اطبع هذه الصفحة


دقيقةٌ في بيت الألباني
مقالةٌ نشرتُها في حينها في مجلة الشقائق

محمد بن سليمان المهنا
@almohannam

 
بسم الله الرحمن الرحيم


لم أكد أبلغ بيتي إثر صلاة المغرب مساء السبت ٢٢ / ٦ / ١٤٢٠هـ حتى صاح صائح الهاتف، فإذا بزوجي تعزيني في وفاة محدث العصر، ناصر السنة، حامل لواء الاتباع، الإمام الهُمام: محمد ناصر الدين الألباني. رحمه الله تعالى

فزعتُ من هول الخبر ثم فزعت بآمالي إلى الكذب، وقلت لها: لعلها شائعة كاذبة فقالت: بهذا تكاثرت الأخبار على شبكة الإنترنت

نعم .. جاءت الأخبار بموت الشيخ فشقَّ عليَّ وعلى إخواني من محبي العلم والعلماء ألا نشهد الصلاة عليه ودفنه، وألا نؤم بيته فنعزي فيه، وعاد ذلك على أنفسنا بالحزن والمرارة، فبقينا ههنا يُعزي بعضنا بعضاً.

ووالله لئن شطَّ المزار، ونأت الديار، فلن يزداد المؤمنون لإخوانهم إلا قُربا، وولاءً وحُبا.

ولقد صدق الإمام الحافظ محدِّث واسط، خميس بن علي الحَوزي المتوفى سنة ٥١٠هـ إذ قال:

فلا تحسبوا أن الحبيب إذا نأى
وغاب عن العينين غاب عن القلبِ

أما أنا فقد ذهب بي التفكير كل مذهب، وصار بين ناظريَّ ذلك المشهد الذي شهدتُ فيه محدَّث الأُمَّة حين أكرمني الله بزيارته في بيته بعَّمان.

نعم .. زرتُه في آخر فصول حياته، في وقت عزَّت فيه زيارته، حتى لقد تعجَّب بعض طلبة العلم في عمان وقالوا: كيف استطعت إليه سبيلاً؟ فوالله لم نره منذ سنتين!

وأنا الآن أقف عن الكتابة، وأكتفي بأن أنقل لك أيها القارئ ما كتبتُه بُعيدَ لقائي بالشيخ مباشرةً، فذاك أصدق تعبيرا، وأدق وصفا.

فإن وجدتَ قصوراً في أسلوب، أو وهناً في عبارة، فالتمس لي العذر، وتذكَّر أنها "مذكرات شخصية" كتبها شاب متحمس للقاءٍ كريمٍ، لم يدر في خلده أن أحداً سيقرؤها.

(نحن الآن في عصر اليوم الأخير من يوميْ بقائنا في عمَّان، وسنكون بعد العشاء إن شاء الله في مقر حفل الزواج الذي قدِمنا عمَّان من أجله، وبعد الفجر سنكون في الطريق إلى القريات حيث موعد سفرنا إلى الرياض في الساعة العاشرة صباحا.

إذن .. لم يبق لنا من وقت نستطيع فيه زيارة الشيخ الألباني إلا عصر هذا اليوم وبعد المغرب إلى العشاء.

قلتُ لصاحبي ورفيقي في رحلتي: لم يبق لنا من وقت رحلتنا إلا كذا وكذا، وإخواننا لم يستطيعوا أن يُدخلونا على الشيخ مع أنهم قد وعدونا، فلابدَّ أن نحاول ذلك بأنفسنا قبل فوات الوقت.

اتصلتُ بمضيِّفنا وسألته عن الحي الذي يسكن فيه الشيخ، فقال: أنا آتٍ إليكم الآن، فرجوته أن لا يفعل، ولكنه أصرَّ مشكوراً، وجاء وحملنا بسيارته إلى حي (ماركا الجنوبية) حيث يسكن الشيخ الألباني.

ولما بلغنا مكاناً قريباً من بيته سألنا رجلاً مُسِناً يبيع في دكان: أين بيت الشيخ الألباني؟ فأشار إليه.

بلغْنا منزل الشيخ، فإذا هو في مرتَفَع، في طريق صغير مسدود لا يكاد يتسع إلا لسيارة واحدة تقف فيه.

وبيت الشيخ في أيمن هذا الطريق الصغير، بيت قديم متواضع بابه حديدي أزرق، إذا دخله الداخل ترقَّى في درج أشبه ما يكون بـ(الروشن) تحته أرض فيها شجر.

وصلتُ أنا وصاحبي إلى الباب ورأيت لوحة بابه وقد كُتب عليها اسم الشيخ بالطريقة نفسها التي نراها في كتبه المطبوعة في المكتب الإسلامي، بالخط الفارسي

محمد ناصر الدين الألباني

فلما رأيت اسمه خفق قلبي فرحاً ببلوغي بيته، ولهفة وشوقاً إلى رؤيته، ثم طرقتُ الباب فأجابتني امرأة "أظنها ابنة الشيخ" عن طريق جهاز الجرس فقلتُ بعد السلام: إننا نرغب في السلام على الشيخ.

فقالت : الشيخ نائم، وهو لا يستقبل أحداً ولن تستطيعوا الدخول عليه.

فقلت: إننا شابان قادمان من الرياض، نريد السلام على الشيخ، ورحلتنا إلى بلدنا غداً، وليس لنا من وقت سوى هذا الوقت، ونحن بأشد الشوق إلى لقائه، ولن نُطيل عليه، ولن نشق عليه، فلعلكم تتفضلون علينا بالإذن بلقاء الشيخ.

لكنها المرأة قابلت ما قلته بأسلوب واضح، وذكرت أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً.

فقلت لها: إننا نسكن في مكان بعيد، وجئنا بعد سؤال وعناء، ونحن في أشد الشوق إلى رؤية الشيخ، ولن نغادر بلده إلا بعد رؤيته، وأطلت الكلام وفصَّلت فيه، وحاولت بكل أسلوب، وصاحبي يضحك من إصراري ويشير بيده ويغمز بعينيه كي لا ألحّ في الطلب، لكنّي –على غير عادتي- لم أزدد إلا إلحاحا.

فلمّا رأت المرأة شدة حرصي قالت: لا أستطيع إدخالكم عليه الآن أبداً، وكل ما أستطيع أن أصنعه أن أحاول أن أدخلكم عليه بعد المغرب، ولا أضمن لكم ذلك بل المرجح أن ذلك غير ممكن!

عند ذلك قلت: سننصرف، ولكن اعلمي أننا نسكن في وسط البلد، وبيننا وبينكم وقتٌ وجهد، وسنستأجر سيارة ونتكلف مالاً، فلا تردونا جزاكم الله خيراً.

ثم انصرفنا إلى منزلنا وقبل أذان المغرب بنصف ساعة نزلنا إلى الشارع وركبنا سيارة أجرة وقلنا للسائق: ماركا الجنوبية

وصلنا (ماركا جنوبية) وصيلنا المغرب في مسجد قديم من مساجد الحي الجبلي المتواضع، ثم جئنا إلى بيت الشيخ، وطرقنا الباب فأجابت المرأة وقالت: أننا آسفون .. لن نستطيع إدخالكم !!!

فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أبعد هذا الجهد وهذا الترجي تقولين هذا؟
لن ننصرف حتى نرى الشيخ.

فقالت: إنه لا يستطيع مقابلة الناس ويتعبه ذلك، فقلت: لن نجلس معه، ولن نتحدث إليه، ولن نسأله سؤالاً واحدا. لكنها رفضتْ!

رفضت طلبنا فرجوتها أن تحاول، فذهبتْ ورجعتْ بعدم الموافقة، فزدتُ إلحاحاً –وما أنا بمِلحاح- فذهبت وأحضرتْ معها على هاتف الجرس امرأةً أخرى (هي زوجة الشيخ) فكلَّمتُها بمثل ما كلمت الأولى فقالت: إن الشيخ يتعب من الكلام، فقلتُ: لن نتكلم معه بكلمة، ولن نسأله سؤالا، إنما هو سلام، وقبلة رأس والسلام.

فقالت: ستقولون له : كيف صحتك! فقلت : ولا هذه أيضاً .. فقالت: كم أنتم؟ قلت: اثنان فقط، قالت: أدخلا، ولكن على شرطنا.

ثم فتحتْ لنا الباب بالمفتاح الكهربائي، فأسرعنا الدخول حتى صعدنا الدرج، ودخلنا الباب فإذا بمدخل صغير، فيه باب مفتوح على حجرة أمام الداخل من باب البيت، وإذا في الحجرة رفوف عليها كتب قليلة، ومنضدة عليها كتب أيضاً وحولها كراسٍ أربعة.

وإذا بنا نفاجأ بأن على أحد هذه الكراسي الأربعة شخصاً جالساً قد جعل ظهره إلى الداخل إلى الحجرة .

نظرتُ .. فإذا به الشيخ الألباني ذو التسعين عاماً جالساً على كرسي، وإذا هو قد نشر كتاباً من الكتب القديمة الصفراء يقرأ فيه وعليه نظارة ذات إطار أسود وإذا هو يلبس طاقية بيضاء وقد نحل جسمه الطوال وخفَّت لحيته وطالت من تعاقب السنين، حتى صارت كلِحى كبار السن في بخارى وتركستان.

فلما رأيته دقَّ قلبي وسَرَت في جسمي نشوة فرح شديدة، حتى كاد ينعقد لساني:

وتمنيت أن أرا --- كَ فلما رأيتكا
غلبتْ دهشة السرو --- ر فلم أملك البُكا

كنت أظن أن سندخل عليه وهو على فراشه أو في حال قريبة من ذلك، ولكنها الهمة والنَهَم.

تقدمتُ إليه وأتيت عن يساره وقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فمدَّ يده إلى نظارته ببطء وخلعها وقال: وعليكم السلام، ثم أطبق الكتاب الذي بين يديه فنظرت إليه فإذا هو مسند الإمام أحمد "الطبعة الميمنية" ثم صافحتُه وقبلتُ رأسه وفعل صاحبي مثل ذلك وسألناه عن حاله -ناسياً الشرط- وهو يجيب أحسن جواب، ويرحب بهدوء وبطء، ثم قبضتُ يده، وذكرتُ له حبنا له في ذات الله، ورفعتُ يده لأُقبِّلها، فشدَّها وقبضها بقوة، وأبى عليَّ أن أقبِّلها.

ثم تذكرتُ شرط امرأته فقبَّلتُ رأسه وودعتُه، وودعه صاحبي وخرجنا.

خرجنا وبنا من السرور والاغتباط ما لا يوصف ولا يُحصى بهذا اللقاء القصير، لا سيما وقد رأينا بالشيخ من علامات الهرم والتعب، ما ظننا معه أننا لو تأخرنا بضعة أشهر فلن نلقاه والعلم عند الله، ونسأله سبحانه أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله).

هنا انتهى ما كتبته في مذكراتي من وصف الزيارة، وقد صدق حدسنا وظننا، فلم يبق الشيخ بعدنا إلا بضعة أشهر ثم قُبض، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم آجِرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها.
اللَّهم صلَّ وسلِّم على نبينا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.

 

محمد المهنا
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • خطب
  • الصفحة الرئيسية