|
|
آفاق رمضانية (1)
حين تسمو نفس المؤمن في أجواء وروحانية رمضان فلا تلبث إلا أن يكون أثر ذلك في
الجوارح لاشك , وقد قال –صلى الله عليه وسلم-:"من لم يدع قول الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" , وهنا يأتي معنى الصوم الحقيقي في ضبط
الجوارح , ومن ثم أطرها على الحق , حتى وإن كان الصائم من ظُلم وأُخذ حقه فإنه
يستمر في مدرسة الحلم وضبط النفس والأعصاب , ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب
فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم" , إن الصائم الرباني له مع جوارحه
في رمضان دورة تدريبية في توجيهها التوجيه الصحيح , وهي فرصة من الفطنة
استباقها : وإن الجوارح مفاتيح خير للمؤمن إذا وُفق في كفها عما يُغضب المولى –جل
وعلا-ومن ثم جاهد نفسه لإيجاد البديل الناجع فحري أن يصف مصاف الأولياء . ونعجب
حقاً ممن بلغه الله الشهر , وأتم عليه نعمته بوافر الصحة والقوة , وقد أخذت
نفسه زمناً مع المعصية والعادة السيئة , وقد تردد في قرار لوقف ذلك –لأسباب عدة-,
ولكنه لم يخالجه أن يستوحي معاني الشهر المبارك : ليجعلها بداية محرقة لنهاية
مشرقة (بإذن الله) . .
إنها سؤالات واستفهامات أوجهها لنفسي أولاً , ولإخواني وأخواتي ثانياً عبر أثير
رمضان الروحاني . . أقول :
- ألا يحين لمن
أراد أن يرقى بسمعه للقرآن , وأطايب الكلام أن يتنغم بآيات الذكر , وأروع
التلاوات ليحلها محل مزامير الشيطان , وفاكهة المفاليس ؟ . .
- إلى ذلك الذي
لطالما أشغلته المقاطع والمناظر والصور والأفلام والمسلسلات المحرمة عن التفكر
, وتفرغ القلب لله , ألا يجد من هذا الشهر عزيمة ليتلذذ بمطالعة المصحف الكريم
, والتفكر في آلاء الله المجيد ثم ليقصر نفسه عن الباطل قصراً , ويجاهد ذاته في
ذلك . .
- أنت يا من لم
يقف لسانه عن الغيبة والشماتة , وعن الهراء والمجادلة . . أوقن أنك ستجدها فرصة
لترطيب لسانك بذكر الله فيكون ذاكراً شاكراً , ألا تجعل هذا اللسان الذي
لاطالما أشغلك والآخرين عن الخير فلا يلبث حتى يكون تالياً لكتاب الله , يتغنى
بآيات الذكر الحكيم ؟ . .
- إلى ذلكم الذي
لا يعلم ما أكل من حرام أم حلال , فقد يكن الجسد نبت من سحت وهو لايعلم , يريد
ليتخلص من ذلك منذ علم الحكم , ولكن الشيطان طوق عقله , والدنيا أغرته بالأماني
الزائفة , والخدع الباطلة . . ولكن أتت الهبة من الله حين اُعتقلت الشياطين ,
وبات يستمع لنداء الملك (يا باغي الشر أقصر ) فيطهر مأكله ومشربه , ويستأنفها
تجارة مع الله , ولكن بعملة جديدة تقوم على البر و الإحسان . .
- أيا من أشغل
فكره وجسده بكثير من الشواغل الدنيوية , والهوامش الحياتية أما يرنو لأن يستعيد
قواه الداخلية فيتوجه للصالح من العمل , والباقي الحسن من الأثر , فيجد رمضان
مؤيداً ونصيراً له , فيألف الخير ويألفه , ويرسم اسمه مع السابقين إلى الخيرات
! حتماً سيجدها فرصة لتوظيف مهجته لله . .
- قف! يا من
أشغلته شهوته من الحق , وأوردته غريزته أوحال الغي والضلال فقد أدركت رمضان ,
واستطعت أن تكف بعض ملاذ النفس وحاجته نهار الشهر , إنها فرصتك لأن تنفك من
ربقة الفواحش والملهيات , وتتخذ من المسجد سكناً , ومن القرآن صديقاً . .
- وهناك الكثير
من النداءات الربانية , والآفاق الرمضانية لتوجيه جوارحنا وإراداتنا صوب مراد
الله وغايته في هذا الشهر الكريم , وإن رمضان يحمل كثير من مراكز التدريب التي
تؤهل من يلتحق فيها أن يمتلك المهارة الكافية لممارسة حياته على ما يرضي الله .
وكتبه
سعيد بن محمد آل ثابت
THABIT66@GMAIL.COM
آفاق رمضانية (3)
آفاق رمضانية (4)