اطبع هذه الصفحة


التخلق بالقرآن

أبو محمد بن عبدالله

 
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وأزواجه وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين؛ وبعد:

فإن هذه خواطر طرقَت خاطري ونحن في شهر رمضان  وشهر القرآن عام 1426هـ، فأردت أن أبثّها فيكم.. فإمساك بإحسان أو تسريح بمعروف، فمستعينا بالله تعالى أقول:

إن شهر رمضان شهرٌ كريمٌ عظيمٌ، وقد يختلف تكريمُ الناسِ له وتعظيمُهم إياه؛ فهذا يعظمه بالسهرات، وذاك بأنواع المطعومات!!  ومنهم من يعظمه على السُّنة بصيام نهاره وقيام ليله، وهذا هو الأهدى سبيلا والأقوم قيلا..

أيها الإخوة والأخوات، إنه ليس أفضل تفضيلا، ولا أعظم تعظيما ولا أكرم تكريما لهذا الشهر العظيم من تفضيل وتعظيم وتكريم الله تعالى له. فكيف يا تُرى فعل الله  سبحانه ذلك؟!

إن الله تعالى لما أراد أن يعظم هذا الشهر الكريم إنما أنزل فيه القرآن، وفضَّله به على سائر الأشهر، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] فمن أراد أن يكون ربانيا في تكريم رمضان فعليه بالقرآن...

عليه بالقرآن تلاوة قراءة وترتيل، وعليه بالقرآن تلاوةَ اتباعٍ وعملٍ،  وعليه بالقرآن تدبرا وتأملا، وعليه بالقرآن عملا وتحاكما وتحيكما، وعليه بالقرآن اهتداء واقتداء...

ينبغي أن نكون قد خرجنا من رمضان  ونحن علينا لباس كثيف من هدايته؛ فإنه يهدي للتي هي أقوم... أقوم في العقيدة، وأقوم في الشرائع، وأقوم في الشعائر، وأقوم في المشاعر... قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9]، وقال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]، بل في الآية التي ذَكر الله تبارك وتعالى فيها أنه أنزل القرآن في شهر رمضان بَـيَّنَ أنه إنما أنزله هداية وتِبْيانًا وفرقانا: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2].

 فإذا غفلنا عن هداية القرآن فقد غفلنا عن القرآن، وإذا جهلنا هدايته أو حصرناها فقد جهلنا القرآن أو حصرناه، وإذا تركنا هدايته في جانب من الجوانب فقد هجرناه في ذلك الجانب.

إن الله تعالى أنزل هذا القرآن العظيم في هذا الشهر الكريم وفرض علينا صيامه، والنبي  صلى الله عليه وسلم سنّ لنا قيامه كما في الحديث: «إن الله فَرَضَ صيامَ رمضانَ، وسَنَنْتُ لكم قِيامَه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرَجَ من ذنوبه كيوم ولدتْه أمُّه» (ابن الأثير؛ جامع الأصول في أحاديث الرسول، رقم:[ 7122]، وقال عبد القادر الأرناؤوط فيه:حسن بشواهده ).

ولعل من الحكمة في ذلك أن نعيد تنزيل القرآن كلَّ مرة؛ وبما أنه نزل في رمضان، لكن ننزله على قلوبنا ومنه إلى واقع حياتنا؛ لتحقيق هداية الدارين.

وقال سبحانه: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [النمل:92].

ألا فلنعلم جميعا أن القرآن جاء من أجل الهداية...

نعم نقرأه للتعبد وابتغاء الأجر والثواب.. وهذا من تَفَضُّلِ الله تعالى علينا أن زادنا في القرآن أنه متعبدٌ بتلاوته.. ولكن هذا زيادة على المهمة الأساسية للقرآن التي هي الهداية، أو قل هذا جانب من الهداية وطرف من المهمة وليس كلها، بل التعبُّد بتلاوته نفسه مَعين الهداية وطريقها.

إن القرآن جاء ليكون شفاءً ولنستشفي به، كما قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]، لكنه ليس منحصرا في دواء الرُّقاة وإن كان ذلك منه، إنه شفاء لأمراض الأبدان نعم، لكنه أشفى لأمراض القلوب وأمراض الهوى. إنه دواءٌ لأدواءَ شتى نفسية وعقلية  ومنهجيه و سلوكية...

بعض المسلمين انحرفوا عن هذا الشمول إلى التضييق، أو إلى الابتداع؛ فبعضهم يقرأ القرآن على الموتى في مآتمهم أو مقابرهم، إلى درجة أنك إذا أصبحت أو أمسيت وأنت تسمع صوت مقرئ مشهور تساءل الناس أو تعالموا أنْ قد مات أحد وهذه (وليمته!!)(1).

 وكان هذا من فعل الشيخوخة وكبار السن الأميين، فجعلتْهُ للأموات... بينما هو: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يـس:70].

ثم إذا بنا نُفاجأ ببعض الشبيبة، بعد الشيوخ؛ هدانا الله وإياهم، جعلت القرآن للمرضى، ففتحوا به " دكاكين الرقية!!" وترى الطوابير والتذاكر توَزع، والمواعيد تُضرب حتى لا يُحترم فيها وقت صلاة ولا حرمة حريم .. واحتُرِفَت الرقية حتى صار بعضهم يقرأ في خزان كبير من الماء ومن جاءه يسترقي أفرغ له منه وقبض الثمن!! وبعضهم يكتب مجموعة آيات وأدعية بالحاسوب ويصغر الخط حتى أنك لا تقرأه إلا إذا قمت بتكبيره.. ثم يقوم بطبعه بآلة الطبع فإذا جاءه من يسترقي أعطاه قصاصة يمحوها فيشربها أو يغتسل بها أو يدَّهِن، فجعلوه للمرضى!  ألهذا فقط أُنِزَل القرآن؟.. وفي رمضان؟!

نعم نستشفي بالقرآن وهذا من تَفَضُّلِ الله تعالى علينا أن زادنا في القرآن أنه شفاء حتى للأبدان، ولكن هذا زيادة على المهمة الأساسية للقرآن التي هي الهداية، أو قل هذا جانب من الهداية وطرف من المهمة وليس كلها..، بل إن فعلها على السنة عبادة نتقرب بها إلى الله، ومن لم يستشفِ بالقرآن فقد هجره في هذا الجانب كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى.

جاء القرآن ليُقرأ على الأموات فيحيون، لا ليُقرأ على المحتضرين فيموتون... قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يـس:69-70].

فلعل من حكمة سنِّ القيام في رمضان أن نعيد تنزيله على قلوبنا وفي واقع حياتنا، وحتى نستحضر الحال والزمان الذي نزل فيه القرآن إلى السماء الدنيا وعلى قلب النبي الكريمعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم

لعل ذلك أيضا لكي نعيد استلهام الحياة من القرآن كما حَيَتْ به الأمّة أول مرة وصلح به أولها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24].

 لقد أحيانا الله تعالى بما جاء في هذا القرآن الكريم، فحيَّهلا إلى الحياة فيه وبه وله، والبدار البدار للاستنشاق قبل الاختناق؛ فإن في غير سمائه لا حياة!

إنه لِزَامٌ علينا أن نخرج من رمضان وقد اتقينا الله تعالى ما استطعنا في أن نتخلق بأخلاقه الكريمة.

لما سُئلت أمُّنا عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت في إيجاز وشمول: «كان خلقه القرآن» (الألباني؛ صحيح الجامع، برقم:[ 4811])؛. كـان يتخلق بالقرآن فيُحل حلاله ويحرم حرامه، ويتفاعل معه.

فعن سعد بن هشام بن عامر، قال: أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: «كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل: {وإنك لعلى خلق عظيم}» [القلم: 4](أحمد: المسند، برقم:[24601]، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح).

وفي رواية: «كان خلقه القرآن؛ يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه يرضى برضاه ويسخط بسخطه» (الطحاوي؛ مشكل الآثار، برقم:[4434])، قال الإمام الطحاوي:" وهذا أيضا أحسن ما يكون الناس عليه؛ لأنه لا شيء أحسن من آداب القرآن ومن ما دعا الله الناس فيه إليه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك غير خارج عنه إلى ما سواه".

نعم؛ أيها المسلمون وأيتها المسلمات، الوقوف عند حدود الله تعالى وتحريم حرامه هو من التخلق بأخلاق القرآن، ولكن هناك جانب آخر من أخلاقيات القرآن يغفل عنها أناس أنها من حلاله وحرامه ومن أخلاقه. قال السندي في حاشيته: "وكون خلقه القرآن، هو أنه كان متمسكا بآدابه وأوامره ونواهيه ومحاسنه، ويوضحه أن جميع ما قص الله تعالى في كتابه من مكارم الأخلاق مما قصه من نبي أو ولي أو حث عليه أو ندب إليه كان صلى الله تعالى عليه وسلم متخلقا به، وكل ما نهى الله تعالى عنه فيه ونزه، كان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يحوم حوله"، فلابد إذن أن نخرج من رمضان وقد صار القرآن خُلُقنا.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (مسلم؛ صحيح مسلم، برقم:[ 233])؛ فماذا في رمضان إلا الصيام والقيام، وما روح القيام إلا القرآن؟!

أمرنا الله تعالى بالتزود فقال عز شأنه: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:197] وبَيَّنَ مَعين هذه التقوى فقال- جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] فتزود من صيامك وقيامك من الإيمان والتقوى والخلق ما يوصلك إلى محطة التزود الأخرى، إلى رمضان الآخَر.

لو تمسَّك المسلمون أمةً وأفرادًا ببعض أخلاق القرآن الكريم؛ بدءا من أيِّ رمضان فما يأتي عليهم رمضان آخر إلا وقد تغير من حالهم الكثير، وتقدموا نحو النصر والمجد والسؤدد والقيادة والريادة والسيادة بقدر ما كان القرآن خُلُقَهم، إنهم لا بد أن يقتربوا من النصر والفرَج ولا شك؛ لأن ذلك النصر عند الله تعالى ومِن عنده يتنزل، ومن تقرَّب إلى الله  تعالى واقترب منه  سبحانه وجد ذلك عنده. أليس الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «ومن اقترب إلي شِبرًا اقتربت منه ذراعا، ومن اقترب مني ذراعا اقتربت منه باعا، ومن جاءني يمشي جئته أهرول، ومن جاءني يهرول جئته أسعى، ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أكثر منهم وأطيب» [أحمد؛ المسند، برقم:[21360]، قال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين)]. وقال أيضا في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّهُ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت وأنا أكره مساءته» (البخاري، صحيح البخاري، برقم:[6502]).

وإن مما فُرِض علينا القرآن العظيم: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [القصص:85]، فهذا القرآن مفروض علينا معرفته وتلاوته والعمل به والحكم به والتحاكم إليه وتبليغه إلى الناس كافة... ومِن منطلق هذه الفرضية وبناءً عليها يكون أحب ما يتقرب به إلى الله تعالى ويقربنا إليه فيقترب منا سبحانه، ويَقْرُب منا عَوْنُهُ ونصرُه وحِفْظُه ورحمتُهُ...

كل هذا لا بد أن نتزوده من القرآن خاصة خلال شهر القرآن، ولا نظن أن التراويح لمجرد الأجر أو التبرك وإن كان ذلك منه!

علينا أن ينطبع في قلوبنا في كل شهر رمضان أن الدين كَمل والنعمة قد تمَّت بهذا القرآن الكريم...

فعن ابن عباس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان إن جبريل عليه السلام كان يلقاه، في كل سنة، في رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة»( البخاري، صحيح البخاري، برقم:[6] ومسلم؛ صحيح مسلم، برقم:[ 2308])

وفي رواية: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْرِضُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَلَى جِبْرِيلَ، فَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَيْلَتِهِ الَّتِي يَعْرِضُ فِيهَا مَا يَعْرِضُ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي هَلَكَ بَعْدَهُ، عَرَضَ فِيهِ عَرْضَتَيْنِ»(الإمام أحمد، المسند، برقم:[ 3010]). فلاحظ في هذا الحديث أمورًا:

أن قراءة القرآن في رمضان، ليست مجرد تلاة نتمتع بها بصوت المقرئ، أو تقليدًا ألفناه عن الآباء والأجداد، وليس فُرجة تقضي عليها الأفلام ومبارايات أكأس العالم، وليس حتى تعبُّدًا محضًا نبتغي الأجر وكفى؛ بل هو مدارسة وتعَلُّمٌ وتفَهُّمٌ، ففي الحديث يُدارسه القرآن وإذا لم يكن فيه مجالس تفسير وفقه وأصول؛ فإن الناس كانوا على السجية والفقه بالطبيعة واللسان، فقراءته نفسها دروس.

ثم لا حظ ليس فقط اقتران مدارسة القرآن بالعمل الصالح، وبتطبيق ما فيه من أعمال الهداية، ففي الرواية الأولى تبيِّن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جوادًا، وفي رمضان أكثر، حين يلقاه جبريل، ويفتح معه مائدة القرآن يكون أجود من الريح المرسلة، سرعة في الخير وقوة وعذوبة ملمس.

أما الرواية الثانية فتبين أثر هذه المدارسة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بعد المدارسة وبعد قراءة أوامر وتوجيهاته، والتزود بروحانياته يزداد عملا واستجابة: « فَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لَيْلَتِهِ الَّتِي يَعْرِضُ فِيهَا مَا يَعْرِضُ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ» ..

 والذي يصبح بعد مدارسة كل ليلة، ومدارسة رمضان كله أجود بالمال، وهو عنوان الكرم، لن القرآن كريم، وفي صحبة رمضان الكريم، وبإنزال الله الكريم، وبرسول ملائكي كريم عليه السلام، فلا بد أن يتأثر النبي صلى الله عليه وسلم بجو الكرام هذا، وبصحبة الكرم هذه، فيصبح كريمًا.

لا شك أن يكون أجود بالخلق أيضًا، وليس بالمال فقط، بل ينفق المال والخُلُق، من بِرٍّ وإحسان وصلة ودعوة وتعليم وجهاد، وكلها من الخُلُق؛ وهو الذي نسع به الناس دون المال، كما النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُم لن تسعوا النَّاس بأموالكم فسعوهم ببسط الْوَجْه وَحسن الْخلق»(الألباني؛ صحيح الترغيب والترهيب، برقم: [2661]، وقال: حسن لغيره). وهو يقطع حجة فقراء المال في ترك الجود والإنفاق.

بل حتى في مجال الدعوة لا نملك أن نقيم الدروس والمحاضرات لجميع الناس في العالم؛ لأن ذلك يُجهدنا ولا نطيقه، بينما حسن الخلق هو الذي دخل به الناس في دين الله أفواجًا في الفتوحات الإسلامية.

أيها الحكام والسلاطين، أيها الرؤساء والوزراء، أيها القضاة، أيتها الرعية والرعاة، أيها العلماء والدعاة، أيتها الشعوب، أيها الشيوخ والطلاب، أيتها الأمهات، أيها الآباء والبنات والأبناء ... إن الله فرض علينا جميعًا القرآن جميعًا، وأمرنا كافًّ أن نَدخُل في السّلم كافّة، لم يستثن منَّا أحدًا ولا من القرآن شيئا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة:208].

علينا أن نكون قرآنيين، ولكن ليس على سَنن قوم ضالين يسمون أنفسهم" القرآنيون" وصفهم  النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعانًا على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن؛ فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم؛ فان لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قِراهم» (التبريزي؛ مشكاة المصابيح، ببرقم:[ 163]، وقال الألباني: صحيح). فإن هؤلاء لو صدقوا في أنهم "قرآنيون" لوجدوا الله تعالى يأمر بالسنة في القرآن فيقول لهم: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7]، ولوَجدوا فيه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، فلو صدقوا في اتِّباعهم للقرآن لاتَّبعوا السنة ولتأسَّوْا برسول الله  صلى الله عليه وسلم،
وإن أردنا أن نضرب للتخلق بالقرآن أمثلة،  فلنأخذ بعضًا من أخلاق القرآن ونبين حُلو ثِمارِ التخلق بها ومُرَّ ثِمارِ التخلي عنها.. كالصدق والظن، وغير ذلك مما جاء في القرآن من الأخلاق.


-----------
(1)- سميتها وليمة، والأصل أنها مأتم، لأن بعض المآتم تراها كحفلِ فَرَحٍ مما يجاء به من القصَّاصين، وما يكثر فيها من الأضحوكات المضحكات، حتى إن الرائي يظنها وليمة عرس، لا مأتم عزاء..

 والله أعلم

 

أبومحمدعبدالله
  • المقالات
  • سلاسل علمية
  • الصفحة الرئيسية