اطبع هذه الصفحة


قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...!
مفاهيم جديدة للاحتساب(١٨)

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! وقفات أولية ....[١]
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! أفكار الصحوة...! [2]
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! التدين وصحوة التدين...! [3]
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! أثر الصحوة الاسلامية.. [4]
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! الرموز شكلا ومضمونا...! [5]
القراءة النقدية لكتاب الاستاذ الغذامي (٦) فضاء تويتر أم النت،،،؟!
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! الموقف من الحداثة..!(٧)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! الصحوة الفكرية...!(٨)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! مزايا الصحوة المحلية (٩)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! اللحية التجديدية أو الثقافية (١٠)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! حلم الناصرية العروبية..(١١)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! المفتاح المنهجي النقدي.(١٢)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! الصحوة ظرف ثقافي (١٣)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! خطاب الشريط الإسلامي (١٤)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! حكاية الصحوة (١٥)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! الحراك النسوي عام ٩٠م (١٦)
قراءة نقدية لكتاب (ما بعد الصحوة ) للأستاذ الغذامي...! الحجاب شريعة وهوية ( ١٧)

يبدو المؤلف ضَجِرا بشدة من قضية الاحتساب والمفهوم الصحوي له، وخطّ خطوطا فيه، ونظّر تنظير العالِم بالواقع الاحتسابي، والمأخذ الفقهي، والدقة المقاصدية، وتحس من خلال الطرح المكنون، حاسته النقدية، ومفرمته الكاشفة لوضع دعوي مغلوط، وقدم رؤية محدَّثة بزعمه وفهمه،،!
فتعالوا ننظر ما الذي ارتآه في هذه المسألة ذات الخطورة....!
- يقول تحت فصل: ثقافة الاحتساب ،سلطة الرقم سلطة الصوت : ( هناك علاقة ثقافية ما بين الرقم والصوت،،،،،! وكل حركة ثقافية إذا امتلكت حشدا وصوتا عاليا ، فإنها ستكتسح على الغالبية الصامتة ،،،!ص(٧٥)
وهذه دعوى بلا دليل، بل الأغلبية الصحوية كانت في النطاق التديني الصحوي، ومسرورة بالإنجازات الدعوية.
- يقول( جرى في الصحوة أن استُخدم مصطلح إكثار السواد ، كقيمة تحفيزية لندب شباب الصحوة للتجمع في المكان المقترح،،،، ص(٧٥)
- ( يكون المعروف أمرا من الأمور الدين المتفق فيها، ومن هنا وصفت بالمعروف ، أي ليس مما خلافي واجتهاده ومفتوح للخيارات...) ص(٧٦)
- ( ولكننا سنرى أن الأمر يجنَح به الحماس ليشمل المسائل الخلافية وقد حدث ... مع قيادة المرأة للسيارة والنقاب ، ... وأمور صغيرة كاللحية وتقصير الثياب...) ص(٧٦)
- (... أن الهيئة غير احتساب الصحوة، فهذا تطوعي وتلقائي ويتحرك بإرادته وحشده ولا يتقيد بالرسمي...) ص(٧٦)
- احتساب الصحوة أخذ ثلاث صيغ: الاحتساب بالضغط، ويقصد الاحتشاد، والاحتساب بالتبليغ، ومثل له بجماعة التبليغ ص(١٠٢) والاحتساب بالعنف، ومثل له بحركة جهيمان ص(١٠٦) الواقعة ١٤٠٠ للهجرة ،،،) ص (٧٧)
- (..في معرض ٢٠١١م تجمع المحتسبون وتصرفوا على الرغم من وجود مكتب رسمي لهيئة الأمر بالمعروف...) ص(٧٨)
- (...الاحتساب لكشف التغريب : تم بناء نظام ذهني محكم الحلقات حول التغريب المجتمعي والثقافي ، وبأن المجتمع ضحية لمؤامرة تغريبية ، تديرها عقول وطنية،،،) ص (٨٢)
- ( أن الاحتساب الصحوي اتجه لاختيار أصعب الخيارات في تناقض تام مع حديث عائشة : ((ما خُير رسول الله، بين اثنين إلا اختار أيسرهما )) وادعى أن المحدث مسلما رحمه الله بوب له: باب مباعدة النبي صلى الله عليه وسلم عن الآثام واختياره من المباح أيسره...) ص(٩٧)
وهنا خطا علمي ننبه عليه في موضعه ...!

ونعلق هنا تعليقات لابد منها :

١/ أولا : حقيقة الاحتساب والمعروف :
الحسبة كما يعرفها علماؤنا ( ولاية دينية يقوم ولي الأمر - الحاكم - بمقتضاها بتعيين من يتولى مهمة الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، والنهي عن المنكر إذا أظهر الناس فعله، صيانةً للمجتمع من الانحراف، وحماية للدين من الضياع والاستهانة ).
وهي وظيفة رسمية تضطلع بها الدولة المسلمة لتأمين حياة الناس ودينهم ، ويُنتقى لها الأكفاء الجيدون .
وليس معنى ذاك منع الآخرين من المشاركة، لأن الله يقول: (( كُنتُم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )) سورة آل عمران .
فدل على وجوب المشاركة من الجميع قدر طاقته وجهده وأيضاً لحديث مسلم (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )).
قال النووي رحمه الله: ( وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين رحمه الله: لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة ). ( شرح مسلم٢/٢٢).

٢/ حقيقة المعروف والمنكر:
فالمعروف لغة ضد المنكر ويطلق على الوجه والجود وما يسديه الإنسان .
واصطلاحا : اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات ). لسان العرب (٩/٢٤٠)
والمنكر هوالمنكر في الاصطلاح: كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه. ( اللسان٥/٢٣٣)
وقيل ما قبح شرعا وعقلا، وقيل غير ذلك .

٣/ الموقف من المسائل الخلافية : وهل تدخل تلكم المسائل المختلف فيها في قضية الأمر والنهي، أم يتجنب الإنكار فيها، لأنها ليست قطعية أو من المجمع عليه،،؟! وما علاقة ذلك بالقاعدة الأصولية ( لا إنكار في مسائل الخلاف)..؟! ومثّل هو بمسائل يتأكل بها التيار الحداثي كالحجاب والسيارة للمرأة وما شابهها...!
وخص المؤلف ذلك بالمجمع عليه واستثنى المختلف فيه كهذه المسائل وأشباهها،
وهنا يتجلى الخلط بين الخلاف والاجتهاد
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-:
"وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل. أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً. وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء.
وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار.
أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس).(بيان الدليل ص٢١٠)
وقال تلميذه ابن قيم الجوزية رحمه الله:( وقولهم "إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مَسَاغ لم تنكر على مَنْ عمل بها مجتهداً أو مقلداً..) (إعلام الموقعين ٣/٣٠١)
وأنكر ذاك الإمام الشوكاني رحمه الله واعتبرها أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،،، كما في كتابه (السيل الجرار).
وقال ابن قدامة المقدسي فيما نقله ابن مفلح : ( لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات ). الآداب الشرعية لابن مفلح ( 1/186)
وبخصوص مسألة حجاب المرأة لمشايخنا الأجلة تفصيل وتدقيق مستوفى فيها، وفيهم من كان أستاذا للمؤلف ويجله ويثني على طريقته التعليمية وأنه علمهم التفكير النقدي،،! وهو العلامة المحقق شيخنا محمد العثيمين رحمه الله، فيقول في بعض فتاويه (رحمه الله، ردًا على من قال: "المسائل الخلافية لا إنكار فيها: " لو أننا قلنا المسائل الخلافية لا ينكر فيها على الإطلاق، ذهب الدين كله حين تتبع الرخص؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين الناس. نضرب مثلاً: هذا رجلٌ مسَّ امرأة لشهوة، وأكل لحم إبل، ثم قام ليصلي، فقال: أنا أتبع الإمام أحمد في أن مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء، وأتبع الشافعي في أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وسأصلي على هذه الحال، فهل صلاته الآن صحيحة على المذهبين؟ هي غير صحيحة؛ لأنها إن لم تبطل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، بطلت على مذهب الشافعي، وإن لم تبطل على مذهب الإمام الشافعي، بطلت على مذهب الإمام أحمد، فيضيع دين الإنسان.
المسائل الخلافية تنقسم إلى قسمين؛ قسم: مسائل اجتهادية يسوغ فيها الخلاف؛ بمعنى أن الخلاف ثابت حقاً وله حكم النظر، فهذا لا إنكار فيه على المجتهد، أما عامة الناس، فإنهم يلزمون بما عليه علماء بلدهم، لئلا ينفلت العامة؛ لأننا لو قلنا للعامي: أي قول يمرُّ عليك لك أن تأخذ به، لم تكن الأمة أمة واحدة، ولهذا قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله-: " العوام على مذهب علمائهم".
القسم الثاني من قسمي الخلاف: لا مساغ له ولا محل للاجتهاد فيه فينكر على المخالف فيه لأنه لا عذر له..)انظر فتاوى الباب المفتوح.
ومستخلصات فتوى الشيخ وتقريره :
- أن الخلافيات متعددة وكثيرة ولو ترك الإنكار فيها لضاع الدين .
- يفرق بين الخلاف والاجتهاد، فالأول ينكر فيه والآخر لا ينكر فيه الا على العوام .
- أن العامة على دين ومسلك علمائهم كما قال العلامة ابن سعدي رحمه الله.
- حلافا لما يريده المؤلف من العامة، بل يريد يربي في المرأة طبيعة الاختيار الفقهي لما يناسبها إن لم يكن تمردا فقهيا، بدعوى أنها مسالة خلافية..! ودعواه أن المسائل الخلافية لا يجوز فيها الإنكار منقوض بكلام الناس، وفي فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء أمثلة وتفصيل لهذه المشكلة .
وقالوا في بعض الفتاوى:
ولهذا النوع من المسائل أمثلة كثيرة ، منها :
1- إنكار صفات الله تعالى التي مدح بها نفسه ، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم تحت مسمى : "التأويل" وهو في الحقيقة تحريف للنصوص .
2- إنكار بعض الحقائق التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم مما سيحدث كنزول المسيح وكالميزان والصراط .
3- ما قاله بعض المعاصرين من جواز أخذ الفائدة على الأموال المودعة في البنوك ، مع أن هذا هو عين الربا الذي حرم الله ورسوله .
4- القول بجواز نكاح التحليل ، فإنه قول باطل مخالف للعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له.
وغيرها مما لا يأتي على الحصر،،! فهل يقول عاقل فضلا عن فَقِيه أن لا إنكار فيها،،،؟!

٤/ تصنيف الاحتساب : حاول استقراء وضعية الاحتساب فخلص إلى تقسيمه أقساما شرحها في كتابه، وزاد على الصحوة ما ليس منها، إذ ليس كل مسار ديني يمكن إلحاقه بالحالة الصحوية المحلية، وإدخاله جماعة التبليغ والجهيمانية في مصاف الصحوة فيه نظر، وغلط علمي وتاريخي، إلا إذا قصد المعنى اللغوي فيمكن، لأن الصحوة الفعلية التجديدية في المملكة كانت بعد حركة جهيمان، بل إنها كانت من آثارها حيث اتسمت بالعلم والهدوء والسلمية ، وأما التبليغ فهي حركة تدين منعزلة في الواقع السعودي الصحوي، وظهرت نخبوية مبكرة، إلى أن فنيت، ونشاطها في غالبه خارجي أقصد خارج البلاد، ولم تكن متوازية مع العمل الصحوي المتسم بالعلم والوعي الفكري والسياسة الشرعية، والتي تجلت في قضايا الأمة الكبرى، وهو مما يتنافى مع منهجية التبليغيين...! ولم تسلم من مؤاخذات وفتاوى علمية من رؤوس أئمة السلفية، كإهمال العلم الشرعي والخروج الجماعي وتسويق الأحاديث الضعيفة وترك النهي عن المنكر،،! مع أن لها جهدا هدائيا
لا نظير له ..
ولذلك لم تتناغم مع النفَس الصحوي، وكان حضورها في فترة ما قبل الصحوة، وتلاشت بعد ذلك في الواقع السعودي، بل اشتداد العود الصحوي ونكير المشايخ عليهم ، عزلها تماماً عن الأثر الأخلاقي الذي أحدثته سابقا، وأسلوب الاستلطاف المطلق، وهو من محاسنها الرائعة، ولكن لم تندمج بالصحوة....!!
وحركة جهيمان إن كان قصد في أول نشأتها فصحيح، وأما في اقتحامها الحرم وهو منكر مجرّم، فإنها هنا محاولة مهدوية انقلابية، تقمصت غلافا سياسيا ودينيا، وانتهت بنهجها العنفي من وقتها، ولم تكن الصحوة الرشيدة امتدادا لها، أو ذات صلة عضوية بها، كما يقول الحمد وبعض الهجين الفكري يقول( جهيمان قضي عليه جسديا ولكنه انتصر فكريا وثقافيا..) كمحاولة للربط ليك كل الحركات الدينية،،، ولكنه ربط مغلوط، ومحاولة تزييفية، للفارق المنهجي والذرائعي، وهي فتنة مرفوضة، وقى الله العباد والبلاد شرهم..!

٥/ الاحتساب بالاحتشاد: نعم تميزت به الصحوة وكان من سماتها، ولكنها مارسته في مناسبات معينة كالمناكر الفاشية والتي تأخذ شكل الجماهيرية كالذي حصل من رواد الحداثة في الأندية الأدبية والجنادرية، وأما مناكر الأسواق والحياة العامة فلم تُمارس فيه الاحتشاد كما ادعى المؤلف ..! بل مورس فيها الشجاعة الذاتية وصدقية المبدأ..!
ثم إن الصحوة تحركت لاعتقادها بأن الشعيرة واجبة على الجميع، فامتثلت الأمر واجتهدت، وأحيانا سدت خلل الجهة الرسمية وتواصلت في بعض المرات مع الهيئة الشرعية، وهم يعتبرون ذاك واجبا كفائيا، لا سيما ما حصل فيه التقصير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:... ( والله تعالى أخبر بأنها (الأمة) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقد أوجب ذلك على الكفاية منها) .(٢٨/٢٢٥).

٦/ تشوه صورة المحتسب اجتماعيا وثقافيا :
وهذا زعم ادَّعاه، ونعتقد أن الهيئة كان مرضياً عنها، ولم تتشوه إلا عند خصومها والكارهين لها من سدنة الإعلام والحداثة والعلمنة وبقايا القومجيين،،!
وأما عوام الناس فكانت الهيئة مصدر احترام وهيبة عندهم، وُضعت لحفظ الدين وصيانة الأعراض، وإذا ما تم تجاوز اغتفر لهم، بخلاف السنوات الأخيرة وما بعد الحادي عشر من سبتمبر،،،!
وخلاصة الكلام كله، أن الاحتساب الشرعي عموما لا يتوافق والتوجهات الحداثية، لأنه يعد شكلا من التدخل في الحريات، وهي قضية مقدسة عند حمّاليها، ومستنسَخة برمتها من الفكر الغربي، ولم يستطع أتباعهم من الداخل العربي وعيها أو تطويرها أو تقديم ملحوظات عليها أو مراعاة القيم العروبية ضمنها، وتمييز القيم الإسلامية من خلالها،،،،!
بل كانوا صدى لها وبلا ثمن معروف، سوى ثمن الانعتاق والتقليد الأعمى، ورضا المغلوب بتابعية الغالب والله المستعان .
ويجهلون القيمة الإيمانية والاستعلائية الشرفية للأمر والنهي في الشريعة الإسلامية، يقول الإمام القرطبي - رحمه الله - : ( هذه الآية مدح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ويظل هذا معها ما أقاموا ذلك، فإذا تركوا ذلك التغيير زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط الخيرية). الجامع للقرطبي (٤/١٧٣).

٧/ زعمه خصوصية الإنكار بالمسائل المجمع عليها فحسب،،! وما عداه فيضاد المنهج الشرعي وحديث عائشة (( ما خُير رسول الله بين أمرين الا اختار أيسرهما ))
فهذا شكل من التفسير الحداثي والعلماني للدين وقراءة جديدة للنص الشرعي، إذ لم يقل أحد بذلك، وإلا لماتت الشعيرة ولضاع الإسلام بهدا المفهوم، ولسادت المناكر، لأنه ما من مسألة إلا وقد حكي فيها خلاف...!
وأما استدلاله بحديث عائشة رضي الله عنها فكما وضحته الترجمة وهي للإمام النووي رحمه الله شارح مسلم، وأن ذاك مخصوص بالمباحات، ففي الشرح يقول ( كان أبعد الناس منه ) : فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها .
قال القاضي : ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم هنا من الله تعالى ، فيخيره فيما فيه عقوبتان ، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية ، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصار ، وكان يختار الأيسر في كل هذا قال : وأما قولها : ( ما لم يكن إثما ) فيتصور إذا خيره الكفار والمنافقون ، فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا).
قال ابن بطال رحمه الله في شرح البخاري: ( يحتمل أن يكون هذا التخيير ليس من الله؛ لأن الله لا يخير رسوله بين أمرين عليه في أحدهما إثم، فمعنى هذا الحديث ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بين أن يختار لهم أمرين من أمور الدنيا على سبيل المشورة والإرشاد، إلا اختار لهم أيسر الأمرين، ما لم يكن عليهم في الأيسر إثم؛ لأن العباد غير معصومين من ارتكاب الإثم) . انتهى.
إذن فالمؤلف أورد الحديث في غير سياقه، وليقرر أن المشيخة السلفية اختارت أشد الآراء في مسألة قيادة السيارة للمرأة، وقد حفظنا من أول الطلب ( من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب !!) وأظنها للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله.
وقد عاب هو على الشيخ الدكتور عوض القرني وفقه الله، تدخله في القضايا (الحداثية الأدبية)، وهو لا يملك الأدوات من اللغات والفلسفة واعتبر كتابه معيبا علميا،،،! وإذا به هو يتدخل في تخصص الشيخ عوض وإخوانه من الشرعيين فيزل زلة شنعاء تفرغ الشريعة من مضمونها الإصلاحي والدعوي، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،،،!
وأفدح من ذاك كتابه الموازي لهذا الصادر عام (٢٠١١) ( الفقيه الفضائي ) والذي كتبه على طريقة حذاق الأصوليين من التقرير والفحص والإيراد والمناقشة والاستدلال ، وهو لا يملك أدوات النظر الشرعي ولا الأصولي.،!
فأين اتهامكم وتهكمكم بالشيخ عوض قبل مدة، وفي الكتاب وعلى شاشات الفضائيات،،،،!!
وهنا ننبه على الخطأ العلمي الاصطلاحي الذي وقع فيه ولكونه غير متخصص، وهو نسبة ترجمة الحديث (للإمام مسلم) رحمه الله...!
والمعلوم المشهور أن مسلما وضع (الكتب) أي العناوين الكبرى فقط بدون تراجم، والتراجم وقعت من شراح الأحاديث كالنووي والقرطبي وغيرهم . ووجد من يشكك في الكتب أيضا، لكن الأبواب شبه متفق عليها كما نص ابن الصلاح والنووي رحمهما الله،
قال الإمام ابن الصلاح في (الصيانة 103): ( ثم إن مسلما رحمه الله رتب كتابه على أبواب، فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه، لئلا يزداد بها حجم الكتاب، أو لغير ذلك).
ويقصد أن مُطالعه يشعر بعملية التبويب الممنهجة، ولكنه حذفها ليتخفف أو شغل عنها...!
ولذلك اجتهد النووي وغيره في ذلك والله أعلم.

ومضة/ الاحتساب الصحوي كان قويا بذاته لا بظنه وحشوده...!
 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية