اطبع هذه الصفحة


جامعة الوالدة...!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


حينما تبزغ منائر السعادة في موضع محدد، أو جهة معينة، أو حديث خاص، فإننا لا نتردد في الوصول إليه، والمسارعة، وبذل الغالي والنفيس من أجله..!

وبالفعل يجدها كثيرون جهة والديه، و(حق الأم) أمتن وأعظم،(حملته أمه وهنا على وهن)سورة لقمان. وهو ما ينتابه على الدوام... يستطعم موائد السعادة في السلام عليها، وفِي سواليفها وحكاويها، وفِي قهوتها وتمراتها...!

قال بعضهم: ( ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم ). تفيض نعومة ورحمة، وتشع إحسانا وحنانا...!

إنه شيء يعجز عنه الوصف..! وكيف إذا طبخت واستطعمت من يديها، فلا تحدّثني عن مطاعم فاخرة، أو مجالس فائقة، أو موائد شهية ...! فالطيب كل الطيب في الأماتِ...!

كل ما ضاق خاطري، أو تغيرت نفسي، ذهبت للحديث معها، وأشاورها أحيانا، واستنشدها الأقارب، ومشكلات الناس، وما صنع آل فلان،،،،! فتفيدك، وتضحكك على طريقة الكبار في لطف التندر، وانسيابية القصص....

وحين لا تجد جامعة تضمك، ولا مرافق تحتويك، ولا بشر توآنسك، فهلم لجامعة الوالدة، وعش عبقها، واسكن في مرافئها، واهنأ بأندائها...!

فعلا إنها جنة، تشع طيبا، ومسكا وكافورا وعنبرا، وهي جامعة من حيث جمع أروع الخصال، تثبت وتشجع وتؤازر...!

تجمع روائع الإحسان، ولذائذ المعروف..، فلا يغب عن خاطرك نفعها كما انتفعت بها، والتأدب معها قولا وفعلا( فلا تقل لهما أفٍّ )سورة الإسراء . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ( كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ ).

تغلق كل المجالس، وتسكر المطاعم، وتغيب جوالات الأصدقاء، ويسافر الأحباب، ويبقى بيتها مثوى، ومستقرا لنا ومتاعا إلى حين...!

هي جامعة من الحب والحنان، والشهامة والمعروف، ولذائذ الطعام.،!

وعندها يكتب القلم، وينقدح الفكر ، وقد كتبت مقالات عاليات في كنفها وجنبات غرفتها،..! استطعم السعادة، وأعيش جامعة الراحة والمعرفة، وأستذكر طرائف القصص والأخبار ..!

تذكّرك بصباها، وقديم حياتها، وطرائق الناس التالدة،،،! لا يمل كلامها ...

هي جنة مزركشة الألوان، وجامعة مشكّلة الأزهار مختلفات.، تختلف لونا وحسنا، وتختلف هدوء وجمالا، وتختلف طعاما ونكهة...،!

فيا لله ما أسعدَ ، من أبواه حوله، ينتابهما من حين لآخر، ويتعاهدهما برا ومعروفا وإلفاً مؤانسا...! وفِي حديث ( أصحاب الصخرة) ، كان بر الوالدين من أسباب نجاتهم وسعادتهم..!

ساعة تقضيها معها من أطيب الساعات،،،! وبرغم الزواج والإنجاب تبقى للوالدة لذةٌ ولذات، وسرور وسعادات، وطيب ومُفرحات، وبهجة ومكرمات...!

تخالطك السعادة، وتكسوك المودة، وتشعر بالاعتزاز الباذج، واللذة الإيمانية والراحة النفسية الكاملة، وصدق الحديث( فالزمها فإن الجنة تحت رجليها ) كما عند النسائي، واشتهر ( الجنة تحت أقدام الأمهات )....ولا يصح بهذا اللفظ ويغني عنه السابق...!

أحادثها وأكتب، وتتكلم وأسمع، وتضحك وأقيد، في حميمية رائعة لا تكاد توجد لنا مع زملائنا، وهذا إن دل ، فإنما يدل على طيبتها وسعة صدرها..

وسعتنا بصدرها وحنانها، وبيتها وبرها،... نضخُّ فيه كل مشكلة، وننزل بها كل نائبة، فتوجه وتعين، وتساعد وتقضي...!

بيتها لي مرفأ للسعادة، ومنتدى للتأليف، ومأوى للإجادة، نلقى فيه الكتب والمحاسن والمتاع والطيب النفيس...!

ليست متعلمة ولكنها مثقفة، وقد حاولت في مدارس محو الأمية، ولكنها لم تستكمل، وقصرنا في تعليمها،،! ولكنها أدمنت (إذاعة القرآن الكريم)، وتفقهت بشكل عجيب حتى إنها لتراجعني في مسائل كثيرة ، وترد وتناقش..! وتعلّمنا منها (إذاعة لندن)، وكانت تلتزمها ايّام أزمة الخليج، فتحلل وتفيد وتستفيد....

ولا زالت مع كبر السن، تتردد على برامج القرآن، والقنوات الإخبارية وتوافيك بالجديد، وتسوق لك الحوادث والوقائع...!

ولا تخلو مجالسها من المطعومات الشعبية، والنكهات اللذيذة، التي تستدام مع مرور الأيام، ونطلبها متى شئنا..!

وإذا أكثرنا زيارتها صاحت مازحة: زوجناكم ولا زلتم حلالين عندنا..! وإذا أبطأنا عنها أسبوعا استنكرت وقالت المثل العامي المشهور :( قلبي على ولدي وقلب ولدي على الحجر )...!

تعلمت منها هذه الأمثال وأشباهها ولَم أكن أصغي لها كثيرا، ولكنها رسخت عندنا ضرورة الاهتمام بالحياة الاجتماعية والموروثات الشعبية، والشغل المطبخي، وتحدثك بالدعوات والمناسبات أولا بأول ، فهي سجل ثقافي مشحون بالفوائد وقد قال ابراهام لنكولن ( أعظم كتاب قرأته أمي )...

ولا تكاد تراها عابسة غليظة، بل دائماً مبتسمة منشرحة، تترفع عن مشكلاتها لتسعدنا، وتقدم القهوة الزاكية، والشاي اللذيذ المحكور، والذي تعجب من صناعته....!

معطاءة لفظا ومعنى، تجود ولا تبخل، وتمنح ولا تطلب، مروءتها فاقت أخلاقنا، وغرقت كل حسناتنا في بحر المروءة والشهامة المملوك لها...!

كان يكفينا ونحن صغار فتواها في سلامة الخبز المكدس، بلا ثلاجات، فإذا أباحت استطبناه، ونوقظها ليلا لقدح ماء داف، منزوع الصفاء والبرودة...! فتسقينا فإذا هو أطيب كأس وأصفاه....!

يا رب أعنا على حسن صحبتها ومودتها، كما الحديث النبوي ( أمك ثم أمك ثم أمك، ثم أبوك ) كلمات جسّدت عظم حقها، وموفور فضلها، ولا يُنتسى الأب ودوره ومحاسن ما قدم..!

ولكن الأم تبقى جوهرة الحياة، ونجمة الصفاء، وأريج المساء، والوطن الأول والأخير، ومركز الراحة النفسية وكما قال بعض الشعراء وأظنه درويش : السلام على أمي، أول الأوطان، وآخر المنافي...!

والأم وطن الأوطان، وسر الإحسان، وموضع المحبة والاطمئنان...!

وإذا تضيق مدائنٌ وحدائقٌ/ فاهرعْ لمنهل دوحة التحنانِ

تلق الجمال مطيّباً ومزخرفاً/في ذلك المخزون والعنوانِ...!

فيا أيها اللاهثون وراء والديهم،والمترددون على حبهم وأنسهم، زوروهم بهدية وبر، وتحف ومعروف، وبزاد وإحسان، فإن وقعها عليهم لشديد، ويعزز الانتماء لهم، والاحتفاء بكينونتهم الاجتماعية والعاطفية ، والله الموفق....

ومضة/ تبقى الأم كالجامعة في مرافقها، والحديقة في أفنانها، والمياه في ريّها وأندائها...!

١٤٣٩/٢/١٢


 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية