اطبع هذه الصفحة


السعة والضيق في المشهد الثقافي

د.حمزة بن فايع الفتحي


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


تتنامى الثقافة في مساحات من التسهيلات الاجتماعية والفكرية ، فتحقق بعض أهدافها، إذ يتوالد الوعي، ويفشو الحوار، وتُحترم الآراء، وتنبت شبيبة الإبداع والابتكار، وحب المعرفة والاطلاع،،،،!

ولكن ذلك، لابد له من مناخ اجتماعي مرحب، وليس طاردا أو نافرا، او مستصغرا لحجم الأدوار الثقافية المبذولة،،،! وإلا عدنا إلى السياق النخبوي العزيز،،،،!
وككل المجتمعات يوجد المساحةُ وضيقُها، والهواء ومعكّره، والصفاء وملوثه، والسرور ومكدره،،،،! وكذا هي الحياة،،،!
فكر وأضداد، وعلم ومنتحلون، وعزائم ومحبطات...
ولكن جمهرة المثقفين، والحرصاء على النماء الفكري والثقافي، وبناء الوعي المجتمعي المنشود، ما كان لهم ان يرضوا بكذا موقف، يضاد حركة الحياة والثقافة، او يلزموا الحياد، ويتركوا جملة من العوائق والمكدرات تتحكم في المشهد، وتفرض صورة من التخلف او الرجوع الى الوراء، او مكانك سر،،،!
ذاهبين بالثقافة وتطلعاتها الى الجحيم، وملقين بها في واد سحيق،،! لكأنها يتيمة الدهر، لا عروسه، وكئيبة الحياة لا فريدتها،،،!

ولذلك نؤكد هنا أن المشهد الثقافي ما كان له أن يتسع ويثمر بدون التعاون والتلاحم الاجتماعي والنخبوي، ومن ذلك:


1/ اشتهاء الثقافة او احترافها،
والبحث عنها وتسهيل أدواتها للمقتدر، والسير وراء خطوطها وفعالياتها تنظيما وإدارة وتخطيطا،،،! وعلى الضد من ذلك، غلقها وتحجيم دورها، والزهد في غاياتها،،،! وأنها نوع من الممارسات الترفية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع،،،! والاكتفاء بروتين الحياة اليومي، الذي مصيره غالبا ينتهي الى البلادة والضياع، واللا مبالاة،،!

2/ كونها أساسية التفكير النخبوي:
لا سيما وآثارها الوعي والبناء والنماء، وليس مجرد الأشعار، ومنتديات الترويق وتوسعة الصدر، كما يتصور بعض المنغلقين،،،!
لأنها تهدف الى خدمة مدنية، وتعريف المواطن بما له وعليه، وصناعة العقلية الاسلامية والوطنية المتزنة، ومحاربة الأفكار المتطرفة،،!
والتنوير بالمشكلات اليومية وسبل علاجها، وتبصير الشباب، ومخاطبة اكثر الفئات، ودفع السلوك الحضاري باعتناء تجاه المجتمعات ومقدراتها،،!
كل ذلك مما تهتم به المؤسسات الثقافية، وليس منةً منها ، بل واجب محتم تضطلع به،،! وهو دور يمارسه النخبة، وإلا كانوا جزءا من المشكلة، فدورهم البدار وصدق التفاعل، وكما قيل في الحكمة ( الذي يولد وهو يزحف ، لا يستطيع أن يطير )!!

3/ الحوار قيمة التلاقي المدني:
وانعدامه إحلال لمناهج الخصام والنزاع والاتهام، واتخاذ المواقف المسبقة، وتكريس لركائز المشكلات ،،،!
بالتحاور الجيد تضيق المسافات، وتشتد الأواصر، ويصدق التعارف، ويُدرك المنال،،،!
فكم من تعقيدات يفككها الحوار، وكم من مشاكل أزيلت بفضل الحوار،،! ولكنه حوار له فنون وآداب ترعاه، وتبلغه غايته المأمولة،،! قال تعالى(( وجادلهم بالتي هي احسن )) سورة النحل .

4/ الانفتاح المنضبط:
والذي ينهج دوما التعبئة الشاملة من كل المعارف والتوجهات والتيارات، حتى يستفيد ويلامس عصره، ويستمتع بالحضور الآني،،! وهو ما يُعرف بالانفتاح، والقراءة في كل فن، ورفض القناعات المستعارة، او المفروضة، والتي قد تجر الى التصلب وبناء عقلية حجرية تأبى على التغير والفهم والتجديد،،،! وتلكم مشكلة عصية في النطاق الثقافي، لأنها تقريبا نصف مشكلة التصلب الفكري،،،! ولا زالت تتداعى كلمات المفكرين وشكواهم منها،،،!
لأنها ذات خطوط وعراقيل متفرعة، لا تنقضي ولا تنتهي،،،، وكما قيل :
ولو كان سهما واحدا لاتقيته// ولكنه سهم وثان وثالثُ !!

5/ الإيواء والمصادرة:
اذا باتت الثقافة شللية او مختصة لفئة دون أخرى، ضاقت وهانت، وحُرم منها الأفذاذ والطاقات، وذهبت الجموع الشعبية أدراج الرياح، ولم يتحقق الوعي المطلوب ،،،! ولذا السعة هنا عدم المصادرة، وفتح الباب للجميع، ما دام ذلك يتم في الساحة الاسلامية الواسعة،،!

6/ البرهان أولى من الادعاء:
وهو يأتي على أشكال، منها الطموح الثقافي، او الانتاج ودقة الكلام والمتابعة، وتحقق الموهبة، وحسن التفاعل مع الأحداث، او ديمة المشاركة الثقافية وأشباهها، من التي تعطي برهانا على الانتماء الثقافي، وليس الدعوى المفتقدة الى البرهان،،،! لأن الكل يدعي نحو ذلك،....
وكل يدعي وصلا بليلى// وليلى لا تقر لهم بذاكا !!

فعلى كل عاشق راغب، أن يقدم مهر محبوبته، المؤذن بالحب والتعلق والاهتمام،،،! وإلا كان ادعاء لا يثبت،،،،!!
وقد قيل: ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهرُ ،،!!
ولا ارتياب أن تأزم الثقافة، مؤذن بتأزم الابداع والإنتاج، وإن كان الابداع يلد احيانا من المأساة والمضايق، إلا إن توفير المناخ الملائم داعم أساسي له،،!

7/ الاستعداد للمواجهة والمطارحة:
لها أداتان القدرة وحسن التمكن ،،! وبعد ذلك لا خوف من المواجهة والانتقاد، ومقارعة أكابر الخصوم بالحجة والبرهان،،،،،!
ولكن انعدام احدهما معلم بالاهمال والزهادة الثقافية، بحيث لا يلهث وراء المنائر، ولا تُستدعى ولا يحفل بها،،،! وكما يقال: فاقد الشئ لا يعطيه،،،،!
بل يعطيك ويمنحك التجاهل والتواكل، والمسارعة بالتجهيل والاتهام،،،!
وربما ارتدى قميص التعالم،،،: ماذا عند فلان،،؟! سبرناه وغوره، وفوجئنا بسرقته المقالات والقصائد والتحليلات ،،،!
وماذا بعد،،؟!
وسع صدرك، ودع عنك اللجج الثقافي،،،،!
فأكثرهم أدعياء،،،،!
وهكذا دواليك حتى يصلوا لوأد الثقافة، وتحجيم المثقفين،،،! ولكن هيهات، هيهات، سينتصر الأقوياء في النهاية، وهم حملة الوعي والفكر الى الخليقة،،، والسلام.

1435/11/21
صديقكم// ابو يزن
 

مقالات الفوائد