء ما تغير..
    ناولتني الفنجان.. وجلست أمامي بعد أن أغلقت
    الباب..
    وبقيت صامتة تنتظرني أتكلم..
    ثنت متوترة في البداية.. ثم .. بعد قليل.. وجدت نفسي
    أتحدث ببطء..
    - أستاذة أسماء..أنا بصراحة.. لا أعرف.. أشعر
    أني.. أريد أن أقترب من الله.. لكن.. أنا خائفة..
    أشعر أني لا أستطيع.. لا أستطيع الاستمرار في
    الصلاة والحجاب وغير ذلك.. أخشى أن لا أستطيع
    المواصلة..

    تنهدت ثم أكملت..

    - بصراحة أستاذة أسماء.. أنا ولا عمري صليت..!

    بقيت صامتة..

    - (لا تستغربي.. فأنا أعيش في بيت لا أحد فيه يهتم
    بي.. لم يأمرني أحد بالصلاة منذ طفولتي.. أعيش في
    منزل والدي الذي لا أراه مع جدتي المسنة منذ أن كنت
    في الخامسة.. وأمي متزوجة ولا تريدني.. لم يعلمني
    أحد يوماً ما هو الخطأ والصح.. الكل يكرهني..
    ويعتبرني عالة.. لم أشعر يوماً بالحب أو الاهتمام..
    حتى أنتم يا أستاذة أسماء.. لم تقترب مني أستاذة
    يوماً لتنصحني وتربت على كتفي بحنان وحب.. الكل
    كان يصرخ في وجهي ويعتبرني سيئة ووقحة.. لذا
    كنت أعاملهم بالمثل..
    كنت أشعر بنظرات المدرسات القاسية التي تنظر لي
    بكره ونفور..
    لماذا؟ لماذا لم تنصحني مدرسة واحدة لا في المدرسة ولا
    في الجامعة؟.. كلهن يتجنبن مواجهتي.. أو ينصحنني
    بترفع وفوقية وبصوت عال..)

    أخذت أبكي..

    ( كيف لمن هي مثلي أن تتوب.. وهي تغرق.. ولا أحد
    يمد يده إليها؟ قولي لي.. أنا خائفة الآن.. لأني مللت
    هذه الحياة.. ومللت الضياع.. وأريد أن أجد نفسي
    التائهة.. وأرتاح..)

    نظرت إلي أسماء بتأثر..
    وقالت بهدوء..

    (الإنسان كلما ابتعد عن خالقه.. كلما شعر بأنه صغير
    وضعيف وضائع..
    نحن نستمد قوتنا منه سبحانه.. فكلما اقتربنا منه..
    شعرنا بالراحة والطمأنينة والأمان..
    إذا أردت العودة لربك.. فابدئي بذلك... الله سبحانه
    وتعالى يمد يديه إليك لتتوبي.. ينتظرك.. يتشوق
    لعودتك إليه..
    وتأكدي أن توبتك.. هي لنفسك أنت.. وليست لأحد
    آخر)

    نظرت إلي بثقة ثم قالت..

    (قولي لي يا أحلام.. نبي الله ابراهيم عليه السلام..
    كان يعيش في مجتمع كافر أليس كذلك؟)

    (نعم)

    (والداه كافران.. وقومه كفار.. وليس هناك من يوجهه
    ولا من ينصحه.. فكيف اهتدى لعبادة الله سبحانه
    وتعالى؟)

    ( من نفسه..)

    (وهل ساعده أحد.. هل أيده أحد؟ كلا على العكس
    استهزأ به قومه ثم حاربوه وكادوا يقتلونه..)

    نظرت إليها باستغراب..

    (إذا بقينا ننتظر من يأخذ بأيدينا لنتوب.. فقد ننتظر
    طويلاً.. وقد يفوت الأوان دون أن نشعر..
    إنها حياتك أنت لا حياة أحد غيرك... حددي مسارها..
    إلى النار.. أم إلى الجنة..
    كوني قوية.. وابدئي الآن..
    وإذا كنت صادقة التوبة والعزيمة.. فستواصلين بإذن
    الله)..

    * *

    صليت العشاء.. ثم السنة الراتبة..
    واستلقيت على سريري بهدوء وراحة لم أعشها في
    حياتي من قبل وأنا أستمع بلذة لإذاعة القرآن الكريم..
    دون الرغبة في الهروب هذه المرة..


    **
    انتقاء من مجلة حياة العدد (65) رمضان 1426هـ
     


    - 34 -

    في رحيلها الـ ...

    هناك أشخاص يمرون في حياتك..
    فيتركون أثر جرح.. وهم كثر..
    وأشخاص يمرون.. فيتركون رائحة عطر.. وهم قلة..
    وآخرون يمرون..
    فيتركونك.. شخصاً آخر..!
    وهؤلاء..
    قد لا تراهم سوى مرة واحدة في حياتك..
    بثينة كانت من ذلك النوع..
    - لا أعرف لماذا لم يجدوا غير هذه المراييل السخيفة ليرغمونا على لبسها؟!!
    تبتسم وهي تقلب صفحات دفترها وتهز كتفيها..
    - هه!.. ربما لأنهم لم يجدوا ما هو أسوأ منها!
    - بالفعل.. أنت صادقة.. تبدو كأثوابٍ رجالية! خاصة وأن لونها الرمادي كئيب جداً ويشجع على كره المدرسة والرسوب.. بل حتى على فكرة الانتحار..!
    - أففف!.. انتحار مرة واحدة!!.. حرام عليك.. كان خلصوا بنات المدرسة!
    يأتي صوت المراقبة أبلة العنود..
    - يا الله يا بنات.. طوابير.. يا الله.. الله يجزاكم خير.. صفرت من خمس دقايق..
    - طيب طيب.. بشويش علينا..!
    تضحك بثينة.. وتهمس لي..
    - أي (بشويش) يا روان؟! المرة مسكينة قاعدة تترجانا.. أنت اللي بشويش عليها..
    نقف بملل في الطوابير..
    لا تشدنا الإذاعة المدرسية التي لم تتغير طريقتها منذ المرحلة الابتدائية.. (هل تعلم).. (حكم وأمثال).. تتكرر على مسامعنا كل سنة..
    أهمس لفدوى التي كانت تقف أمامي في الطابور..
    - رأيت كليب (فلانة) الجديد أمس..؟
    ترد بفزع..
    - لا.. ! أي كليب جديد.. ما شفت شي أمس؟
    - يا شيييييخة.. معقولة؟ فاتك نص عمرك..!
    تهمس لي بخوف كيلا تسمعها المراقبة..
    - وييين؟.. متى شفتيه..؟
    - في قناة الطرب.. بس شي خيااااال.. اليوم أقول لك قصته..


    نسكت قليلاً بينما تستمر الإذاعة..
    (هل تعلم أن سرعة عطسة الإنسان تبلغ 60 كم في الساعة.. وأن..)
    تكمل فدوى همسها..
    - وشلون طالعة في الكليب..؟
    - يوووه.. يبغالها جلسة.. اصبري إن شاء الله في الفسحة..
    بدا التضايق على بثينة وهي تسمع حوارنا..
    فلاطفتها بابتسامة اعتذار تعرفها جيداً.. وهي تنظر إلي بحزن..
    - بس يا اللي ورا!!!
    تصرخ الوكيلة المخيفة..
    ويسود الصمت للحظات..
    ثم تسير الطوابير..


    * * *

    حاولت مراراً أن تقنعني بأن أسجل معها في الدار..
    لكني كنت أتحجج بأشياء كثيرة..
    (ما عندي وقت.. ما عندي مواصلات.. صعبة.. ما أقدر أحفظ.. أخاف أتفشل..)
    وحين سجلت في ناد رياضي..
    اكتفت بأن واجهتني بابتسامة عتاب فهمتها بسرعة..
    كان لبثينة بريق خاص في عينيها..
    كانت فتاة هادئة.. خجولة.. وقوية في نفس الوقت..
    لا أعرف لماذا كان الجميع يقولون أنهم يشعرون براحة عجيبة عند الجلوس معها أو التحدث معها..
    تشعرين أنك مع إنسانة صادقة.. صافية السريرة تماماً مثل مرآة.. هادئة حد الدفء..
    وكان الجميع يستغرب أن نكون صديقتين.. رغم اختلافنا..
    كانت تقول لي دائماً..
    - فيك خير كثير يا روان.. أنت إنسانة رائعة.. فقط.. فقط لو تتركين عنك بعض المنكرات..
    - يوووووه.. عاد سويتيها (منكرات).. أنا بس اسمع شوية أغاني..
    - والدش؟
    - أي دش..؟ أنا بس أشوف شوية كليبات ومسلسلات علشان أشوف الناس شلون تلبس وتتمكيج.. بس!.. صدقيني هذا بس اللي يهمني..!
    - لكن هل تشعرين أن هذا الشيء صحيح؟ ماذا لو لاقيت ربك.. اليوم.. أو غداً.. ألن تندمي على هذا؟
    فأسكت..
    - الله يهدينا يا بثينة.. ادعي لي بس..
    ورغم استغراب الجميع من صداقتنا..
    إلا أن بثينة كانت تعلم كم هو قلبي صاف على الآخرين.. وأنني أحافظ منذ صغري على الصلاة والسنن.. وأحب عمل الخير.. ومناصرة الحق.. وكم أن مسألة الأخلاق والحشمة هامة لدي.. وكذلك بر الوالدين..
    لم أكن أحب الغيبة.. ولا النميمة والكذب..
    كانت هناك لدي فقط أمور.. لا أعرف لماذا تلطخ بياض أعمالي الصالحة.. ولا أستطيع تركها.. سماع أغاني.. غفلة.. انشغال بتوافه الأمور.. وكنت أتحجج بأننا لا نزال صغاراً في السن.. ولا بأس علينا بذلك!


    * * *

    في آخر يوم من أيام اختبارات سنة ثالث..
    كان يوماً بارداً.. لم نستطع فيه الجلوس كما خططنا في الساحة..
    ولم تكن لدينا شهية لأن نطلب من مطعم كما خططنا أيضاً..
    اكتفينا بوداعٍ حزين تخالطه الدموع الحارة..
    وتبادلنا شيئاً من هدايا بسيطة..
    ناولتني بثينة علبة هدية جميلة..
    - أرجوك.. يا روان.. اقرئي هذه الكتيبات واسمعي الأشرطة التي انتقيتها لك.. إنها رائعة..
    - إن شاء الله..
    ابتسمت والدموع تترقرق في عينيها..
    - ولا تنسيني...
    كنت أحاول التظاهر بأني قوية ومتماسكة..
    لكن حين تذكرت صبر بثينة علي طوال السنوات الماضية ومحاولاتها المتواصلة لنصحي وتغييري وهدايتي شعرت بالعطف والحزن عليها.. وبأني قاسية ومخيبة للآمال.. فانهرت بالبكاء.. ورجوتها أن تسامحني..


    * * *

    نسيت أمر الهدية في معمعة الإجازة..
    لم أقرأ كتيبات بثينة.. ولم أسمع أشرطتها.. بل لم أفتح العلبة أصلاً..
    سجلت في الجامعة.. انشغلت..
    لم أتواصل معها على الهاتف إلا مرتين أو ثلاث..
    ثم انقطعنا..
    مضى عام كامل.. عامان..
    في السنة الثالثة من دراستي الجامعية..
    ودون مقدمات.. أتاني الخبر عبر موجات الجوال..
    - روان!.. هل عرفتِ ماذا حصل؟
    - ماذا؟
    - بثينة هل تذكرينها؟
    - كيف لا أذكرها.. إنها صديقتي..
    - توفت الله يرحمها.. حادث سيارة في طريق عودتهم من العمرة..
    توفت.. توفت.. توفت؟؟؟ هكذا بكل بساطة.. زالت بثينة من هذه الحياة..
    معقولة.. بثينة؟ صديقتي الحبيبة..
    لم تعد.. موجودة..؟!
    لا أستطيع رؤيتها أبداً؟!


    * * *

    الأشخاص الرائعون لا نشعر بقيمتهم إلا حين نفقدهم..
    كنت أواعد نفسي بزيارتها ورؤيتها.. في وقت ما..
    لا أعرف.. حين أنتهي من (الانشغال)..
    والآن.. ها أنا أزور بيتهم معزية..
    أخذت أبكي بحرقة..
    كيف اختفت بثينة هكذا..؟
    كانت تذكرني دائماً بأن الموت قد يخطفنا في أية لحظة.. لكني لم أتخيل أنه يمكن أن يأتي بهذه السرعة.. بهذه.. الـ (مفاجأة)!!
    سبحان الله..!
    الآن هي تواجه منكر ونكير في قبرها.. هي تسأل..
    تعرض عليها أعمالها الصالحة والسيئة..
    بكيت كثيراً وأنا أتخيل وحشتها في قبرها..
    كان بالإمكان أن أكون أنا مكانها..
    وتذكرت رجاءها لي أن أقرأ كتيباتها التي أهدتني..
    شعرت بعطف كبير عليها.. وحين عدت للبيت أسرعت أحقق رغبتها..
    وكأنه أبسط ما يمكن أن أفعله من أجلها.. بعد رحيلها..
    فتحت العلبة وأنا أغالب دمعي وأخرجت الأشرطة والكتيبات لكي أقرأ وأسمع..
    وإذا بورقة تسقط من بينها.. ملفوفة بشريط من الساتان..
    رسالة..!
    ياااه!.. من ثلاث سنوات.. ولم أقرأها إلا الآن..؟!
    فتحتها بحرص.. وبدأت أقرأ وأبكي..
    حتى وصلت لمقطع هزني..
    (سأظل أدعو لك يا روان.. وسأظل أدعو الله أن يجمعنا في الفردوس الأعلى من الجنة..
    وكم أتمنى أن تدعي أنت أيضاًمعي.. وأن نبذل قصارى جهدنا لنحقق هذه الغايةالعظمى..
    وننعم بصحبة الأنبياء والأولياء.. ادعي معي يا روان.. لا تنسي!)

     
    بكيت كثيراً..
    إذاً.. كانت تدعو منذ ثلاث سنوات.. وأنا؟
    أنا.. لاهية.. غافلة.. أتابع هذه القناة وتلك.. وهذا الشريط وذاك..
    لقد عملت هي... فهنيئاً لها إن شاء الله..
    لكن أنا.. ماذا عملت؟
    منذ هذه اللحظة قررت أن أبدأ في تحقيق أمنيتها بإذن الله..
    الفردوس..
    وبدأت طريقاً جديداً أتدارك فيه ما مضى من عمري..
    ورغم أن بثينة – رحمها الله- قد مرت في حياتي ورحلت..
    لكنها تركتني شخصاً آخر.. تماماً..
    وندرة هم من يغيرونك.. حتى بعد رحيلهم..



    **
    مجلة حياة العدد (66) شوال 1426هـ

     


    - 35 -

    في مكان .. اسمه قلبي



    - أففف.. الدرس ممل.. (يحوم) الكبد!!
    - خخخخخ.. ومتى ما صار كذا؟
    - أقرف من فيثاغورس وشلته.. ناس مريضين.. وجابوا لنا المرض بنظرياتهم..

    تصرخ المعلمة..
    - مريفة وندى.. خير؟ وش عندك؟
    - ما فيه شي يا أستاذة.. نتناقش في الدرس..
    - ما شاء الله.. من زود الحرص..!

    ونظرت إلينا نظرات (حارقة).. ثم صرخت..
    - قومي يا مريفة.. قومي على السبورة حلي المسألة..
    - شكراً يا أستاذة.. ما يحتاج..
    - وشو اللي ما يحتاج؟!
    - خلي درجات المشاركة لغيري.. عندي درجات كثيرة..
    ضحكت الطالبات..
    - أقول.. عن الاستهبال.. وقومي..!
    سحبت نفسي بتثاقل من الكرسي المحشور قرب الجدار في آخر صف..
    - إنا لله.. والله يا أستاذة حصة حرام.. تضيعين وقتك ووقت الطالبات..
    صمتت وهي تنظر إلي..
    وحين وقفت أمام السبورة..
    - يالله قدامك مثلث طول ضلعيه 9 سم و12 سم.. كم طول الوتر؟
    - الله أعلم..
    - أقول يا مريفة.. ترى زودتيها..
    - والله يا أبلة.. ما أدري..
    - نظرية فيثاغورس..!
    همستُ بتحسر..
    - الله ياخذ فيثاغورس جعله الحمى..
    - معقولة؟! هذي ثاني سنة تعيدينها.. ولحد الآن ما تعرفين نظرية فيثاغورس؟؟
    - وشو اللي خلاني أعيد السنة غير هالـ (فيثاغورس) حسبي الله عليه؟
    نظرت إلي بهدوء نظرة عميقة.. ثم همست..
    - ارجعي مكانك..

    * * *

    رغم كسلي ومشاغبتي..
    فمعظم المعلمات كن يحببني ويتقبلن شقاوتي بصدر رحب..
    وكن يسألن عني في حال غيابي ويعتبرنني متعة الفصل..

    أما في البيت..
    فكنت مختلفة تماماً..
    حين أدخل أشعر أني ألج إلى سجن مخيف مظلم..
    والد متسلط قاسٍ.. متزوج من امرأة أخرى ولا يزورنا سوى يوم أو يومين في الأسبوع.. فقط ليثور ويصرخ ويتأكد من أنه لا يزال يسيطر علينا بغضبه وظلمه..
    وأم ضعيفة أنهكتها الأمراض العضوية والنفسية..
    وثلاثة أخوة فاشلين في الدراسة وفي الحياة..
    كنت أنزوي في غرفتي لا أعرف ماذا أفعل.. أهرب للنوم.. محادثة الصديقات على الهاتف.. وقراءة مجلات الشعر الشعبي.. وأكتب القصائد في حبيب لا يعيش إلا في خيالي..
    كان هذا عالمي..
    لا أخرج منه إلا حين أسمع صوت صراخ أبي على أمي..
    أو حين يأتي أحد أخوتي آخر الليل وهو غائب العقل والوعي.. ويتشاجر مع أمي..
    أو..
    حين تناديني أمي لأشرب معها القهوة في الليالي الباردة الموحشة..
    فأجدها تجلس وحدها في المجلس.. الذي يفوح برائحة عودها.. أجدها تمضغ وحدتها وألمها.. وخيبتها في ثلاث شباب يافعين..
    مسكينة هذه المرأة..
    ضعيفة.. محطمة..
    افترسها الألم والمرض فلم يبق منها سوى بقايا قلب جريح..
    لكن.. كما أحبها.. وأستدفئ بوجودها في هذا البيت الموحش..
    فإني أكره ضعفها وسلبيتها.. وهزيمتها.. وحزنها..
    وأتمنى أن أكون امرأة أخرى على عكسها تماماً..
    أحب أن أكون قوية.. ناجحة.. محبوبة..
    و.. سعيدة..
    حين أخرج للمدرسة.. أرتدي شخصيتي الأخرى.. التي رسمتها لنفسي بدقة..
    فتاة قوية مرحة.. محبوبة.. سعيدة.. لا تهتم ولا تبالي بشيء.. لا تخيفها الدراسة ولا المدرسات ولا حتى المديرة..
    الكل يعرفني في المدرسة فأنا مشهورة رغم كسلي.. كان الجميع يحبني.. وكنت محور اهتمام المدرسات والطالبات في كثير من الأحيان..

    * * *

    كنت أشعر بالغثيان أثناء درس التاريخ.. أصوات الخيول والسيوف أرهقتني.. استأذنت..
    كانت الساحة خالية..
    والسماء ملبدة بالغيوم..
    قطرات خفيفة من المطر بدأت تتساقط هنا وهناك..
    جلست على (دكة) أمام دورات المياه وأخذت أنظر للسماء الحالمة..
    و.. بكيت بهدوء..
    شعرت أن الأم حياتي كلها أصبحت أمام عيني في تلك اللحظة..
    كنت وحيدة وصغيرة.. تحت السماء العظيمة المتلبدة بالغيوم..
    كانت أمي قد دخلت المستشفى منذ أيام.. ولا أحد يعلم بذلك هنا..
    فكرت.. ماذا يمكن أن يحصل لي لو..
    لو.. توفت أمي..لا!.. يا رب.. يا ربي.. احفظها لي..
    لا أستطيع حتى التفكير في ذلك..
    أنا الآن شبه يتيمة.. فماذا لو فقدتها..؟
    أخذت أبكي.. على حالي.. وعلى أشياء كثيرة.. في حياتي..
    ابتل وجهي بالدموع واختلطت مع قطرات المطر على وجهي..
    شعرت بالبرد..
    وانتبهت لأن الوقت قد مر علي..
    وحين هممت بالوقوف.. فوجئت بأمل تقترب مني وهي مستغربة..
    - مريفة؟!! ما بك؟
    - هه.. لا شيء..
    - شكلك غير طبيعي..
    - لاشيء.. جلست قليلاً أرتاح.. فابتل وجهي..
    سكتت أمل وعلى وجهه ملامح استغراب..
    - مجرد ألم في بطني.. لا تخافي..
    وأسرعت نحو فصلي وأنا أمسك ببطني متظاهرة بالألم فيه..
    بينما الألم في مكان أعلى بقليل..
    مكان لا يعرفه أحد.. اسمه.. قلبي..


    **
    مجلة حياة العدد (67) ذو القعدة 1426هـ
     


    - 36 -

    ذهبت.. ولن تعود

    كنت في الصف الثاني الابتدائي..
    أضع في فمي المصاصة الحمراء وأسحب حقيبتي الثقيلة منتظرة وصول حافلتي مع صديقاتي..
    وفجأة سمعت صوت والدي في الميكرفون ينادي على اسمي عدة مرات.. (منال خالد.. منال خالد).. خرجت مسرعة.. ويا لفرحتي! رأيت والدي وهو يقف قرب الباب مرتدياً نظارته السوداء.. أسرعت إليه.. فربت على كتفي وحمل عني حقيبتي..
    كنت مستغربة وفرحة جداً في نفس الوقت لأني عدت مع والدي لأول مرة ولم أرجع في الباص المزدحم كالعادة..
    لكني لم أسأله لماذا أتى ليأخذني من مدرستي..
    وأخذت أسرد عليه ماذا قالت المعلمة أسماء وماذا فعلت صديقتي روان بدفترها وأريته الحلوى الغريبة التي اشتريتها من المقصف..
    كان صامتاً تماماً.. وحين توقف عند الإشارة نظر إلي نظرة غريبة ثم قال..
    (خلاص حبيبتي منول.. أنا وماما ما راح نعيش مع بعض.. بتروح بيت خوالك..)..
    قلت بثقة وببراءة..
    (إيه.. بتروح وترجع..)
    لكنه نظر بجدية..
    (لا ما راح ترجع يا بابا.. خلاص.. حنا تطلقنا)..
    ما راح ترجع؟ خلاص؟! تطلقنا؟!
    لم أكن أقدّر معنى هذه الكلمات..
    (ما راح ترجع؟.. يعني.. طوووووول عمرها؟)
    (إيه..)
    شعرت بالخوف.. ودق قلبي الصغير بعنف..
    (يعني تخلينا وتروح عنا؟!!)
    تنهد وأمسك المقود..
    (لا حبيبتي.. بتروحين معها..)
    (بس.. أنا أبيك.. ما أبي أروح.. ما أبي أخليك..)
    شعرت بغصة في قلبه.. وهو يرد علي..
    (وأنا أبيك حبيبتي.. بس.. مين يهتم فيك ويغير ملابسك؟.. مين يمشط شعرك للمدرسة؟.. لازم تروحين مع ماما..)..
    سكتنا وأنا غير مصدقة لما يقوله والدي..
    وحين وصلنا إلى منزل أخوالي..
    حملني والدي على كتفه..
    شعرت بأن الأمر حقيقي.. فتعلقت بعنقه بشدة وبكيت..
    مسد شعري بأصابعه.. وضمني.. (خلاص حبيبتي.. بتشوفيني كل أسبوع.. يا الله صيري مؤدبة وطيبة)
    أخرج من جيبه خمسين ريالاً..
    وأعطاني..
    (يا الله خذي هذي "الخضراء" واشتري فيها اللي تبين..)
    (ما أبي الخضراء.. أبيك)
    فُتح الباب.. فضممته بقوة.. ثم دفعني بلطف للداخل.. وأسرع نحو سيارته..
    وكانت آخر لحظة دفء في حياتي من صدر والدي..


    × × ×

    عشت مع والدتي في بيت جدتي أنا وأخي الصغير..
    وافتقدت مدرستي القديمة..
    وصديقاتي.. وغرفتي الجميلة..
    كنا نزور والدي أسبوعياً..
    لكن.. بعد فترة.. بدأت أشعر بالملل من هذه الزيارة..
    فوالدي لم يعد والدي.. والبيت أصبح كئيباً موحشاً.. بعد أن تركناه..
    كنت أشعر بالملل لجلوسي شبه وحيدة هناك..
    وكان والدي يحاول تعويضنا بالخروج بنا وشراء اللعب..
    لكن دون جدوى..
    وبعد فترة قطعنا الزيارات..
    وأصبحت أكتفي بمحادثته بالهاتف..
    كنت أسأل أمي كثيراً.. لماذا لا تعودين إلى أبي..
    لماذا لا نعود كلنا إلى بيتنا مثل السابق؟..
    لم أكن أشعر بأية صعوبة في ذلك؟
    كان عقلي الصغير لا يرى أي عائق في ذلك؟!
    وكانت أمي تقول.. إن أباك هو من لا يرغب بذلك..
    وحين كنت أسأل أبي.. كان يقول.. أمك التي لا تريد..
    ولم أفهم شيئاً..


    × × ×

    بعد فترة.. شعرت أن والدي لم يعد يسأل عنا.. ولا يخرج بنا ولا يهاتفنا..
    علمت من أمي.. أنه تزوج..
    لم أستوعب كيف يمكنه أن يتزوج امرأة غير أمي..!
    وبعد عدة أشهر أخذنا والدي لنرى زوجته..
    أمي كانت أجمل منها..
    أعطتنا بعض الحلوى.. لكنها لم تضمني ولم تمتدح فستاني الجديد.. وكانت تشبه أبلة نورة في المدرسة..
    كنت في الصف الرابع.. حين قالت لي والدتي أن علي أن أذهب للعيش مع أبي.. وزوجته..
    سمعتها تقول لخالتي..
    (على كيفه؟! هو يتزوج ويخلي العيال عندي.. لا والله.. أرميهم عليه وعليها.. وأشوف حالي..)
    لم أفهم معنى كلامها جيداً..
    لكني.. شعرت بالألم لأنها قالت عنا (أرميهم).. لماذا ترمينا أمي؟ ماذا فعلنا؟
    ذهبت لبيت والدي..
    وجدت أن غرفتي تغيرت.. أصبح جزء منها مكاناً لملابس الغسيل والكي.. لم أحب هذا..
    وقلت لماما هدى.. لكنها قالت أنها لا تستطيع تغيير الغرفة..
    يجب أن أصبر وأسكت..
    حسناً.. لا بأس..
    علمتني أن علي أن أجلس في غرفتي حين تجلس هي مع والدي في الصالة لمشاهدة التلفاز..
    كنت أتمنى أن أذهب وأجلس معهم كما كنت أفعل مع أمي وأبي..
    لكنها علمتني ألا أطلب ذلك
    حتى..
    كان والدي يناديني أحياناً وهو في الصالة..
    - منولي.. تعالي بابا اجلسي معنا..
    كنت أحترق لذلك.. لكني كنت أجلس في غرفتي بملل.. وأرد..
    - ما أقدر.. عندي واجب بأحله..


    × × ×

    ذات يوم سألتني الأخصائية الاجتماعية عن زوجة أبي.. هل تضايقني أو تؤذيني؟..
    لم أعرف ماذا أقول..
    كلا.. لم تؤذني بالفعل.. لم تضربني.. ولم تصرخ علي.. ولم تحرمني من شيء.. ولم تدفعني لأن أعمل مثلاً..
    كلا.. كانت تهتم بي وبنظافتي.. وبملابسي.. وبغرفتي.. وبدراستي أحياناً.. وتعطيني الحلوى إذا أطعتها..
    لكن..
    - لكن ماذا يا منال؟
    - لا شيء..
    لم أكن متأكدة أن الأخصائية الاجتماعية ستفهم..
    فسكت..
    كنت أفتقد أشياء كثيرة..
    أفتقد الحب.. الحنان.. والأهم من ذلك.. الأمان..
    الشعور بالأمان كما تشعرين مع أمك حين تشاغبين قليلاً أو تطلبين المزيد من الحلوى.. مهما غضبت.. فهي أمك..
    هذا الشعور الرائع بالأمان معها وبالعفوية..
    زوجة أبي.. كنت دائماً أشعر بأنها مثل المعلمة نورة إدارية الحضور والغياب..
    أعاملها باحترام.. وتعاملني باحترام..
    لكن لا أستطيع أن أرمي برأسي على صدرها.. أو أن أطلب منها أن تحك لي ظهري مثلاً!
    لا أستطيع أن أرجوها بشدة أن أجلس معها ومع والدي لمشاهدة التلفاز في المساء..
    لا أستطيع أن أطلب منها أن تجلس عند سريري في الليل أو تنام معي حين أشعر بالخوف..
    كنت أكتفي بأن ألف نفسي بالغطاء جيداً.. وأبكي حين كابوساً مرعباً..
    وكنت مجبرة على أن أتركها تقص شعري قصيراً للغاية لأنها لا تريد أن تمشط شعري كل صباح..
    كنت.. أخاف منها.. أو من (زعلها)..
    ومع كل هذا الألم كنت أقوم بدور الأم مع أخي الذي يصغرني بعامين..
    فكنت أقرأ عليه القرآن حين يشعر بالخوف في الليل.. وأمشط شعره في الصباح.. وأقص عليه القصص..


    × × ×

    كان أجمل يوم عندي.. حين يأخذنا والدي لزيارة أمي شهرياً..
    كنت أضحك طوال اليوم..
    وأصر على أن أنام قربها في الليل..لأشم رائحة أنفاسها التي تبعث في نفسي الطمأنينة والدفء الذي افتقدته منذ سنوات..
    وفي النهار.. كنت أستمتع بالأفعال التي لم أكن أستطيع فعلها مع زوجة أبي..
    كنت أفتح أدراج أمي.. وألعب بكريماتها وبودراتها.. أرتدي أحذيتها.. وخواتمها..
    وكنت أطلب منها أن تحك ظهري كلما سنحت الفرصة!
    وأجعلها تقص علي القصص..
    وكنت أجتر ذكريات هذه الزيارة لعدة أيام بعدها..
    وحين ولدت زوجة أبي وبقينا لدى أمي لمدة شهر ونصف.. كانت تلك أسعد أيامي..
    لكن.. لم أكن أعرف أن هذه القطيرات القليلة من السعادة مع أمي.. ستنضب.. وتتلاشى من حياتي.. إلى الأبد..
    فبعد عدة أشهر.. عرفت أن أمي ستتزوج.. وترحل لمدينة أخرى..
    أمي تتزوج؟.. وتسافر؟
    لكن.. كيف سأراها وأزورها؟
    بكيت وقلت لأمي..
    (ليش تتزوجين؟ لا تتزوجين.. أنتي زوجك أبوي وبس..)
    لم ترد علي أمي.. لكن جدتي أقنعتني أن هذا أمر ضروري.. وأننا سنراها كل صيف بإذن الله..
    وافتقدت أمي طوال سنة كاملة..
    ذهبت لمنزل جدتي عدة مرات.. لكنه كان خالياً دون أمي..
    وجدتي لم تعد ترحب بنا كثيراً.. خاصة مع كبر سنها ومرضها ومع شقاوة أخي المتزايدة..
    وفي الصيف.. جاءت أمي..
    ضممتها وبكيت بشكل لم أتصوره..
    أما أخي.. فرفض أن يسلم عليها إلا بصعوبة..
    كنت أعرف حجم اللوم والعتاب في قلبه الصغير..
    قلت لها كم افتقدتها وكم أتمنى أن تبقى هنا طويلاً..
    لكنها لم تبق سوى عدة أيام وذهبت..
    عرفت رقم هاتفها وأصبحت أتصل عليها وأحادثها..
    وطلبت منها أن أزورها إن لم تكن تستطيع القدوم..
    فتلعثمت.. وقالت لا أتوقع أن والدك سيوافق..
    لكن مع إلحاحي عليها رحبت بي..
    وبالفعل أقنعت والدي.. وفعلت المستحيل لأرضيه وأجعله يوافق على ذهابي في الصيف إلى أمي..
    وحين وصلت.. ودخلت بيتها..
    داهمني شعور غريب..
    لم أشعر بـ.. الأمان..
    لم أشعر بأني في بيت.. أمي..
    بل في بيت رجل غريب..
    سلمت عليه لأول مرة..
    كان أكبر سناً من أبي.. وأقصر..
    رحب بي.. لكن.. لا أعرف لماذا.. لم أشعر بأنه سعيد لوجودي..
    حتى أمي كانت متوترة وشعرت أنها شبه محرجة من وجودي..
    أرشدتني لغرفة الضيوف وبدأت تملي عليَّ التعليمات الكئيبة..لا تخرجي من الغرفة وتتجولي في البيت دون سبب.. استخدمي هذا الحمام فقط.. لا تجلسي في الصالة إذا كان موجوداً.. لا تقتربي من غرفة النوم.. لا تسببي أي إزعاج عند وجوده..
    وبدأت أشعر بالوحدة والألم..
    وحين ذهب للعمل جلست في الصالة.. نظرت لغرفة أمي.. كنت أتمنى أن أدخلها.. وأن أفتح أدراجها كما كنت أفعل سابقاً.. وأتقلب على سريرها.. لكني تذكرت تعليماتها فخفت.. وشعرت بأن أمي بعيدة عني جداً ولن تعود كما كانت..
    ورغم أني كنت في الصف السادس.. لكني كنت ذات شعور مرهف.. وكنت شديدة التحسس.. وعرفت كم أن وجودي مؤذ في حياة أمي الحبيبة.. فقررت أن أنسحب بكل آلامي..
    وعدت بعد أن أمضيت ثلاثة أيام فقط لديها.. بعد أن كنت أنوي البقاء لمدة شهر..
    ولم تمانع أبداً في ذهابي..
    وعرفت في هذه الرحلة أني أصبحت شيئاً مخجلاً لأمي وأن علي ألا أحاول الذهاب إليها مرة أخرى.. لا فائدة.. فأمي القديمة ذهبت.. ولن تعود..



    **
    مجلة حياة العدد (68) ذو الحجة 1426هـ

     



    - 37 -


    غيداء بنت خالد المحيميد
     
    الإرادة تصنع الأحلام

     
    منذ أن كنت في أولى سنوات العمر كانت هواية الرسم تسير في عروقي.. أهواها كثيراً وأحب كل شيء يتعلق بها أحب أن أكون رسّامة يشار إليها بالبنان.. أحببت لوحتي وفرشاتي.

     
    كنت أقضي كل يومي في الرسم.. أما عن رسمتي المفضلة فهي (الغروب) هو إحدى الرسمات المحببة إلى قلبي..
    لا أدري هل لأنه مناسب لحالي؟! حالي منذ أن كنت في السابعة من عمري وأنا مختلفة عن باقي الأطفال لم أذق للطفولة معنى ولم أعش أيامها.. الكرسي المتحرك هو من فرض نفسه عليّ.. هو من هدم لي حياتي وحطم لي أحلامي..
    أصبح يلازمني في كل مشاويري حتى في أوقات نومي أحياناً..

     
    لا زلت أذكر ذلك الحادث جيداً الذي سلم منه الجميع إلا أنا بمشيئة الله..

     
    مكثت حينها أياماً في المشفى
    وعندما خرجت.. لم تلامس قدماي الأرض حتى هذه اللحظة..

     
    كنت لا أعرف وقتها ما معنى الإعاقة أو أن أجلس في هذا الكرسي طيلة حياتي...

     
    فقدت حينها أغلى ما أملك
    وفقدت معه متعة حياتي الوحيدة وهي أن ألعب وأجري مع أخوتي مجدداً أو أن أخفي نفسي خلف الباب فتأتي أختي لتفاجئني من الجهة الأخرى..

     
    آآآآه الأمنيات كثيرة هنا ويبدو من الصعب تحقيقها، في البداية فقدت الأمل.. كنت دائماً أردد في مسامعي بأني إنسانة لا معنى لها في الحياة..
    أصبح الكل لا يهتم بي.. أبي أخوتي، حتى أمي لا أراها إلا عندما تصدر أوامرها لخادمتي الخاصة التي من الممكن هي الأخرى أن تمل من جلستي يوماً ما... فكنت أذهب دائماً إلى أنسي الوحيد.. إلى لوحتي وفرشاتي حتى أنسى همومي.. أحاول أحياناً بمسك فرشاتي لأرسم مجدداً، وما أن أضعها على اللوحة إلا وأرى نفسي قد انتهيت من رسمتي

     
    رسمت (الغروب) الذي غربت معه حياتي.. وستبقى كذلك للأبد دون تغيير.. فكل شيء في الحياة تحول، خاصةً في منزلنا.. أخوتي الذين أجلس معهم تغيروا كبروا واستقلت حياتهم مع أزواجهم وأبنائهم.... إلا أنا وحدي لم أتغير.. حتى الكرسي المتحرك لم يتغير إلا مرة واحدة عندما سقطت من أعلى السلم.. يومها حاولت الوقوف لم أستطع حاولت وحاولت لكن دون جدوى، عرفت حينها عجزي تماماً عن الحركة، فأخذت أبكي وأبكي.. فما كان من أهلي إلا أن أتوا لي بكرسي آخر. أذكر تلك اللحظة جيداً كنت فرحة جداً به... سبحان الله.. كل الأطفال يفرحون بألعابهم الجديدة وأنا الآن فرحة بهذا الكرسي.. يبدو لي أنه حتى أوقات فرحتي تقتصر على حالي.

     
    * *

     
    بقيت على هذا الحال عدة سنوات.. حتى منّ الله علي بزوج صالح، كان أسعد خبر لي في حياتي أو بالمعنى الأصح هو أول خبر فرحت فيه، زوجي.. هو الذي أبدل لي حياتي، وأعاد البسمة إلى شفاهي.. كان دائماً يسمعني كلمات رائعة تدخل إلى قلبي فتشفيه من كل الهموم كالماء إذا ما انساب على صحراء إلا ويحولها إلى حديقة غناء، وكان يذكرني بربي وأن هذا هو قدري.. وماذا نريد نحن من الدنيا.

     
    بعد أشهر من زواجي علم زوجي بمهارتي في الرسم عن طريق أخوتي، فطلب مني بأن أرسم له لوحه من تصميم يدي، فتذكرت أني أتقن رسم الغروب فرسمتها له.. فأبدى إعجابه بها وأخذ يشجعني كثيراً، لكنه سألني عن سبب اختياري للغروب؟
    لم أستطع الإجابة! فأخذ الصمت يعم المكان.. ثم ما لبث إلا أن طلب مني رسم لوحة عن الشروق.. يبدو أنه فهم معنى الرسم.. أخذت الفرشاة من جديد وبدأت أولاً برسم الخطوط، وفجأة انتهيت من رسمة الغروب.. ترى هل لأني معتادة على رسمها؟
    أو أن الشروق بعيد حصوله!!
    لم يعلق زوجي على هذا فقط
    ابتسم، ثم قال: سترسمين الشروق يوما ما بإذن الله.. وبعدها خرج..

     
    أخذت أنظر إلى رسمتي.. انتابني شعور غريب نحوها..
    فأخذتها ومزقتها إلى قطع صغيرة والدموع منهالة على خدي.. يا إلهي لماذا أنا هكذا؟
    أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب إليك، اللهم ارحمني وفرج لي كربتي..

     
    * *

     
    بعد ثلاث سنوات من زواجنا وبعد الصبر والتوكل على رب العالمين
    رزقنا الله بطفلة جميلة كالقمر.. كان أسعد خبر لي في حياتي عندما علمت بذلك، كنت سعيدة رغم
    التعب والآلام.. كنت أتوق لرؤية من سكن أحشائي..

     
    وبعد أشهر طويلة جاء موعد
    الولادة.. في لحظتها كنت أتجرع الألم بكل فرح وارتياح..
    الحمد لله ها هي ابنتي خرجت على وجه الدنيا، أعجبني شكلها كثيراً ووجهها المحمر من كثرة البكاء والصراخ..
    أحسست رغبة شديدة للبكاء معها فحملتها وضممتها إلي بكل حنان وعناية، سقطت دمعة من عيني حارّة أحسست بحرارتها لأول مرة، ترى هل هي مشاعر الأمومة أم ماذا؟

     
    بعد أيام خرجت من المستشفى،
    وعند وصولنا للمنزل أحببت أن أفاجئ زوجي، فطبت منه الذهاب للعمل أولاً، وبدأت أنا بتجهيز المفاجأة..

     
    وعند عودته كانت المفاجأة بانتظاره.. لقد رسمت الحلم الذي كان يتمناه..

     
    نعم رسمت الشروق لقد أشرقت حياتي وغابت أيام الماضي الحزين.. ودفنت معه كل ذكرياتي الأليمة، لأبدأ من جديد..

     
    ها هي ابنتي أشرقت.. ومن شروق الحياة كان اسم ابنتي (شروق)..
    فأهلا بك يا نور فؤادي ومهجة قلبي...

     
    بعد ذلك تعاهدت أنا وزوجي على تربية (شروق) التربية الصالحة..
    وكانت تكبر وتكبر، ويكبر معها قلبي،

     
    وها أنا أراها في أجمل أيامها، تسبح في ثوبها الأبيض، ثوب الأحلام، ثوب زفافها
    وفقك الله يا بنيتي وجعلك زوجة صالحة لزوجك،

    ذهبت حوريتي، محتفظة بوصايا والديها... فعرفت حينها معنى الإعاقة جيداً، فالمعاق ليس بجسده وإنما بعقله..
    وبفضل الله ثم بإرادتي ... صنعة أحلامي ..



     
    **
    مجلة حياة العدد (69) محرم 1427هـ
     


    - 38 -


    نفحة اعتذار معطرة.. أبعثها مع كل الحب للغالية التي قد تعنيها القصة..
    لا أعني شيئاً هنا يا صديقتي.. سوى أنك إنسانة رائعة..


    صديقة الشمس


     
    حين كنت أحضر باكراً بالحافلة.. وأتوجه لقاعة الكافتيريا لأتناول فطوري..
    كنت أراها هناك..
    كانت تجلس في نفس المكان.. على تلك الطاولة إلى أقصى اليسار.. قرب النافذة الكبيرة حيث تدخل أشعة الشمس..
    كنت أستغرب كيف تجلس تحت الأشعة.. ألا تشعر بالحر؟ لماذا لا تغير مكانها..
    لذا كنت أسميها في نفسي
    (صديقة الشمس)..
    كنت أراها دائماً تمسك بكتاب وتقلب صفحاته وهي تفطر وحدها..
    كنت أجلس في جهة مقابلة لطاولتها.. أحاول أن أراقبها فأجدها تلمحني..
    ابتسم لها فترد الابتسامة..
    كانت ترتدي دائماً ملابس واسعة بألوان باهتة.. تشد شعرها بقوة إلى الخلف.. وبشكل مرتب جداً.. وترتدي نظارة طبية بلا إطار..
    مع مرور الأيام.. ومع كثرة رؤيتي لها..
    نشأت علاقة ألفة بيني وبينها.. دون أن أتحدث معها.. كنت أعتبرها صديقتي التي لم أتعرف عليها..



    ذات يوم التفتُّ وأنا أسحب صينيتي على رف البوفيه.. فإذا بها خلفي..
    انتهزت الفرصة لأسمع صوتها وهي تشير لعاملة البوفيه..
    - جـ.. جـ.. جـ.. جججـ..
    استغربت وأنا أحاول إبداء عدم اهتمامي..
    بدأت تضغط بقوة.. حتى نطقت..
    ـ ججبن .. أبيض..
    ارتاحت لأنها نطقت بها بعد صعوبة ثم أكملت..
    ـ لو سمحت..
    ألقيت نظرة سريعة عليها أثناء سيري..
    وجدت يديها ترتجفان وهي تحمل صينيتها..
    كانت هذه فرصتي لأفتح معها موضوعاً.. كنت أتمنى أن أتعرف عليها.. لا أعرف لماذا..
    ابتسمت لها.. فردت بابتسامتها التي اعتدتها كل صباح..
    لم أجد ما أقوله.. شعرت بالحرج.. ومضيت في طريقي نحو طاولتي التي أجلس عليها كل يوم..
    ورأيتها تجلس هي الأخرى في مكانها.. تحت أشعة الشمس..


    * * *

    في اجتماعنا العائلي الأسبوعي.. فتيات كثيرات..
    بنات عماتي وأعمامي ..
    أنظر إليهن طويلاً..
    أقصى اهتماماتهن المكياج وصبغات الشعر..
    أحدث جوال في السوق.. أو المظهر الجديد للمغنية المشهورة..
    أففففففففف..
    أشعر بالملل..
    - فايزة.. ليش ما تصبغين شعرك؟
    كم يضايقني هذا السؤال..
    ـ أحب لونه..
    - لكن أنت بيضاء.. حلو لو صبغتيه أحمر نحاسي..
    كيف يمكن أن أدخل في جدال حول موضوع كهذا..
    نظرت إليها.. واكتفيت بالصمت..
    في تلك اللحظة كنت أشعر بحاجة ماسة لشخص عاقل أتحاور معه.. أتحاور معه حول موضوع.. (يستحق) الحوار..


    * * *

    صباح الأربعاء ممتع دائماً.. وخفيف..
    توجهت لقاعة الكافتيريا.. لمحتها تجلس في نفس طاولتها.. تحت الشمس..
    ما شاء الله!.. تأتي مبكرة جداً.. كل يوم..
    كنت أتمنى أن أراها أمام بوفيه الطعام مثل ذلك اليوم لعلي أفتح معها حديثاً..
    حين وضعت صينيتي على رف البوفيه لمحت كتاباً.. لم يكن أحد يأبه به..
    اقتربت منه.. غلاف قديم.. (الأرض الطيبة).. يا الله.. قرأتها منذ زمن طويل..
    بشوق غريب.. فتحت الغلاف.. عليه ختم مكتبة الجامعة.. إنه للإعارة..!
    مسكينة صاحبته.. يجب أن تستعيده وإلا فهي في مشكلة..
    نظرت حولي في القاعة.. من يمكن أن تكون التي قد اختارت هذا الكتاب؟ من صاحبة الحس الأدبي الرفيع؟
    كانت القاعة فارغة تقريباً.. لم يكن هناك سوى فتاتان إحداهما ضخمة.. ذات شعر قصير جداً.. لا يناسبها.. معها صديقة نحيلة ذات شعر طويل خفيف يلمع بالزيت على ما يبدو من بعيد..
    لا أعرف لم.. لا أتخيل أن إحداهما يمكن أن تكون صاحبة الكتاب..
    هناك فتاتان سمراوان تضحكان طوال الوقت.. ترتديان قمصان بألوان فاقعة.. إحداهما تضع النظارات السوداء الرخيصة.. والثانية تضع سماعات الهيد فون..
    حسناً لا يمكن..
    وهناك.. في أقصى القاعة على اليمين..
    تجلس صديقتي.. التي لا أعرفها.. (صديقة الشمس).. قرب النافذة..
    تشرب كوب شايها بهدوء.. وقد سقطت أشعة الشمس عليها..
    أنهيت أخذ طعامي.. ثم توجهت بصينيتي وبالكتاب.. نحوها..
    ـ السلام عليكم..
    نظرت إلي وهي تبتسم كعادتها..
    ـ وعليكم السلام..
    وضعت الصينية على الطاولة ورفعت يدي بالكتاب..
    حين نظرت إليه استغربت..
    ـ أوه!! كتابي.. شكراً.. أين وجدته..؟
    ابتسمت..
    ـ هناك على الرف.. خمنت أنه لك..
    ـ أشكرك.. جزاك الله خيراً..
    فكرت سريعاً.. يجب أن أجد وسيلة لفتح حوار.. لن أضيع الفرصة..
    ـ كتاب رائع.. قرأته حين كنت في الثانوية..
    ـ ما شاء الله!! أنت تحبين القراءة..
    ـ أووه!.. أحب القراءة؟.. يمكنك أن تسميني (دودة) كتب..
    ـ حقاً؟ لأول مرة أجد فتاة مثلي تحب القراءة..
    ـ هل تسمحين لي أن أجلس في طاولتك..
    ردت بفرح..
    ـ بالطبع تفضلي..
    بدأنا نتبادل الحديث بسرعة حول العديد من القصص والكتب.. وحول هواياتنا ووجدنا الكثير من التشابه بيننا..
    لاحظت أنها أحياناً.. تقف عند حرف معين.. وتضغط عليه وتكرر نطقه كثيراً..
    كانت تشعر بالحرج وتغمض عينيها وكأنها تريد أن تهرب من نظراتي أو نظرات من حولها.. وتضغط على أسنانها.. وتحمر أذنيها.. ثم تكمل باقي كلامها بشكل طبيعي..
    أصبحنا نجتمع كل يوم في الصباح.. في الكافتيريا..
    نتبادل الأحاديث.. ونتناول وجبة الفطور مع وجبة لذيذة من الثقافة والأدب..
    وأخبرتها أني كنت أسميها (صديقة الشمس)
    فضحكت.. وقالت أنها لم تشعر يوماً بحرارة أشعة الشمس خصوصاً حين تستغرق في القراءة..


    * * *

    ذات صباح صيفي..
    حين بدأت ترتاح لي أكثر.. ودون مقدمات.. قالت..
    ـ